فيلم "أنا..أنا": ما الذي بقيّ للنساء؟

حفظ

طاهر علوان

في رحلة نحو الذات وهي تتشكّل وتتشظّى وترى وتُدرك وتتحول وتتفاعل في فضاء بلاد تصنع ثورتها ، رحلة أريد لها ان تروي ما لم يُروَ للناس أو مايجب أن يُقال ويُحكى عن الثورة والناس واليوم والغد لاسيما وأن الثورة قد أخذت مساحة واسعة جدا من أماني الناس وأحلامهم العريضة  التي ادخّروها عُمراً ليروها وقد اكتسبت شكلاً مختلفاً أو أشكالا مختلفة وكل يعبر عنها بطريقته.
تلكم هي قصة الثورة المصرية الأحدث ، ثورة يناير التي صنعها الشعب بإرادته ودافع عنها بعقله وضميره وها هي تنعكس بشتى الأشكال في حياة الناس وفي رؤاهم لحاضرهم ومستقبلهم وإلى أين يسيرون في مجتمع صنع ثورته من جهة وتفاقمت أمامه ترسُّبات ما قبل الثورة وما بعدها من صراعات بين قوى السلطة من جهة وتيارات الثورة وصنّاعها من جهة أخرى .

"أنا..أنا" واحد من الأفلام التي عُرضت ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان (ادفا) ، المهرجان الدولي الأضخم للسينما الوثائقية الذي اختُتم في أمستردام مؤخراً والفيلم من إنتاج هولندي ومن إخراج (كورني فان ايخرات و بيتر لوم ) .

 

يحكي الفيلم قصصا أكثر ذاتية وإنسانية لأربعة فتيات مصريات شابات كل مبدعة في مجال عملها وكل لها رؤاها نحو حاضرها المُعاش ومستقبلها وكل تترجم مشاعرها عن المجتمع والثورة والحياة ومستقبل مصر وحياتها الشخصية كما مشاعر الحب والكراهية والأمل والطموح والخوف في تشظيّات متلاحقة يكتظ بها الفيلم فلا يقرّ لكاميرا المخرجين قرار ولا تشبع نهم الصورة تكوينات ثابتة وعرض تقليدي للموضوع، بل إنها أحاسيس مضطربة ومتداخلة تكتظ بها الصورة وتتشبع بها .

القدمان الغائصتان في الرمال ، الفتاة التي تُصوِّر نفسها في الطريق، لقطات كثيرة وغزيرة للطريق والرحلة اليومية  للشخصيات سواء بالسيارة أو بالقطار، وهناك تتعدّى وسيلة النقل وظيفتها إلى كونها وسيلة انتقال من حسّ إلى آخر ومن أزمة ذاتية إلى أخرى ولهذا تجد ذلك الفيض التعبيري الذي تُقدّمه صور متلاحقة تُخرج الشخصيات عن أي عرض تقليدي لأفكارهن ولا إظهار لصور المكان كما هو في المعتاد … الكادرات المهتزة والمقطوعة والتهويمات البصرية التي لايقرّ لها قرار ظلّت جزءاً أساسيا من المشهد الحر الذي يرافق الشخصيات وهن يبحن بمكنونات أنفسهن وأفكارهن.

وفاء سمير، فتاة شابة في الثانية والعشرين من عمرها تعشق التصوير الفوتوغرافي علاوة على تخصُّصها في فن العمارة ترى أنها كينونة تنساب ما بين روح وجسد وماهي إلا نفس ماثلة بل إنها تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في قراءتها لنفسها والتعبير عنها في قولها.. "ما أنا إلا مجموعة أشياء رأيتها وسمعتها وما أنا إلا مكان عشت فيه، أناس لا أعرفهم ولكنهم غيرّوا لي حياتي وأنا لست شكلي ولا مكاني، أنا صوت في داخلي في هيئة صورة ".
بهذا التدفق الإنساني الذي هو أقرب إلى الفلسفة والتصوُّف تُعبّر هذه الفتاة الشابة عن واقعها وأملها وهي تعيش في أكثر الأماكن تلوثاً في مصر، مدينة حلوان، إنها تصنع عالمها من وسط هذا الضجيج الذي لا ينقطع من حولها، تتطلّع من نافذتها العالية إلى الحياة المصرية والرسوم على الجدران والضجيج وترصد ذلك بعين كاميرتها التي رأت في الثورة واقعا يتطلّب مزيداً من الأسئلة .

وبالموازاة  تحضر انثيالات ( سندس شبايك ) ذات الثمانية وعشرين عاما ، بعينيها الخضراوين واعتزازها بحجابها ونظرتها الذكية، هي ذات ميول صحافية قبل أن تُصبح مخرجة مسرحية وهي ناشطة سياسية لها أفكارها الخاصة والجريئة وثوريتها الخاصة التي تُعبِّر عنها من خلال قراءتها لواقعها، فهي يمكن أن تُعبّر عن فكرة الثورة في أكثر من مكان، تدلف إلى عربة المترو أو الحافلة ووسط النساء تُثير أسئلة صارخة عن التحرُّش ويُصبح المكان ميداناً آخر لصراخ النسوة والتعبير عن آرائهن المؤيدة والمحتجة لاسيما وأن الكاميرا لا تفارقها ولكنها والثورة صنوان، فالميدان الذي كان بالأمس القريب ميدان التحرير يصبح جزءاً من الحياة المصرية ومن حياة الشخصيات نفسها وهي ترى أن مصر وحتى ثلاثة عقود مقبلة ستكون هي والثورة صنوان لأنها لا تتوقع أن يحكم مصر حاكم عادل ولا سلطة تنشر العدل والمساواة كما تقول وهو ما يدفع باتجّاه الثورة والميدان بكل تأكيد .

إعلان

وأما ( نادين صليب) مخرجة الأفلام الوثائقية المستقلّة فهي لا ترى في فكرة الموت فكرة مخيفة وتتسامح مع وجود هذه الحقيقة كما تُعبّر عن فهمها الخاص عن العبادة والصلة مع الله في كونها صلة شخصية بين الخالق والمخلوق وهي تروي عن تحدّيات كونها تعمل أحيانا بصفة مساعدة مخرج مما يتطلّب منها أن تعود إلى المنزل في ساعة متأخرة وهذا قد يُعرضّها إلى التحرُّش أو حتى الاغتصاب وعندها لن تجد ما تُدافع به عن نفسها عندما تُسأل وما الذي جعلها تخرج في تلك الساعة المتأخرة من الليل.
قصص التحرُّش تتكرر مثل لازمة وتتردّد أصداؤها مصحوبة بصور اعتداء أجهزة الأمن على سيدة محجبة وسحلها وظهور ملابسها الداخلية في الواقعة المعروفة التي هزّت مصر بعد الثورة، إذ مثلا تروي نادين ما تعرّضت له من تحرُّش وهي ماتزال طفلة صغيرة .

العالم الأنثوي الصامت تعبر عنه ( سارا إبراهيم ) ذات الثلاثة وعشرون عاما والتي تعشق أشكال الرقص التعبيري وتُثير إشكالية المرأة والجسد في أجواء مجتمع له اشتراطاته فضلا عن أن هذه الرغبة في التعبير عن الذات عن طريق الرقص ستصطدم أحيانا بقصص التحرٌّش التي لا تنقطع، مشاهد تُعبّر عنها سارا وهي تخرج إلى فلاة شاسعة لتختلي بنفسها وتنظر تلك النظرة الساهمة إلى اللامكان حيث تتسّع الحياة باتسّاع المدى بينما ستضيق هناك ساعة أن تحاول التعبير عن نفسها بالتصوير مثلا وهي تسير في الشارع .
وبموازاة ذلك تُفصح الفتيات الشابات عن نظرتهن للآخر، وللحب والمستقبل، منهن من تحب من طرف واحد ومنهن من هي محبطة أصلاً من مشاعر الحب لكن تبقى تلك الأصوات الأكثر ذاتية خافتة وسط ضجيج المدينة واكتظاظها وهتافات الثورة والثوار والملصقات ورسومات الجرافيتي التي تغصّ بها الشوارع فضلا عن اختناق الشوارع بالسير .

تتنقل كاميرا المخرجين بين قصص الفتيات الأربع في هارموني ملفت للنظر يغوص في قرارة الذات ولكنه يبتعد عن أي رؤى معتادة للذات والأشياء ودائما هنالك سؤال (من أنا ؟) وكأنه سؤال يرسم كل أنثى في ذلك المكان وفي تلك البيئة وعليها أن تجيب عنه بطريقتها، ولكن الإطار الوحيد الذي يحيط بتلك (الأنا) أو (الذات) هو إطار الحقيقة الماثلة في الخارج، الحقيقة التي تزحف إلى الذات وليس بالضرورة أن تحافظ لها على كونها ذاتاً خاصة ومستقلة عن الآخرين بل أحيانا يبدو التدخل والتسلُّل للحياة الخاصة للشخصية أمراً مُباحا كمثل سؤال الشخصية لِم لم تتزوج بعد إلى غير ذلك.

والسؤال عن (أنا) أو عن الذات يُحيل إلى الإجابة بشكل ما، أن الثورة والأنا الذات الجمعية تعيش ما تعيشه من تحوّلات أو أزمات أو أحلام أو تطلعات.
"أنا ..أنا"  وثائقي يحمل غزارة في الموضوع والصورة والسرد، وتتكامل فيه عناصر الصوت والموسيقى والمونتاج بشكل واضح .

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان