جودي الكناني:- الفلم الوثائقي حياة جديدة للوثيقة

سنرى سيّابا طفلاً يسرد بصرياً مراحل حياته
عدنان حسين أحمد
وُلد جودي الكناني ببغداد عام 1953. درس بقسم الفنون المسرحية في معهد الفنون الجميلة وتخرّج منها عام 1976. ثم درس السينوغرافيا لمدة عام في أكاديمية الفنون الجميلة بفلورنسا في إيطاليا. نال درجة الماجستير في الإخراج السينمائي عام 1982 من معهد يون لوكا كارجيالي في بوخارست، رومانيا. أنجز في أثناء تواجده بالعاصمة الرومانية سبعة أفلام. ثم انتقل بعدها إلى اليمن ليعمل أستاذاً في معهد الفنون الجميلة بعدن في قسم المسرح منذ عام 1983. كما أخرج "180" حلقة تلفزيونية لتلفزيون عدن. وكتب العشرات من المقالات السينمائية للصحافة اليمنية. ثم انتقل إلى الدنمارك وأخرج ستة أفلام وثائقية وروائية وقصيرة وهي "معرضي الجوال"، "عندما تغضب الجنرالات"، "رحلة الى الينابيع"، "الضحية الحي" و "الأخضر بن يوسف" أما فلمه الأخير فيحمل عنوان "السيّاب" وقد أنجزه لمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية. وهذا الحوار مكرّس أصلاً لهذا الفلم الذي سيجد طريقه إلى المهرجانات المحلية والدولية.
أسباب التفرّد
لماذا أردتَ لفيلم السياب أن يكون روائياً وليس وثائقياً؟ وماهي المعطيات الفنية والفكرية التي دفعتكَ لان تخوض هذه التجربه المغايره لما اعتدناه من المخرج جودي الكناني؟
في البداية كان الفيلم روائياً وثائقياً بمعني ديكودراما، ولكن في السياق العام للكتابة بعد البحث جدياً في دقة الوثائق التي وقعت تحت يدي وصلت لقناعة بتجاوز العامل الوثائقي لأكثر من اعتبار، الاعتبار الأول أنَّ السياب كسيرة حياة وكمبدع لايحتاج الى توثيق فهو معروف بشكل واسع، ليس في العراق حسب، بل في معظم البلدان العربية ولمعرفة تفاصيل حياته يمكن الحصول بطريقة سهلة على العديد من الوثائق التي تخص هذا الجانب، لكنني عندما تفحصت ملياً طبيعة الوثائق التي تهم العلاقة بينه وبين مرحلته التي عاشها بتفاصيلها وجدت أن هناك الكثير من الوثائق تحتاج إلى إسناد وثائقي أكثر وتعزيز لصحتها لأن السياب خضع لعملية تشويه كبيرة خاصة في ما يتعلق بمواقفه الفكرية والسياسية. والاعتبار الآخر أنا منذ البداية لم أكن معنياً بطبيعة علاقته بمرحلته وتفاصيلها لأن هذا التوسع يعني البحث عن إمكانات إنتاجية كبيره جداً، بل كنت معنياً بالبحث عن أسباب تفرده، والأسباب دائماً أنا أعزوها للعامل الشخصي البحت، العامل الابداعي، ولذا وصلت لقناعة بالتركيز على حياته الشخصية في أضيق دائرة، دائرة الأقربين، الطفولة وتفاصيلها، وأقول الطفولة لأنني لازلت أعتقد أنها المرحلة الأهم التي تبقى عالقة في الذاكرة وتكون معيناً دائماً ممكن الاستفادة منه على الرغم من كونها مرحلة بسيطة، لكنها تشكل البدايات لصياغة ذاكره يتشكل على أساسها الوعي اللاحق وهو نفسه كتب الكثير من القصائد تتناول تفاصيل مهمة عن طفولته.
تجربة فيلم "السياب" لا أراها مغايرة عن تجاربي السابقة فأنا عملت سابقاً ثلاثة افلام روائية، اثنان في بوخارست، وواحد في الدنمارك، بمعنى أنا عدت جدياً لاختصاصي الحقيقي هو الإخراج السينمائي في الافلام الروائيه. شخصياً أنا لا أجد فروقاً كثيره بين الفيلم الوثائقي والروائي إذا كان التركيز على خلق رؤية والعمل عليها، فالفيلم الوثائقي بالنسبة لي لا يعني السرد أو تناول وثيقة، وإنما تحويل الوثيقة الى حالة حياة جديدة، وبإمكانك أن ترى في فيلم "الأخضر بن يوسف" حيث خلقت أنا سعدي يوسف خاصاً بي وحاولت سبر دواخله عبر تفكيك القصيدة وتحويلها إلى مشاهد بصرية هي نتاج لمخيلتي كمخرج، وفي فيلم "رحلة الى الينابيع" صنعت نفس الشئ مع الفنان قاسم البياتي، الشخصية التي أتناولها لم أكن أسيِّرها، بل تكون هي محل متعة لي لأنها تشحذ مخيلتي وقد حدث الشيئ نفسه مع "السياب".
لوحات بصرية
ما الجديد الذي سوف نلمسه في فيلم "السياب" على صعيد الثيمة والمعالجة الفكرية، وهل سنرى معالجة جديدة تختلف عن أفلامك السابقة مثل "رحلة الى الينابيع" و "الأخضر بن يوسف" أم أنها تقع في ذات السياق؟
– أنا أؤمن بأن المخرج الذي يكرر نفسه عليه أن يتوقف ليراجع تجربته بجدية، والتكرار يعني الوقوف في مكان واحد، وهذه الحقيقه أنا أعيها جيداً ولذا في كل عمل أحاول تقديم رؤية جديدة في أسلوبي الذي أعالج فيه الحدث وأعتقد أنك تلمس ذلك في أفلامي ليس فيها تشابه في السرد، وهنا والحديث عن فيلم "السياب" توقفت كثيراً للعمل على صيغة أخرى للتقديم بحيث لا يبدو الفيلم وكأنه نسخة مشابهة لـ "للأخضر بن يوسف"، الجديد في فيلم "السياب" هو كيفيه تقديمه وقد حاولت أن أجد سيّاباً يروي قصة السيّاب نفسه حيث نراه وهو يبصر نفسه عبر خلق مشاهد مستوحاة من قصائده، فأساس المعالجة عندي أن أكون طرفاً محايداً في سرد حياته كي لا أقع في مطب الوثائقية، لذا نرى سيّابا طفلاً يسرد بصرياً مراحل حياته. هناك في الفيلم سيّاب ميت يرى السياب الحي ويتابع مأساته الشخصية لكن عبر منظار آخر وهو الطفل الذي رأى كل شئ، في هذا الفيلم سنرى لوحات بصرية تحكي قصة حياة، قصة مأساة، وقصة صمود عظيمة عاشها السياب فرغم قصر المسافه الزمنيه التي عاشها، لكنه ضاعف مروره على الأرض، وخلق ذاكرة جمعية للعراقيين في ميدان الشعر، رغم حياته القصيره نسبيا، لكنه كان يشعر بأنه قد عاش طويلاً كما ذكر في إحدى رسائله.
لماذا استبعدتَ الوثائق عن فيلم "السياب"؟ ما الخلل في استعمال الوثيقه أو تطويعها في الفيلم الروائي؟
لا يوجد خلل في تطويع الوثيقه في الفيلم الروائي، لكن استعمال الوثائق يخضع لشروط بنائية في عملية سرد الحدث الفيلمي. أنا أعتقد في الفيلم الوثائقي تكون هناك هيمنة للوثيقة وتفاصيلها في عملية السرد، لكن عندما تكون الوثيقة كمصدر للاستعارة ولبناء عالم مستوحى منها ولا يخضع لشروطها تكون كل تفاصيل الوثيقة خاضعة لمخيلتك أنت كمخرج، هنا أود أن أقول لك أنا مخرج تهمني حريتي كثيراً ولا أريد أن أكون دارساً لوثائق الآخرين، بل مُعيداً لصياغتها، وأبعد من ذالك أن أبحث عن عوالم تشدني فيها لتشكيل عوالم خاصه بي، فأنا لي جنوني الخاص أيضا. أما لماذا استبعدت الوثائق في فيلم "السياب" فأعتقد أنني أجبت على هذا السؤال ضمن الجواب الأول.
وسيلة إيصال
كيف وقع اختيارك على الممثل الشاب حيدر نجم؟ هل ثمة أوجه شبه بين الاثنين؟ أم أن هذه المسألة لا تعنيك كثيراً، وهل تعتقد أنه تماهى مع شخصية السياب أو استنطقها في أقل تقدير؟
حيدر نجم ممثل شاب يعد بالكثير إذا استمر بالحصول على الفرص، وقد قع اختياري عليه لجملة من الأسباب أهمها أنه عميق في تفحصه للنص ويحاول البحث عن تفاصيل وهذه إحدى أهم سمات الممثل الناجح، أن يكون لديك عدد كبير من التفاصيل الصغيره تستطيع أن تهيئ لوحتك التي تكتمل بهذه التفاصيل، أنا لا أبحث عن تشابه أوجه بين الممثل وبين الشخصيه التي يمثلها، بل أحاول الوصول مع الممثل لأفضل صيغة لإيصال الفكرة، الممثل بالنسبه لي وسيلة إيصال مثلما الشخصية التي يمثلها له وسيلة لإيصال نفسه كممثل قادر على التجسيد. أنا لا أبحث عن ممثل يشبه الشخصية التي يمثلها في الكاركتر الخارجي فهذا ليس مهماً بالنسبه لي، بل عن ممثل قادر على استيعاب عوالم الشخصية الداخلية التي يؤديها ليقدم لنا عالماً لم نره سابقاً في هذه الشخصية. فن التمثيل ودور الممثل يختلف من مخرج لآخر، وأنا لا أبحث عن ممثل قادر على نسخ الشخصية التي يؤديها، بل أبحث عن ممثل قادر على أن يخلق منها فكرة جديدة تثير في داخلنا الأسئلة.
لقد استطاع حيدر نجم الاقتراب من الشخصية في كثير من المشاهد، وهو يستطيع الوصول إلى الفكرة التي أريد إيصالها لكنني أعي أن عدم وجود نتاج سينمائي مستمر في العراق جعل فن التمثيل يدور في داخل نفس القوالب التي درسناها عندما كنا طلبة في معهد الفنون الجميلة وهذه الأشكال من الاداء لا تتناسب مع تقنيات الأداء في الفن السينمائي الحديث.
حقائق جديدة
ماهي أبرز المَشاهد الواقعية التي جسدتها في فيلم "السياب" وماهي طبيعة المشاهد المتخيلة التي أضفتها للنص الواقعي وهل ثمة مزاوجة بين الاثنين؟
أنا شخصيا قد أجد صعوبة في الإجابه على هذا السؤال لربما يصعب عليَّ تحديد معنى المَشاهد الواقعية والمشاهد المتخيلة. أولا أنا لست معنياً بالسرد الواقعي بمفهومه التقليدي والواقعية بالنسبة لي ليست تسليط الضوء على الواقع المعاش، وإنما الوصول إلى حقائق جديدة وأشكال جديده لها جذور في الواقع أنت تراها بعين أخرى لم يرها الاخرون، أما شكل صياغتها فنياً فهو الذي يحدده مستوى فاعلية مخيلتك كمخرج في تركيب حدث أنت حددت تفاصيله، لكنه مستوحى من واقع معاش، وكما ذكرت أنت تراه بعين أخرى ولهذا أنا أعتبر كل مشاهد الفيلم متخيلة لأنني ركّبت أحداثها من خلال خروجي بتصور عن حياته الشخصية، ولذا في فيلم "السياب" سنرى مشاهد سينمائية على شكل لوحات سيكون التركيز فيها على الرمز والاستعاره وعلى البُعد العميق في المعنى لأن "السياب" شاعر عميق جداً وينبغي التركيز على تصوراته. حاولت جاهداً أن أتجاوز عملية السرد التتابعي لمراحل حياته فأنا لا أعرض للمشاهد مسيرة حياة بدر العادية بتتابع سنينها، بل أركِّز على المعنى الحياتي الذي على أساسه خلق بدر عالم من الشعر وأثرّ في مسيرة الشعر العربي وغيّرت مجراه.
صراع مع النفس
أخرجتْ الفنانة سعاد السامر فيلماً وثائقيا عن السياب، كيف تنظر إلى هذا الفيلم أو إلى الأعمال الفنية الأخرى التي أُنجزت عن السياب؟
في الحقيقه أنا لم أشاهد أعمالاً فنية عن السياب ولم أرَ فيلم السيده سعاد السامر، إذ لم يحالفني الحظ في مشاهدته، ولكنني شاهدت ريبورتاجاً من ثلاث حلقات في إحدى القنوات الفضائية. أولا أنا لست ميالاً لتقديم آراء تخص أعمال الآخرين بمعنى أن لكل فنان رؤيته في تناول العمل، ومنْ لا تشدك رؤيته ربما تشد أناساً آخرين، وربما رؤيتي لا تعجب الآخرين. أنا أرى أن أي مادة فنية يمكن تناولها بأشكال مختلفة تبعا لثقافة المخرج ولالتقاطاته، ومستواه وتمكنه من أدواته، والسياب سيتم تناوله لاحقاً ولن يتوقف الفنانون عن دراسة السياب، ولذا سترى أفكاراً جديدة دائماً وتناولاً جديداً لأن السياب عالم واسع جداً، ولن يكفي فيلماً واحداً أو أكثر للإحاطة به، وكل فنان يراه من زاوية خاصة به. الثلاثية التي عرضتها إحدى الفضائيات لم تكن عملاً فنياً، بل مقابلات مع أشخاص لهم معرفه شخصية بالسياب أو من الناس الذي جايلوه بمعنى أن العرض قد كان مقابلات من المؤكد أن فيها معلومات تاريخية مهمة، لكن شروط العمل الفني من وجهة نظري مختلفة تماماً ثم أنني لا أربط شكل تقديمي لمادتي الفنيه بما قدمه الزملاء الاخرون لأنني وطّنت نفسي على قناعة مفادها أنني لا أصارع أحداً وإنما صراعي الوحيد مع نفسي.
التعامل الإيحائي
تنقّل السياب في أكثر من مدينة وبلد، هل سنجد هذه المدن والبلدان في فيلمك مثل البصرة وبغداد وبيروت وروما والكويت؟
البصرة بلا شك حاضرة على الطبيعة وحاضرة في الفكرة لأنها المجال الحيوي لوجوده، هناك جاء الى الحياة، وهناك بدأ كل شيئ بالنسبه له، أما باقي المدن فإنها موجودة كإيحاءات قلت سابقاً أن الكثير من الأماكن لا تهمني خصائصها بسبب تنقلي كثيراً في رحلتي الطويلة بعيداً عن العراق، وفكرة المكان، فكرة الجغرافيا أصبحت بعيدة عني لأن المكان دائم التغيير، أما التاريخ فبإمكانك حمله معك، أنا ابن لتاريخ الأمكنة التي مررت بها وثقافاتها. أن تعيش 38 عاماً من عمرك بعيداً عن الوطن تكون قد ضيّعت كل خصائص المكان. أنا لا أستطيع التعرِّف على مدينتي بغداد لأنها تغيرت، لكن تاريخ سومر وأكد وآشور باقٍ في تكويني الثقافي لذلك لم آخذ فكرة الأمكنه التي مرَّ بها السياب بشكلها الواقعي، بل بقدر مساهمة هذه الأمكنة في خلق ذاكرته الإبداعيه لذلك تعاملتُ معها إيحائيا ولا تنسى أن المبلغ المرصود للفيلم لايساعد على السفر بعيدا.