لماذا المونتاج؟

في بداية اكتشاف السينما كان يتم تصوير كل المشاهد في ديكور واحد. ويتم تقسيم الفيلم حسب وحدات المسرح وطريقته في تقسيم الفصول والمناظر. وتقوم آلة التصوير بتسجيل هذه الفصول والمناظر المبنية وفقا لنظام شبه مسرحي، يدرس فيه المخرج ويرتب حركات وانتقالات دخول وخروج الممثلين. وكان طول المشهد يرتبط بطول مادة الفيلم الخام التي كانت تسعها علبة الفيلم. وكان التقطيع يحصل فقط، عند تغيير مكان التصوير، وعند ربط المشاهد المصورة، بينما كان موقع آلة التصوير يحدد ويماثل المكان، الذي كان المخرج يدير منه المسرحية. وقد حافظت آلة التصوير على تسجيل المنظر- المشهد من بعد ثابت لا يتغير مدة 15 سنة، وقاد تقسيم المشهد -المنظر- إلى عدة لقطات: لقطة قريبة أو لقطة كبيرة،عن طريق تغيير مكان آلة التصويرإلى ثورة في المرئيات السينمائية، وبدأ هذا التغيير أولا، لأسباب مادية عند بورتر، ومن ثم لأسباب درامية عند غرِفث.
وأصبحت وسيلة التعبير تتم عن طريق تتابع لقطات، مئات اللقطات، مما قاد في نفس الوقت إلى التفكير في أسلوب وكيفية وصل تلك اللقطات بشكل مترابط بحيث ينتج استمرارية سردية. وجاء تحرير موقع – مكان آلة التصوير أثناء تصوير اللقطة الواحدة، بداية، في عام 1925، أي بعد عشرة سنوات من بداية تغيير موقع آلة التصوير وجرى وقتها الحصول على صورة يتغير فيها موقع الكاميرا في اللقطة الواحدة المستمرة. واصبح بناء المشاهد من لقطات عديدة مع استخدام حركة آلة التصوير داخل اللقطة الواحدة قضية جمالية – درامية على درجة عالية من الأهمية في السرد السينمائي .
ان هذا التطور الذي احرزه المونتاج كأسلوب وكطريقة تعبير فيلمية سينمائية كمنهج لغة سينمائية كتقنية اعادة بناء لصور متحركة مَكن عندئذ سحر الصور المتحركة ليحولها تدريجياً الى سرد فيلمي مركب.
خضع اكتشاف المونتاج الى مقولتين حاسمتين:
1. لا توجد على الشاشة خشبة مسرح ، الخشبة هي العالم نفسه ، العالم في حركة حتى في الفيلم الروائي حتى في استديو يُعاد فيه بناء ديكورات مختلفة: قاطرات وسيارات وبيوت
2. كل لقطة هي ذاتيا جزء ونصير لمقطع او لمنظر مصورا. فالتفليم هو جعل الشيء مرئياً ويعني اكثر توجيه النظر الى ما هو مرئي في المشهد حتى في الفيلم الوثائقي وكما كان هتشكوك يسميه "قيادة الجمهور".
ان السينما كفن تسعى بفضل المونتاج إلى تنفيذ التناوب بين هاتين المقولتين. فمن جهة ينفذ التناوب الراهن عبر تسجيل/ توثيق الصورة الفيلمية: حتى في الفيلم الروائي ، ومن جهة اخرى ينفذ التناوب بين ما هو خيالي/ متصور بين تناوب علاقة المكان والزمان، عبر تدخل مخرج الفيلم الذاتي في تنفيذ اللقطة: حتى في الفيلم الوثائقي.
ان ثنائية واقعي/خيالي تشكل بؤرة التعبير في تنفيذ أي فيلم فمن جهة يتم جعل المُتصور ماديا ومن جهة اخرى يُحوَّل العالم المادي الى صور. وهذا ما يجعل السينما تهز نظام تصوراتنا المرئية عبر جعل الصورة المادية تتداخل مع الصورة الافتراضية وتلتحم معها. ومن هنا يبدأ تطور المونتاج في خلق حركة كل تلك العلاقات المكانية/ الزمانية.
ساعدت ممارسة السينماتوغرافيا على استعمال وصلات استمرارية فيلمية وجعلت اولا المقاطع المتقطعة وغير المستمرة في تشكيل سلسلة متتابعة تحولت الى سرد ماضي وحاضر ومستقبلي للحكاية الفيلمية. وكما كان يقول بازوليني فأن كل لقطة هي وصلة سمعية – بصرية، زمكانية وكل وصل (مونتاج) هو مجرد وصلة. ويصل المرء من كينماتوغراف الى سينماتوغراف عبر الربط المونتاجي: من المعاينة نصل الى اللقطة ومن الرسم المخطط نصل إلى السيكوينس (المقطع الفيلمي) ومن بكرة الفيلم الواحدة نصل إلى الفيلم الكامل ومن الحادثة نصل إلى الحكاية، ومن حركية-الفيلم الى زمانية-الفيلم. (حركية عنصر التغيّر عبر الزمن) ليصبح ماديا من جهة ما يتصور المرء ، وبذلك يتحول العالم المادي من جهة اخرى الى صور. وكما يؤكد اندريه مالرو إن تجزئة المشاهد في لقطات، بغض النظر عن الكاميرا والمصور والمخرج، هي ما تجعل الفيلم يولد كفن من المشاهد نفسها التي تصور وفقا لطبيعة التعبير الفيلمي.

مع ظهور تقنيات جديدة، ساعدت بوقت مبكر أو متأخر على اكتشاف وسائل تعبير سردية، تطابقت في مجال مستويات عديدة ومختلفة في تسجيل الصورة والصوت أو تعارضت في مجال مستويات عديدة ومختلفة مع إمكانات التعبير المبتكرة المناسبة التي كانت تكتشف في سرد الأفلام.
ان البحث في انتصار الفيلم يوضح هذه الحالة لكننا لن نتوقف عندها، بل سنركز بالدرجة الاولى على اكتشافات وإسهامات المونتاج الشكلية في التعبير الفيلمي: جاء دور الحذف والتركيب المونتاجي في بسط التوتر الدرامي فبدل تقديم احداث بعينها يتم ايقافها لصالح المونتاج المتوازي او المتناوب ليجعل من حدثين دراميين يلتقيان او يتقاربان كما هو الحال في مشاهد ما اصبح يسمى الانقاذ في اخر لحظة او في مشاهد المطاردة. وأخيرا وقبل كل شيء تتضح بنية تركيب خارج الحقل، خارج ميدان الاطار كخلفية قبل ان تنشا أي لقطة أخيرا وقبل كل شيء جعل صور اللقطات كخلفية لحقل الاشياء المرئية او كخلفية لصوت من حقل الاشياء اللا مرئية. وهي طريقة Hors-champ بالفرنسي hors de cadre (خارج الاطار خارج اللقطة ومعنى المصطلح هو كل صوت تسمعه الاذن اكان حوارا او مؤثرا او موسيقا لا تجد العين مصدره في الصورة المرئية) لهذا جاء التعبير الشهير من اندريه بازان الاطار هو قناع هو حجاب والفيلم هو ليس اكثر من لعب مع الكادرات والاقنعة ولم يعد الفعل يستقل بنفسه ولم تعد معاينته وفق استمرارية حاضر مستقلة بذاتها.
ولم يعد الحدث حياً ولم يعد حضور زمنه الواقعي مستمراً، بل يصور بشكل متبادل ومستمر بين ما يشاهد في حقل الاشياء المرئية وبين ما لا يشاهد خارج حقل اشياء مرئية Hors-champ ليظهر بعدئذ على الشاشة او لا يظهر. لهذا تظهر الصور غير مكتملة قابلة لعلاقات استبدالية (من وجهة نظر مختارة بشكل معين) او يمكن حتى أنْ تُدحض من قبل وجهة نظر اخرى.
رغم ان المونتاج هو الذي جعل من السينما لغة وفنا مستقلا لكن البعض يجدون ان هذه اللغة بسبب المونتاج هي لغة خداع وتلاعب في توليد الدلالات. لكن اليس بإمكان أي لغة طبيعية كلغة علامات ان تعبر من حالة الى حالة عن حقائق وأكاذيب اوعن معنى مُصَنَّع او صادق؟ وبغض النظر عن حقيقة كون المونتاج جعل من الفيلم لغة تعبير إلا ان بوسع المرء ان يجيب بأن المونتاج جعل منها لغة تلاعب، حتى وان كان هذا التلاعب ينشا من علامات ومعاني او ينشأ من مؤثرات مُفبركة لكي يضلل الجمهور مع ان الامر يختلف من حالة الى اخرى وذلك الى الدرجة التي تتمكن فيها اللغة من قول الحقيقة او الكذب ، قول الملفق او الصادق، قول المعنى او الهراء بحيث لا يعني الامر بان المونتاج هو ايضا لعب مخادع. إن أي لغة فن من الفنون هي طريقة لفعل وكلام عن علاقتنا بالعالم بطريقة حسنة او رديئة. اما اولئك الذين لا يجدون في المونتاج إلا فنا للتلاعب فهم يفهمون المونتاج انه نتاج مُصنع وانه لعبة خداع يمكن ويجب تحاشيها.
وإذا ما بدا انه من السهل اعتبار المونتاج كطريقة تزييف يبقى علينا ان نمتحن الى مدى وباي اسلوب يمكن للمونتاج ان يكون طريقة للتزييف. فحسب بول فاليري فان الفنان يحول ما هو واقعي الى ضرورة. وهو تقريبا ما يفسر مفهوم المونتاجٍ: تحويل ما هو مُجزأ الى كل مُجمّع. ويعني ذلك ظهور دلالات بشكل غير متوقع من تركيب عناصر منفردة لا تتضمن، منعزلة، هذه الدلالات.
المونتاج في الفيلم الوثائقي هو دائما تأويل- تأويل لنوتة غير مكتوبة: تأويل لعالم متحرك- علينا ان نكتشف حدوده. ان كل المعايير عموما تسمح للتمييز بين ما هو فن وما هو اصطناعي، بين ما يحمل في داخله معنى او يزيفها. ان كل اعادة تقديم- تبادل معلومات انسانية تنتج معنى بوساطة تلاعب بالعلامات. وهنا يبدأ الجدال الحرج، فباسم موضوعية متعذرة تُكوَّم كل الافلام في سلة مهملات الاوهام الضائعة دون أي اعتبار لأي تحليل عيني او لأي إنصاف لتاريخ السينما؟
دعونا اخيرا نطرح السؤال التالي : ما هو المونتاج العادل ؟ و: أليس كل مونتاج هو طوعي ؟