الإصدارات السينمائية بالمغرب

أحمد بوغابة / المغرب
إن الكُتب السينمائية التي ظهرت في المغرب تشبه كثيرا الأفلام المغربية، وعرفت نفس المسار في التكاثر التصاعدي وفي التعثرات، فمنها من هي متميزة وراقية وغنية ومنها من هي متواضعة وأخرى لا ينبغي الالتفاف إليها أصلا. وقد ارتفع عدد الإصدارات مؤخرا مثلما ارتفع عدد الأفلام لأن الأجواء السينمائية العامة بالبلاد وكذا ظهور جيل جديد من الشباب المرتبط بالسينما، جاء أساسا من التعليم، أنتج هذا المناخ الجميل حيوية في حقل الفن السابع المغربي فحصل تراكم في الأفلام والإصدارات بشكل مواز وكأنهما كانا على موعد مسبق.
كانت المكتبة المغربية قبل عقد فقط فقيرة جدا بالمطبوعات حول السينما بل شبه منعدمة باستثناء اجتهادات قليلة كانت تُعد على رؤوس أصابع اليد الواحدة. نفس الشيء بالنسبة للأفلام أيضا حيث لم يكن المغرب ينتج قبل أواخر الثمانينات من القرن الماضي أكثر من فيلم في السنة أو فيلمين. ولم تكن هناك مهرجانات سينمائية بهذا العدد طبعا الذي نجد فيه هو أيضا الثمين والغث.
لقد أصبحت الخزانة المغربية غنية بالإصدارات في زمن قياسي. ظهر خلال عقد واحد أكثر من 73 عنوانا مقابل 27 طيلة 40 سنة. وربما هناك 3 أو 4 عناوين لم تدخل مكتبتي بعد. وأشير هنا بأنني العدد المذكور للإصدارات لم أحص فيه منشورات المركز السينمائي المغربي خاصة المتضمنة للفيلموغرافية المغربية من الأفلام الطويلة والأفلام القصيرة والأفلام الأجنبية المصورة بالمغرب فضلا عن الحصيلة السنوية للإنتاج المغربي عند كل دورة من المهرجان الوطني بطنجة، وهي منشورات جد مهمة للتاريخ السينمائي المغربي. كما لم أضف أيضا إلى اللائحة أعلاه بعض المؤلفات الأدبية في الرواية والشعر التي أصدرها سينمائيون: أحمد البوعناني، نور الدين الصايل، محمد أبو الوقار، محمد عفيفي، حسن المفتي، هشام العسري. أو تجربة الشاعر جلال الحكماوي الذي أصدر ديوانا حول فن السينما بعنوان "إذهبوا قليلا إلى السينما" باعتبارها تجارب أدبية بأقلام سينمائيين.

وإذا كانت الأفلام تعرف مواكبة صحفية ونقدية فإن المؤلفات لم تحض بنفس الاهتمام لأن الأفلام شأن عام جماهيري بما تتيحه من فرجة بينما الكتب هي إنتاجات فكرية وبالتالي فهي محصورة بين فئة محدودة جدا وهي النقاد أنفسهم وبعض المثقفين القلائل الذين يواكبون الكتابة النقدية في الحقل السينمائي.
لن أتعمق كثيرا في تفاصيل التاريخ لأن ذلك سيأخذ حيزا كبيرا أكثر مما هو مسموح لي به لذا أحيل لمن يريد الاطلاع على تاريخ النقد السينمائي بالمغرب وخطاباته وإنتاجاته على مرجع وهو " المقاربة النقدية للخطاب السينمائي بالمغرب من 1905 إلى سنة 2000″ لعز العرب العلوي لمحرزي الذي هو في الأصل بحث جامعي حصل به على الدكتوراه. يعرض الكتاب بعض التفاصيل التاريخية والقراءة فيها من وجهة نظر صاحبها طبعا إلا أن الكتاب صدر قبل أن ينفجر النشر في الكتاب السينمائي. كما يمكن الإطلاع أيضا على كتاب آخر صدر عن نادي إيموزار للسينما الذي جمع فيه بعض المداخلات والعروض للندوة التي كان قد عقدها حول موضوع النقد السينمائي (إيموزار هي مدينة صغيرة قريبة من مدينة فاس العريقة بوسط المغرب)
تعريب النقد
كانت الكتابات الأولى حول السينما بالأقلام المغربية كلها في الأصل بالفرنسية من لدن مثقفين وأدباء وفنانين تشكيليين وسينمائيين أيضا وذلك مع مطلع الستينات من القرن الماضي خاصة مع ظهور مجلة "أنفاس" التي كانت فعلا بمثابة متنفس لجيل جديد لما بعد الاستقلال. وهذه المجلة هي التي طرحت لأول مرة بعمق موضوع السينما المغربية في عددها الثاني سنة 1966 يقع في أربعين صفحة (من صفحة 20 إلى صفحة 39) بعنوان "من أجل سينما وطنية" والفنان التشكيلي محمد شبعة الذي كان واحد من أعمدة تلك المجلة (توفي في نهاية الأسبوع الماضي من شهر يوليوز الجاري) هو الذي وضع الرسومات والتخطيطات التي صاحبت الملف. ومنذ ذلك الحين أصبح مصطلح "السينما الوطنية" متداولا في جميع النقاشات إلى حدود منتصف التسعينات من القرن الماضي. ورغم أن المجلة كانت مغربية إلا أنه كان لها بعدا مغاربيا حيث تذيل دائما إسمها "أنفاس" ب"مجلة الثقافة المغاربية". وشاركت فيها أسماء من الجزائر وتونس. ورغم أن إدارة المجلة كانت في الرباط العاصمة، يديرها الشاعر والمناضل والمعتقل السياسي السابق عبد اللطيف اللعبي، إلا انها كانت تُطبع بمدينة طنجة عن "المنشورات المغربية والدولية" (وهذا معطى تاريخي يجهله من ركب القطار في دقائقه الأخيرة من بعض المغاربة "الجدد" عن دور مدينة طنجة في النضال السياسي والثقافي والسينمائي إبان سنوات المغرب الأسود).
إذا وقفنا لحظة قصيرة جدا مع التاريخ، خاصة ما بعد الاستقلال السياسي للمغرب، سنجد بعض الدوريات الفنية بالعربية كانت تهتم أيضا بالسينما ضمن بعض صفحاتها إلى جانب الفنون الأخرى كالمسرح والموسيقى. أما التي كانت متخصصة فقط في السينما فقد كانت بالفرنسية ويشرف عليها فرنسيون أساسا ومعهم بعض الأسماء المغربية ك"الشاشة المغربية" التي كانت تصدر من الدار البيضاء عن جمعية سينمائية مستقلة "صوت وصورة". وقبلها نشرة بعنوان "سيني مغرب" صدرت بدورها من الدار البيضاء عن "الفيدرالية المغربية لنوادي السينما" وكانت تابعة طبعا بحكم القانون للفيدرالية الفرنسية. كان من بين أعضاء هيئة تحرير هذه النشرة المخرج المغربي العربي بناني (أنظر صورة المجلة المصاحبة للنص). كما عرفت مدينة طنجة أيضا إصدار نشرة فصلية بالفرنسية والإسبانية عن جمعية سينما الهواة التي كانت تضم جنسيات متعددة بعضهم كان يقطن بجبل طارق حسب الأرشيف المتوفر لدينا. وكانت هذه الجمعية تنظم مسابقة سنوية بين هواة أفلام بحجم 8 ملم وتوزع دبلومات كما كانت تشتغل أيضا على الصورة الفوتوغرافية. وكان إسم الجمعية حسب ما كان مكتوبا في نشرتها ووثائقها ب"جماعة عشاق السينما بطنجة" بينما بالفرنسية مكتوبة بالشكل التالي:Groupement des Cinéastes Amateurs de Tanger
يمكن القول أن الحراك الذي كان يعرفه المغرب مع بداية السبعينات، على جميع المستويات، كنتيجة طبيعية لسنوات من حالة الاستثناء التي أعقبت الانتفاضة الجماهيرية بمدينة الدار البيضاء سنتة 1965 والمجزرة التي جوبهت بها قد أنتجت جيلا جديدا من الشباب الراديكالي الرافض جعل من عقد السبعينات أقصى مرحلة في الصراع السياسي والاجتماعي والاقتصادي بين النظام الحاكم والجماهير.

واكبتها حركة ثقافية وفنية أيضا في الأدب والفكر ظهرت فيها أسماء مثل ادريس الشرايبي، محمد خير الدين، عبد الله العروي، محمد عابد الجابري، بول باسكون، عبد الكبير الخطيبي…، والتشكيل بقيادة الفنان الراحل محمد شبعة، والمسرح (خاصة مسرح الهواة) والغناء (ظاهرة ناس الغيوان). كانت السينما في أوجها من خلال بعض الأسماء (أحمد البوعناني، إدريس كريم، محمد الركاب، الأخوان الدرقاوي…) وحضور قوي للثقافة السينمائية داخل الأندية السينمائية بثورة أعضائها على الفيدرالية المغربية/الفرنسية لتتم مغربتها وتأسيس بديلا مغربيا تجسد في "الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب" بقيادة الناقد نور الدين الصايل. وهذا الأخير كان قد أصدر في مطلع السبعينات مجلة "سينما 3" (بالفرنسية) بمعنى السينما الثالثة، ليست غربية ولا شرقية بل سينما الجنوب المستقلة والمناضلة. إلا أن التجربة لم تعمر طويلا حيث فُرِضَ عليها التوقف في عددها الرابع. وكانت "سينما 3" هي أول مجلة سينمائية متخصصة ومغربية مائة في المائة حيث طاقمها مغربي صرف. وسيلاحظ القارئ من خلال تتبعه لقراءة هذا النص أن جميع المجلات والكتابات النقدية السينمائية كانت بالفرنسية لتقلب الأندية السينمائية هذه المعادلة بالمطالبة تعريب النقاش داخلها حيث كانت النقاشات أحيانا تطول حول هذه الإشكالية بالذات (إشكالية استعمال اللغة) أكثر من الحديث عن الفيلم نفسه. وقد صاحب ذلك إصدار الأندية لنشراتها، منها من هي مزدوجة اللغة وأخرى استمرت في الفرنسية وأخرى حسمت في اختيار العربية لغتها الوحيدة. رغم تواضع تلك النشرات في طبعها وورقها ـ لأنها كانت نشرات الهواة وأحيانا مكتوبة باليد فقط ـ إلا أنها كانت تلك النشرات بمثابة أرضيات للنقاش تختلط فيه السينما بالسياسة وتعكس حيوية المجتمع الشاب المتأثر بكل ما يدور في العالم.
وستظهر في هذه الفترة أيضا ولأول مرة في تاريخ الصحافة المغربية لما بعد الاستقلال صفحة سينمائية كاملة مكرسة للسينما فقط ويشرف عليها مغربي وذلك بصحيفة Maghreb Informations (أخبار المغرب) وتابعة لأقوى نقابة عمالية حينها وهي "الاتحاد المغربي للشغل". وكان يشرف على تلك الصفحة ويُعدها ويُحررها الناقد نور الدين الصايل. لهذا سجل التاريخ لهذا الرجل موقعه القيادي والرائد والنضالي في فترة صعبة جدا من تاريخ مغرب الظلم والرصاص وخنق الأنفاس والأفكار والأجساد والأرواح. إن جيل بكامله من عشاق السينما يدين له بالجميل إذ تمكن هذا الجيل من مشاهدة أروع الكلاسيكيات السينما العالمية ومناقشتها والتدريب على الكتابة عنها، أغلبهم الآن هم أصحاب المؤلفات. (نفتح قوسا هنا لنشير أن برامج نور الدين الصايل، سواء في الإذاعة أو في القناة التلفزيونية الوحيدة آنذاك، قد ساهمت بشكل مباشر في التربية على الكتابة النقدية)
الاهتمام بالكتاب
إن الطفرة في الإصدارات السينمائية بالمغرب بدأت مع بداية الألفية الجديدة الثالثة (بعد صدور كتاب السالف الذكر لعز العرب العلوي فافتقد ذلك التطور الطارئ) بعدد لا بأس به من رواد الأندية السينمائية الذين إلتحقوا بالتدريس في الثانويات والجامعات وتمكنوا من اكتساب علم الكتابة للخروج من الشفوي. وكثير منهم كانوا أذكياء بتنقيح وتحيين بحوثهم الجامعية بتطويعها للنشر فخرجت من مدرجات الجامعات إلى القارئ المهتم. يمكن أن نشكر هنا القوانين الجديدة في سُلَّم الترقية بالمؤسسات التعليمية العليا التي يتطلب ملفها العلمي إدراج الكتب والنصوص والأنشطة الثقافية والعلمية للأستاذ وبالتالي شجعت الكثيرين منهم للاستثمار في نشر مؤلفاتهم فربحت الخزانة المغربية ذلك العدد الضخم من العناوين التي أشرنا إليها أعلاه.
وهناك طبعا من عمل على تأليف كُتُب أصلية في إطار انشغالاته الفكرية في حقل السينما. وهناك من لجأ إلى تجميع نصوصه ومقالاته المنشورة هنا وهناك في المجلات والصحف والمواقع كما هي دون تحيين أو اختيار أو اختبار… محتفظا بموقعها التاريخي على أساس التعامل معها من ذلك المنظور وليس عملا جديدا في الزمن.
ومن التطورات الإيجابية التي حصلت في حقل النقد والكتابة بالمغرب في كون الجمعيات والنوادي السينمائية المُنَظِمَة لعدد من الملتقيات والمهرجانات السينمائية قد شرعت في إصدار أشغال ندواتها السنوية. وهكذا لم تعد تضيع هباءً تلك المجهودات الفكرية ـ بما لها وما عليها ـ حيث يتم توثيقها من جهة للمستقبل ومن جهة أخرى يطَّلِعُ عليها أكبر عدد من المهتمين الذين لم يتمكنوا من حضور تلك الندوات في وقتها أو الانتقال إليها. والجيل الجديد من النقاد والكتاب في حقل السينما هم أذكياء حقا أكثر من الجيلين السابقين بإقدامهم على جمع ونشر نصوصهم ومقالاتهم في كتب بتضحياتهم وهو ما لم يفعله من هم قبلهم الذين تركوا الساحة فارغة فسمحت لركاب الدقائق الأخير بالكذب على التاريخ. إن تاريخ النقد السينمائي المغربي غني جدا ومتقدم بشكل كبير على كثير من الأقطار العربية إلا أنه مشتت وضائع في أقبية الصحف والمجلات والرفوف الجامعات.
وقد تخصصت بعض الجمعيات/الملتقيات/المهرجانات في محاور معينة. ونسوق أمثلة فيها كجمعية القبس بالرشيدية (الجنوب الشرقي للمغرب) التي تتمحور ندواتها المركزية في كل سنة حول مخرج مغربي معين. وهي الفكرة التي "نسختها" عنها جمعية النقاد المغربية فشرعت بدورها تصدر كتبا حول المخرجين فكررت نفس الأسماء التي كانت محورا عند جمعية القبس بالرشيدية (مثل سعد الشرايبي، حكيم بلعباس، وحول الناقد الراحل نور الدين كشطي) مما يوضح محدودية الإبداع عند تلك "الجمعية" حيث لا يستطيع المسؤولين عنها ابتكار أفكار أخرى. بينما جمعية إيموزار كندر (وسط المغرب) اختارت أن تتنوع مواضيعها من النقد إلى التراث مرورا بسينما الهامش. كما أن المهرجان الدولي لسينما أقطار حوض المتوسط بتطوان يصدر مجلته "وشمة" وسبق لهذا المهرجان أن أصدر أعمال بعض ندواته كالسينما والهجرة وحول المخرج جيلالي فرحاتي إلى آخره….

إذا كانت جمعية النقاد المغاربة تبحث دائما عن مَنْ يتبرع عليها من مؤسسات الدولة والخواص لكي تصدر منشوراتها فإن كثير من النقاد المستقلين يجتهدون ويضحون من حسابهم الخاص، ومن قوت أسرهم رغم أزمة القراءة لهذه الفئة من الإصدارات لأن عشقهم للسينما وحبهم للمساهمة في الفعل الثقافي السينمائي وراء تضحياتهم. وعادة ما تكون تلك الكتب الصادرة على حساب أصحابها أكثر عمقا ونضجا وإفادة. ونسوق بالمناسبة كتب الأساتذة يوسف أيت همو وحميد اتباتو وبوشتى فرقزيد وادريس الجعيدي ومحمد اشويكة. إذ يبقى المركز السينمائي المغربي هو المؤسسة الوحيدة الرسمية التي تقتني عددا من الكتب من عند أصحابها لتشجيعهم.
وتوجد بعض الكتب المُترجمة، خاصة من الفرنسية إلى العربية، لكنها جد قليلة نظرا للصعوبات القانونية: حقوق النصوص الأصلية وحقوق المؤلف. وقد خاض الناقد عز الدين الخطابي المغامرة في هذا الحقل حيث ركز بالأساس على علاقة السينما بالفلسفة باعتباره ناقدا سينمائيا وأستاذا لمادة الفلسفة.
تعدد التجارب
فقد يشكل كل كاتب، من الذين أصدروا مؤلفاتهم السينمائية، لوحده تجربة مستقلة عن الآخرين ولا تتقاطع في ما بينهم إلا نادرا جدا، إذ لكل واحد منهم أسلوبه في الكتابة والتحليل والصياغة والبحث والأهداف وهو ما أغنى التجربة المغربية بهذا التنوع باعتبار أن كل واحد منهم ينطلق من مراجع تكوينه الأكاديمي أو الميداني أو المنهجي أو في علاقته بالسينما كمشاهدة/ومشاهد أيضا. وهذا التنوع جد إيجابي لأنه يشكل تراكما للمستقبل ويؤسس للاعتراف بالسينما كثقافة. وبالتالي الاعتراف بالنقد السينمائي كممارسة ثقافية التي يمكنها أن تصبح معترفا بها رسميا كمهنة مثل باقي المهن. جل النقاد الذين غامروا بإصدار كتبهم هم موظفون في التعليم بمستوياته المختلفة.
إن العناوين التي أصدرها الأستاذ يوسف أيت همو غنية جدا في جانبها البيداغوجي، فهي أساسية لكل طالب علم السينما خاصة وأن أسلوب التبليغ عنده راق في حديثه مع المتلقي/القارئ حيث يركز على الأسس السينمائية التي ينبغي أن يمتلكها من يسعى للتعامل مع فنون السينما والتي يمكنها أن تكون مراجع للمعاهد والمدارس السينمائية المنتشرة الآن دون أن تلتجئ لها.
يطرح حميد اتباتو في كتبه إشكاليات التفكير والتحليل في الهوية وأيضا في الأفلام التي تناولت الهوامش في المجتمع المغربي، فهي بحوث سوسيولوجية في عمقها، وفكرية في بعدها الأدبي أيضا، إذ لا يفصل أسئلة الإبداع في الأعمال السينمائية عن عنصر الهوية الثقافية المحلية. وهو واحد من أكثر كتاب النقد السينمائي إنتاجا للمؤلفات فضلا عن مساهمته في كثير من الكتب الجماعية. لقد اختار مؤخرا أن يركز مجهوده على التأليف عوض الصحافة.
تنوعت إصدارات بوشتى فرقزيد، فمنها من ركز فيها على السيميولوجيا وأخرى على المقارنة أو المقاربة، واشتغل أيضا على السينما والأدب. ورغم هذا التنوع في المواضيع المختارة إلا أنها منسجمة الفكر والتحليل. أما إدريس الجعيدي فله إصدارات سوسيولوجية مباشرة تنطلق من البحث الميداني وأخرى كثيرة تاريخية وأيضا علاقة السينما بالوسائل السمعية البصرية الأخرى. وهو أيضا غزير الإنتاج. فيما ركز حسن نرايس على التوثيق وهو عمل يتطلب مجهودا استثنائيا.
يصعب الوقوف بالتفصيل عند كل كاتب لأن كل واحد منهم يستحق نصا بمفرده لمجهوده العلمي. وما قدمناه هو مجرد تعريف عام ومقتضب جدا لهذه الظاهرة الإيجابية الجديدة في التأليف السينمائي المغربي المتعدد. فقد نجد حاليا في الخزانة المغربية كتابا عن هيتشكوك وإلى جانبه آخر عن السينما الأمازيغية وبينهما عن كيفية كتابة السيناريو وأيضا حوارات مع بعض المخرجين المغاربة التي تم جمعها في كتاب بل وكذلك كتاب عن تاريخ السينما في طنجة وقصة الخزانة السينمائية الموجودة في قاعة الريف بنفس المدينة (سبق أن نشرنا قبل سنة نصا حوله بموقع الجزيرة الوثائقية بعنوان "قصة قاعة سينمائية"). ونجد كذلك مؤلفات عن الأدب في علاقته بالسينما… وكل المواضيع التي قد تتصورونها.
كما نجد إصدارات تتمحور حول موضوع معين أو مخرج لكن محتواها مكتوب بنَفَس المقال الصحفي. وهذا ليس تقليلا من قيمتها أو نقدا لها بل كل المؤلفات مهمة وضرورية، وكل كتاب هو بمثابة لبنة من لبنات تأسيس النقد السينمائي المغربي. ويستحق كل من تجرأ بالمغامرة في النشر ألف تحية لمجهوده الفكري وخاصة الاقتصادي نظرا لغياب القارئ المستهلك. وهذا الإشكال هو الذي لم يدفع بالكثيرين لإعادة الكرة بعد تجارب أولى، وتعثرت مشاريع أخرى كثيرة في نصف الطريق أو عند انطلاقها، وبقيت كثير من البحوث الجامعية القيمة في رفوفها بسبب غياب ناشر مغامر بدوره وواع بمساهمته في التأسيس. وغياب التوزيع الثقافي والموازي بل تغيب الكتب السينمائية حتى من المعرض الدولي للكتاب المنظم من لدن وزارة الثقافة المغربية (هذه الوزارة تعتبر نفسها غير معنية بالكتاب السينمائي لأنها ليست مسؤولة مباشرة على القطاع السينمائي الذي هو تخت وصاية وزارة الاتصال في المغرب). فمن المشاريع التي ضاعت والتي تؤرخ لمرحلة جد مهمة من تاريخ بدايات السينما المغربية هو مخطوط "الأبواب السبعة" للمخرج الراحل أحمد البوعناني حيث ضاعت صفحات من هذا المخطوط في حريق الذي شب بمنزله علما أنه كان جاهزا للطبع لو وجد حينها من "يتواطأ" معه بإخراجه إلى الوجود.