أسئلة الوثائقي العشرة : السؤال التاسع .. الأسلوب

 قيس الزبيدي

يتأتى علينا ان نتخلى عن البحث في لغة السينما نفسها عن اساليب وأنماط  ذات طبيعة وثائقية تضمن لنا ان المُؤفْلَم هو حقيقي؟ لان الفيلم الخيالي  كما رأينا هو بحد ذاته كالفيلم الوثائقي ينطلق من أن ليس هناك أي صورة  تستطيع في النهاية ان تنتمي الى مرجع موضوعها. لكن هذا لا يمنع على الاقل من جهة من فحص وجود اساليب أصيلة او مُهيمِنة في الفيلم الوثائقي او من أن انماط التعبير من جهة اخرى هي التي تستحوذ عموما على كل تجليات اللغة السينمائية ولا تقتصر أهميتها المتنوعة على الفيلم الوثائقي او الفيلم الروائي .

يميز علماء اللغة، حسب اميلي بينيفيست، بين فئتين واسعتين من التعبير الشفاهي: الحكاية التي هي محاكاة تُروى فيها احداث تتوالى بعينها ، والخطاب الذي هو فعل انعكاس يتضمن علامة اللفظ. وبوسع المرء ان يساوي بين الحكاية (الخيال) والخطاب (الوثائقي) لكن مع ان الأمر لا يخلو من صحة إلا أنَّ فهمه لا يخلو من تعقيد، لأن الخيال يضع نفسه كليا في خدمة صيغة الملفوظ الخطابي. لنلقي نظرة على فيلمي ستانلي كوبريك "القتل" و"البرتقالة الآلية " ففي الاول يتحدث البطل بشكل مفصل (من خارج الصورة) إلى المتفرج حول ملابسات واقعة جريمة القتل التي حصلت في شقته والتهديد الغامض الذي يتعرض له وفي الثاني يقدم الراوي (ضمير المخاطب أنا) خطاباً صريحا يتوجه به الى المشاهد عن طريقته وأصحابه في حصولهم على المتعة دون مراعاة الضرر الذي يسببونه للآخرين. 

بوسع الفيلم الوثائقي ان يرجع في الحكاية  إلى شهود العيان او إلى الابطال أنفَسَهم أو حتى إلى إعادة بناء مماثلة للحكاية. ويظهر للعيان من وراء التعليق على الشاشة أنَّ بوسع الكلمة أنْ تنطق من اجساد مُتحدثين وفاعلين كما في المسرح. لكن الابطال في الفيلم لا يجوز أنْ يكونوا ممثلين يَتْلون نصاً انما اشخاصا يجسدون انفسهم ويتحدثون بأسمائهم. و تُمكِّنُ وتُمكِّن القدرة الوحيدة الفيلم الوثائقي من أنْ يعرض تاريخاً لشهود عيان مَرئيَّا، على عكس المؤرخين، وأبطالا احياءً كما يحصل في تصوير المقابلات أو في شهادة ناس حقيقيين في مكان واقعي أصلي . كما انه يستطيع حتى انْ يصور الحكاية كما تحصل مباشرة استناداً الى أحداثها الكبيرة المحفوفة بالمخاطر.

لنقارن مثلا فيلم "موت يوغسلافيا" للمخرج انغوس مكويين أو فيلم "راقب السلاح" للمخرج مارسيل اوفولُس حول حصار ساراييفو. لكن الوثائقي يستطيع أيضاً انْ يُصور اناساً في حياتهم اليومية وفي مرافقهم الاجتماعية: سينما مباشرة. وبهذا يَفتح الوثائقي طريقاً ثالثاً بين محاكاة درامية يؤديها مُمثلون وبين خطاب يُقدمه تعليق. فالسينما الوثائقية تسمح من جهة بتسجيل الكلمات أثناء حديث قائليها في موقع الحدث وتسمح من جهة اخرى بتسجيل الحديث أي بتسجيل حكاية وخطاب للناس المعنيين انفسهم وذلك عبر كل وسائل المحاكاة السمعية البصرية من صوت وحساسية وتًكلُّف أو طلاقة أو قناعة أو تسوِّغ، أي بكل ذلك التعارض المُحتمل بين الكلمة التي تُقال والإيماءة التي تصاحبها.
تكتب كيته هامبورغر في دراستها "منطق الشعر" أنَّ ما هو خيالي مثل ما هو غير خيالي  يَستعمل أقصى درجة من التبئير ( وصف من وجهة نظر شخص ثالث: ضمير الغائب) لكنها تَعتبر أنَّ صفة الخيال المميزة تكون تعبيراً لذاتية شخص اخر (تبئير داخلي) . وفي الواقع يستطيع المؤرخ او الوثائقي بصعوبة، بعكس كاتب الرواية أو كاتب السيناريو، أنْ يَنفذ إلى داخل رأس ابطاله ويقرأ أفكارهم أو يجعلهم ينطقون بلسانه.
يتطابق الخيال مع خيالية السرد اكثر مما يتطابق مع الحكاية فهو يتأسس على صعيد اللافُظ (فعل التعبير الفردي عن طريق تشغيل اللسان) بدرجة اكبر مما يتأسس على صعيد المَلْفوظ نفسه (أي صعيد التعابير).          
إنَّ القسم الاعظم من الحكايات التي تَحكي روايات لا تصنع وفق ملفوظية خيالية إنما وفق ملفوظية واقعية مما يجعلها رغم ذلك ليست بمنزلة كتبَ التاريخ. إنَّ واقع الخيال ينشأ في الواقع  ليس من التساؤل حول وجود الخيال إنما من تَنقلِّه بين أنْ يكون موجوداً فعلا او لا يكون. ويرى الفيلسوف الفرنسي جان سيرل الفرق الحقيقي بين اللفظ المًتصور (الخيالي) واللفظ الجدي (الوثائقي).       

إعلان

ان كل خيال ليس فقط في الرواية التي تسرد في صيغة ضمير المتكلم (الشخص الأول) هو ليس محاكاة مؤكدة جادة أو برهاناً حقيقياً، إنما هو حسب هامبورغر قرينة خيالية مع الاخذ بنظر الاعتبار إنَّ اغلب الاشياء التي تُنْتَج من وجهة الخيال مَصدرَها عالمنا الواقعي العيني الملموس، وان التعبير الملفوظ الذي ينشأ عنها له نفس معنى المرجعية المُتَخَيَّلة كما في الحياة اليومية . لكنه يوجد في شكل استثنائي خاص وتكون مرجعية الشيء الوحيد دائما مرجعية الحياة التي نحياها والتي لأسباب مختلفة نعرف أنها من صنع الخيال كما نفهمها كحالة خاصة على نحو مُغاير.

تُكسَر اعراف المعنى والتخيِّل المألوف بشكل جَلي لأن الخيال يسمح بالتناقض أثناء ما يتحدث عن عالمنا لكنه يتحدث في حالة غير مباشرة ولعوب ويسعى لأنْ يُغري المتفرج ويريه إنَّ استحواذ عالمنا يتخذ اشكالاً متنوعة. فالنص الخيالي يعرض عالما لكن ليس كعالم منعزل يختلف عن عالمنا كما لو انه يُلغيه انما يزوده بمظهر العالم المُعتاد عبر تقنية خيال بحيث نَكون مُطالبين بأن نتركه يلعب بهذه الطريقة أو الأخرى دوره.
اما العالم الحقيقي فهو دائما نص قبلي للِنص الخيالي – يقودنا الخيال فيه إلى العودة إليه عبر طرق التفاتية. فالعلاقة بالخيال  هي بالضرورة علاقة بممارسة الحرية لأنَّ مجال  المُتخيَّل هو مَجال الحُرية: حُرية إبتكار إمكانات وبدائل لقواعد لعب وتمثيل مختلفة اخرى. لهذا فإنَّ الخيال هو أخ لحرية الفعل، سواء أكان المبدأ يتعلق بالأمل أو بالوهم المحفوف بالمخاطر: دون كيخوت و سانشو بانزا؟   

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان