مئوية السينما الهندية في باريس

أفلام هندية استثنائية
ندى الأزهري
مقاطع استثنائية لا تتجاوز الست عشرة دقيقة، هي كل ما تبقى من النسخة الأصلية للفيلم الهندي الأول في تاريخ السينما الهندية بعد ترميم نسخته من قبل هيئة أرشيف الفيلم الوطني الهندية.
لقد شكَل "راجا هاريشتشاندرا" الذي حققه دادا صاحب فالكي عام 1913، منعطفا هاما حين ظهوره في الهند، ليس لكونه الفيلم الهندي الأول فحسب بل لأنه كان موجها للجمهور الهندي. فالهند الخاضعة آنذاك للاستعمار البريطاني، كانت قد شهدت قبله بعض العروض إنما لأفلام أوربية ولجمهور مكَون من الأوربيين وبعض النخبة من أهل البلد.. جاء عرض فيلم فالكي في مومباي ليحقق انتشارا واسعا في كل أنحاء الهند، وليكون الحافز لانتشار سريع للعروض السينمائية في المسارح حيث كانت تقدم المسرحيات الشعبية. لكن ظهور السينما الناطقة أنهى عقدين من الشهرة لفالكي ولأفلامه، ورغم الرؤية التي كان يتمتع بها فقد غرق في النسيان.

" راجا هاريشتشاندرا"، ملحمة اسطورية عن "ملك ضحَى بامبراطوريته وعائلته ليفي بوعد لأحد القديسين" وهو مستوحى من الملاحم المقدسة رامايانا و المهاباراتا. حين عرض عام 1913 عرف نجاحا على المستوى المحلي وبالعودة إلى صحف تلك الفترة يبدو أن الشريط لم يثر حينها سوى المفاجأة والدهشة والحماس ولم ترد ردود افعال مشابهة لما حصل في فرنسا عند العروض السينمائية الأولى للأخوين لوميير إذ تعالت صرخات الناس من الدهشة والخوف و اندفعوا نحو الأماكن الخلفية…
هذا الفيلم سيعرض مع " كاليا مردن" فيلم آخر لفالكي في نسخته الكاملة تقريبا، و الذي يعتبر أول "تحفة في السينما الهندية الصامتة"، في احتفال بمئوية السينما الهندية ينظمه متحف غيميه للفن الآسيوي بباريس من التاسع وحتى نهاية أكتوبر. برنامج غني من ثلاثين فيلما لم يسبق لبعضها العرض في فرنسا، أفلام علامات في تاريخ السينما الهندية قديمها وجديدها من السينما الشعبية التي بات يطلق عليها في التسعينات لقب بوليوود حتى سينما المؤلف.
سيقدم على سبيل المثال الفيلم الهندي الأول الذي عرض في مهرجان دولي حيث قدم في البندقية عام 1937. " سانت توكرام" عن حياة القديس مهاراسترا الذي عاش في القرن السابع عشر، يجسد بداية الافلام الناطقة الغنائية التي انتجتها الاستديوهات الكبرى برابهات المشهورة بأفلامها الميتولوجية والدينية. إنه فيلم موسيقي يرمز إلى أول حركة تمرد قادها القديس ضد نظام الطبقات في الهند (فارنا). ولن يغب أحد كلاسيكيات السينما الهندية الذي كان أول فيلم هندي رشح للأوسكار كأفضل فيلم أجنبي عام 1957، والحديث عن "أمنا الهند" لمحبوب خان الذي يحكي عبر قصة أم مكافحة بروز جيل جديد من الأبناء لا يتقاسم القيم الأخلاقية نفسها لجيل الآباء، وعندها لا مفر من المواجهة في بلد كان يواجه هو الآخر المستعمر ويسعى للاستقلال.
فترة الخمسينات كانت أيضا مسرحا لظهور سينما المؤلف في الهند. ساتيا جيت راي أحد عمالقة السينما الهندية و العالمية الذي قدم منتصف الخمسينات أول فيلم هندي يصور في الطبيعة خارج الاستديو وأول فيلم منح الشهرة العالمية لصاحبه من نيويورك إلى كان 1955.
كان " أغنية الدرب"، أول افلام هذا المخرج الكبير الذي أوحى لأجيال من السينمائيين في الهند الالتحاق بسينما المؤلف، هو الحلقة الأولى من ثلاثية ستعرض كاملة في الاحتفالية تنقلنا في الريف البنغالي بدايات القرن العشرين على ايقاع حياة عائلة فقيرة من البراهمان( أعلى درجة في سلم الطبقات في الهند). الجزء الثاني من الثلاثية "اللا مغلوب" نال الأسد الذهبي في البندقية عام 1957. ورغم أن ثمة من سبق راي في هذا النوع من الأفلام فإن الشهرة لم تلحقه إلا سنوات بعد راي والحديث هنا عن المخرج ريتويك غاتاك البنغالي هو الآخر. سيعرض له "نهر تيتاش"( 1973) و"مي بيمول"( 1961). و ضمن إطار سينما المؤلف ستقدم أفلام لمرينال سن" يوم كبقية الأيام" (1979) عن كفاح أخت كبرى لتأمين عيش إخوتها السبعة، ولآبارنا سن " ساتي" الذي حققه 1989.

لكن الاحتفال لن يغفل بالطبع الافلام الشعبية في الهند وخارجها بموسيقاها ونجومها مثل "المتشرد" لراج كابور في 1951 هذا الفيلم الذي حصد نجاحا كبيرا حيث دار العالم. كما أفلام لأسماء أخرى قاربت السينما الشعبية ولكن من منظار جديد كاتشوتش غواريكر وفيلمه "حدث ذات مرة في الهند"(2001) وفيه الممثل أمير خان في دور فلاح بسيط يتحدى الإقطاعي الانكليزي. هذا الفيلم هو الثاني الذي سمي للأوسكار(2002) وسمح للجمهور الغربي باكتشاف بوليوود.. أمير خان الممثل الشهير يحضر كذلك كمخرج لفيلم " نجوم على الأرض" الذي حققه عام 2007. ولن يحرم المشاهد الفرنسي من فيلم المخرج سانجار ليلا بهانسالي الشهير " ديفداس" بديكوره الضخم وأزيائه المبهرة والمأخوذ عن رواية لساترا شاندرا شاترجي كانت الوحي لما لا يقل عن خمسة عشر فيلما بمختلف اللغات الهندية! الفيلم الذي عرض في "كان" كان كالعادة قصة حب مستحيلة وهبوط نحو الجحيم للعاشق لحرمانه من الحبيبة.
السينما الهندية الشدية التنوع سواء بلغاتها ( هندي، أوردو، بنغالي، تامول…) أم بمعتقداتها الدينية بثقافتها وأزيائها،ستكون حاضرة إذا في هذه الاحتفالية الباريسية حيث سيجري تكريم خاص لشيام بينغال بحضوره.
سعرض لهذا المخرج الذي حقق أكثر من سبعين فيلما و قدم أفلاما باللغة الهندية والأوردو ثلاثية ترسم لوحات لنساء مسلمات. "مامَو"(1994) عن التشتت المأساوي لواحدة من آلاف المسلمين الذي تركوا الهند إلى باكستان بعد التقسيم ، و"سرداري بيغوم"(1996) و" زبيدة"( 2001) عن قصة حقيقية لفتاة مسلمة من عائلة " محترمة" ترفض عمل ابنتها بالسينما. كما سعرض الفيلم الذي عرض في عدة مهرجانات دولية كدبي ومونتريال ولندن " حسنا فعلت آبَا" آخر فيلم لهذا المخرج الذي يندد بالفساد والبيروقراطية بأسلوب فكاهي.
وتختم التظاهرة بعرض فيلم "الدور" لبينغال (1977) الذي يرصد سيرة الممثلة الشهيرة في الأربعينات حسنا وادكار( 1923-1972) التي عاشت حياة صاخبة.
المصادر:- كتالوج متحف غيميه
– حديث منظمة الاحتفالية لراديو فرنسا الدولي