"سعد روماني" : في المرأة سلام وحرية وطن

ضـاوية خليـفة – وهـران

كان مهرجان وهران للفيلم العربي بوابته للتعرف على الجزائر وجمهورها ب"برد يناير"سنة 2012 ولأنها كانت مشاركته الأولى بمهرجان جزائري ضرب موعدا ثانيا لجمهوره ب"سحر الفراشة" ، والذي أثبت من خلاله المخرج المصري "سعد روماني" سعيه الدائم ليكون بأعماله مدافعا عن قضاياه بأفكار بسيطة تحمل أبعادا اجتماعية وسياسية تتطلع لمعرفة رؤية الناس على اختلاف مستوياتهم وتوجهاتهم للواقع خاصة بعد ثورة 25 يوليو.

يُل��حظ في أفلامك اهتمامك الكبير بالمرأة وقضاياها سواء في "برد يناير" أو "سحر الفراشة" وهي أعمال أشاد بها النقاد والجمهور بغض النظر عن الجوائز التي منحت للفيلمين فلماذا هذا التوجه للمرأة ؟
المرأة في مجتمعنا العربي هي المشكلة الحقيقية، معنى ذلك أننا نتعامل معها على أساس أنها غير متساوية مع الرجل حينما نجردها من حريتها ونطالبها في نفس الوقت بتأدية أدوارها على أكمل وجه، هي أدوار قد تكون مساوية للرجل، أو أكثر منه في أحيان كثيرة وقد تكون أقل طبعاً، شخصيا أرى أن حرية المرأة من حرية الوطن والمجتمع، هناك عبارة دائما أرددها "الأوطان تشبه نساءها"، فالحرية التي تمنح للمرأة تعكس مجال الحرية الموجودة بتلك الأوطان، فوحدها المرأة من تكشف لنا مقدار الحرية الموجودة بمجتمعاتنا، من غير المنصف أن لا نلتفت كمخرجين لها وللدور الكبير الذي تقوم به حفاظاً على سلامة أبناءها وأمن وطنها.

قلت حرروا المرأة، الفن والأحلام تحرروا أرض بأكملها …
صحيح، لأن المرأة هي التي تُربي الأجيال والوطن وتتابع الاثنان معا، أول انتماء للإنسان يكون للأم، أما الفن فهو ضمير الأمة فلو قيدناه يفقد أبجدياته وقدرته على التعبير عن هموم وقضايا الأمة، أما بالنسبة للأحلام فإن رأيت أي مواطن يحقق أقصى عدد ممكن من الأحلام فاعلم أنه يسير بشكل صحيح، ولكن إن وجدت أن بين الناس وأحلامهم حواجز أكثر من الحلول الممكنة والمتاحة فتأكد أن تلك القيود أكثر من الأحلام والحريات، لهذا أعتبر أن حرية الوطن تبدأ بتحرير المرأة والفن والأحلام معاً.

إعلان

باعتقادك هل أضافت الثورة المصرية والثورات العربية ككل للمرأة مسؤوليات أكثر ؟
لا أعتقد أن للثورة علاقة بوضع المرأة في مجتمعاتنا، فوضعيتها قبل أو بعد الثورة بقيت على حالها لم يتغير الشيء الكثير حتى لا أقول لم يتغير قط، وفي الحقيقة المرأة في الوطن العربي عموما مسلوبة حقوقها ولا استثني المجتمع المصري في ذلك.

قلت أن السينما هي سحر فإلى أي مدى تمكن هذا السحر من نقل تفاصيل هامة عن الشعب المصري خاصة في هذه الفترة بالضبط ؟
لو راجعنا أنفسنا قليلا وسألنا ذاكرتنا عن الأشياء التي تعلمناها في حياتنا ومن التجارب الفردية المكتسبة نجد أن الكثير من الدروس  استقيناها من السينما، فالعديد من البلدان زرناها من خلال تلك الشاشات التي قربت البعيد وجعلت العالم قرية واحدة، فالسينما علمتنا الكثير من الأشياء وخلقت فينا أجمل القيم وتركت لدينا انطباعا جميلا ونقلت لنا مجموعة من الأحاسيس والمبادئ الوطنية، يكفي أنها غرست فينا فكرة الانتماء للوطن، هناك مشاعر عشناها من خلال الإحساس الصادق الذي خلقته فينا العديد من الأفلام تاركة في أنفسنا الأثر البالغ والكبير، أنا لم أزر الجزائر قبل اليوم لكن عرفتها وأحببتها من خلال فيلم المخرج  يوسف شاهين "جميلة بوحيرد"، قبل أن أذهب إلى لبنان عرفت هذا البلد وأحببته من صوت فيروز، فالسينما والفن عموما لديه أداة سحرية تنقل صدق المشاعر والأحاسيس للجمهور العريض على فترات طويلة، وهنا تكمن أهمية ومسؤولية الفن، والسينما بشكل خاص لها سحر خاص يجعلها تتميز عن باقي الفنون في التأريخ لأحداث معينة من الزمن الإنساني، وباعتقادي أن المخرجين بمصر أعطوا تلك الأحداث حقها في الأرشفة والتوثيق.

في بداية الثورة المصرية كان الكثير يتحدث عن تأثير الثورة على السينما واليوم أصبح الحديث مركز على تراجع الإنتاج ما تعليقكم على هذا الأمر ؟
ربما هو تراجع للسينما المصرية على مستوى الإنتاج، شخصيا لا أعتبره تراجع لأنه في المقابل هناك زيادة في عدد الأعمال التلفزيونية، يمكن بدأت النجاحات السينمائية والمهرجانات والجوائز تأخذ حقها من خلال أعمال مستقلة، وبالتالي هو تراجع في السينما التجارية وازدهار السينما المستقلة بدليل المشاركة الواسعة للسينما المصرية المستقلة في العديد من المهرجانات وأخذها لجوائز عدة مثلا فيلمي "برد يناير" أخذ بين ستني 2011 و 2013 حوالي 12 جائزة دولية، هناك أفلام كثيرة يمكن الاستشهاد بها كفيلم "فرش وغطا" الذي عرض بتورنتو، الآن هناك أفلام مهمة يمكنها أن تدخل مجال المنافسة من الباب الواسع، لكن على مستوى الأفلام التجارية فإن الإنتاج التلفزيوني أثر عليها بشكل كبير.

طيب ما هي أهم الانجازات التي حققها مثقفو وفنانو مصر في هذه الفترة ليس على صعيد الإنتاج الفني فقط بل أيضا على مستوى الحريات ؟
أهم الانجازات التي حققها ويعمل لأجلها الفن على المدى القصير والطويل هو صراعه الدائم مع المجتمع لكسر التابوهات والمواضيع المسكوت عنها، فالفن بإمكانه أن يصل إلى المكان الذي يصعب ويستحيل على غيره وصوله ويستطع تناول كل المواضيع بكل حرية خاصة في مجتمعاتنا العربية التي تعاني من الرقابة بشكل كبير، بينما السينما المستقلة بإمكانها كسر حدود الرقابة، كان الفن دوما في صراع، وبالتالي لا نستطيع قياس الانجازات التي حققها الفن ويكفي أنه لم يتراجع، بل كلما استطاع أن يرفع سقف الحرية في السينما المستقلة، وفي الحقيقة هذه الحرية لم تمنح لنا بل نحن من رفعنا سقفها بأنفسنا.

إعلان

بدأت الثورات العربية، فاتجه الكثير من السينمائيين إلى توثيق تلك الأحداث التي وصفها البعض بأنها أعمال غير ناضجة كونها تكتفي بنقل الواقع وتفتقر إلى التحليل ما رأيكم في هذا التصنيف ؟
كل مرحلة لها أفلامها التي بمقدورها أن تعبر عما حدث في تلك الفترة بالضبط، فيما يتعلق بالتوثيق كل واحد مهتم بالسينما بيده كاميرا يستطيع أن يسجل ما هو مطروح أمامه من أحداث سواء بالموبايل أو بالكاميرا، كما يمكن للمار بالشوارع أو المتظاهر أخذ تلك اللحظات في فيديوهات وصور ويحدث التوثيق هنا عندما يرفع مادته على الانترنيت، وبالتالي فرص تزوير التاريخ اليوم أصبحت ضئيلة، فنحن يمكننا جميعا الآن العودة إلى الانترنيت في حال أردنا معرفة تفاصيل أي حادثة أو واقعة تاريخية فالتوثيق مهم جدا في هذه الحالة، ممكن هناك من يرى أنها أفلام استعجالية يقصد بها الأفلام الروائية لأنه بالفعل هناك أعمال تحاول أن تستكشف الواقع وأخرى تريد معلومات أكثر عنه لم تكشف بعد أمام الرأي العام، لكن هذه الأفلام كان ضروري أن تكون لأنها تعبر عن مرحلة معينة وهامة من تاريخنا، صحيح كانت فيه أعمال بها شيء من الارتباك بطبيعة الحالة المرتبكة التي انعكست على أعمال هؤلاء المخرجين، شخصيا لا يمكنني أن أقول أني مع أو ضد هذا التصنيف، لأن كل فترة لها أفلامها، الأفلام التي صورت الأحداث المصرية ستنصف على أنها انتاجات وثّقت للثورة أو تحدثت عنها في وقتها تحسب لمؤلفيها ومخرجيها سواء كانوا محايدين أم لديهم بعد نظر ورؤية مغايرة، وما ساعد على توثيق تلك الأحداث لحظة وقوعها هو الانترنيت واليوتوب والهواتف محمولة التي تتضمن تقنيات عالية مزودة بخدمات متطورة، فكل واحد في ميدان التحرير كان إما حامل كاميرا أو يصور بالهاتف، فإذن التوثيق لم يقتصر على السينمائيين وأعتقد أن الثورة المصرية كانت من أكثر الثورات وأوفرها من ناحية التوثيق، كما أن الفنانين المصريين سواء فنانين،مخرجين أو ممثلين كانوا حاضرين بقوة ولعبوا دورا كبيرا، كما أنهم كانوا في الصفوف الأولى ولم يترددوا أو يتخاذلوا أو يتراجعوا لأن مهمتهم الأولى وطنية قبل أن تكون فنية.

متفائلون بمستقبل السينما والفن عموماً في ظل الحكم الحالي ؟

مستقبل السينما المصرية ليس مرتبط بنظام حكم معين لأنه ولا نظام يمكنه الآن أن يقف في وجه كاميرات وأفلام مستقلة سنعمل أفلام ولا أحد سيوقفنا ولا قوة ستنقص من إرادتنا وعزيمتنا، بعض المشاكل والمضايقات التي واجهها مجموعة من الفنانين المصريين كانت موجودة قبل حكم الإسلاميين وأثناء حكمهم وحتى بعدهم، لكن السينمائيين المستقلين يحاربون بكاميراتهم لينتصر الفن والسينما وليتمكنوا من صنع أفلام دون رقابة أو ضغط إنتاج أو أي شيء يعيقهم ويقيدهم، بعد اليوم لا يمكن لأي أحد أن يكسر جناح السينما المستقلة لأنها بعيدة عن الثورات ففكرة السينما المستقلة ثورية غير مرتبطة بالثورة أو حدث سياسي معين وهي متمردة على أي طريقة سينمائية، ومن يعمل في هذا الإطار أي السينما المستقلة لا يوجد شخص يمكنه أن يوقفه بالعكس سينتج أفلاما مع أناس تقاسمه نفس الرؤى والأفكار وممكن أن يذهب بها لأكبر المهرجانات ويأخذ جوائز وان حدث وصدت في وجهه الأبواب يمكن ينزلها على الإنترنت ويشاهدها الآلاف.

يرى الكثير أن كل ثورة تأتي بجيل جديد من السينمائيين ورؤية مغايرة هل هو حال السينما المصرية اليوم ؟
لا الثورة لا علاقة لها بذلك إنما الذي أظهر الجيل الجديد من السينمائيين الشباب هو التكنولوجيا والإنترنت، عاملان أساسيان ساعدا كثيرا الشباب والثورات، فلا أحد يمكنه أن يتجاهل الفضل الكبير الذي قدمته مواقع التواصل الاجتماعي كالفايس بوك، تويتر، اليوتوب وغيرها، فالوضع الآن لم يعد كالسابق ولا يقارن بالماضي من قبل كان الأمر يتطلب كاميرا كبيرة ومعدات كثيرة، أما اليوم باستطاعتي انجاز فيلم بكاميرا صغيرة أو هاتف محمول وفي ظرف قياسي يمكنني تحميله على الإنترنت ويشاهده الآلاف ويصل إلى أماكن لم نكن بالغيها إلا بعد فترة طويلة، فالذي أوجد هدا الجيل من السينمائيين هي التكنولوجيا التي منحتنا فرصة قضينا سنوات ونحن نبحث عنها لنظهر ما يمكن أن نفعله عندما تكون الإرادة وتتوفر الإمكانيات، قلتها مرة أن أصحاب الأحلام السينمائية هي التكنولوجيا الواسطة العادلة التي بإمكانها مساعدتهم على تحقيق طموحهم وأحلامهم، والشرط الذي أراه ضروريا في كل هذا هو الخيال الذي تبنى عليه الأفكار حتى تكتمل وتصبح عملا سينمائيا متكاملا.

إعلان

بعد "سحر الفراشة" هل تشتغل حالياً على مشروع سينمائي جديد ؟
لدي مشروع أخر انتهيت منه مؤخرا ويتعلق موضوعه أيضا بالمرأة، أتفاوض عليه مع مهرجانات دولية كبرى، وأشتغل أيضا على فيلم وثائقي طويل جديد سنتحدث عنه في وقته.

ما هي قصتك مع المرأة ؟
سبق وقلت أن المرأة هي مشكلتنا الأكبر وبطبيعة الحال من غير المعقول أن أرى المجتمع غير منصف للمرأة أو أمي التي علمتني الكتابة ورافقتني دروب الحياة ولا أقف بجنبها وتتعدد تلك الأشكال، أنا عن نفسي أعتبر أن اهتمامي في أفلامي بحواء يعد شكل من أشكال رد الجميل وإنصاف المرأة، فمن أهم المواضيع المتداولة في حياتنا وفي مجتمعاتنا العربية تكون عن المرأة، لأن حرية المجتمعات تقاس بها وهي أصل وهبة الحياة والجزء المهم فيها وأساس المجتمع

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان