روبرت دي نيرو: إعادة إكتشاف عبقرية ممثل

أمير العمري

للمرة الثالثة أو الرابعة أشاهد فيلم "الثور الهائج" The Raging Bull وهو الفيلم البديع الذي أخرجه مارتن سكورسيزي عام 1980 وأعتبر أفضل أفلام عقد الثمانينيات.
المشاهدة الجديدة للفيلم أتاحت الفرصة للتوقف، ليس فقط أمام براعة الإخراج، بل واساسا، أمام عبقرية التمثيل. براعة الإخراج تبدت في ذلك الاختيار الملائم للأماكن والتصوير داخل ديكورات طبيعية، حجرات ضيقة تصعب إضاءتها.. استخدام الإضاءة لخلق تكوينات بصرية تساهم في التعبير عن مشاعر الشخصية الرئيسية واضطرابها بما تضفيه من ظلال وكتل قاتمة، ذلك الأسلوب الواقعي الصارم الذي يتوخى الدقة في خلق وتجسيد جميع التفاصيل الصغيرة، من الديكورات والإكسسوارات إلى الملابس وتصفيفات الشعر وطرز السيارات، وأجواء العلب الليلية، وطريقة الناس في الحديث، وإيقاع الفيلم الذي يتماهى فيه إيقاع الحركة مع أيقاع الكلام.. إلى ذلك التصوير الدقيق الصارم لمباريات الملاكمة التي لا تعبر فقط عن تلك اللعبة الرياضية العنيفة بل تعكس أساسا، مشاعر ذلك الرجل المأزوم نفسيا، المضطرب عاطفيا، الذي يعاني من حالة خاصة جدا من حالات البارانويا، من التشكك والشك، من إنعدام الثقة، والرغبة في تدمير النفس، من الغرق في مستنقع العنف والشك وتعنيف الذات والسير في طريق لا يراجع خلاله المرء نفسه أبدا، إلى حين يأتي السقوط.. ذلك السقوط المشهود، عندئذ يستفيق ويدرك في أي منقلب يجد نفسه، رافضا فكرة أنه "حيوان" كما يصفه الآخرون الآن!
الدور الذي يقوم به روبرت دي نيرو هو دور الملاكم الأمريكي (من أصل إيطالي) "جاك لاموتا" الذي تربع لسنوات على عرش بطولة العالم في الملاكمة من الوزن المتوسط.
لم تساهم إعادة المشاهدة فقط في إعادة إكتشاف تلك التفاصيل الدقيقة التي يتكون منها نسيج هذه الكلاسيكية السينمائية البديعة، بل أتاحت الفرصة مجددا، لتأمل ذلك الأداء العبقري المذهل للممثل روبرت دي نيرو في الدور الرئيسي، والبحث عما وراءه، وعن سر تفوقه وبلوغه تلك القامة الفنية السامقة.

التايكون الأخير

دي نيرو بشكل عام، ليس من ذلك النوع من الممثلين الذين "يؤدون" الأدوار، بل إنه يعيش الدور، ويعيش في الدور. إنه ينتمي إلى تلك الشريحة من الممثلين العظام في تاريخ السينما مثل مارلون براندو وداني داي لويس وجاك نيكلسون وغيرهم ممن إبتكروا طريقتهم الخاصة في الأداء. صحيح أن دي نيرو درس التمثيل على أيدي أساتذة "ستديو الممثل"، تلك المدرسة التي أسسها لي ستراسبرج في نيويورك وتخرجت منها أجيال من الممثلين المرموقين في السينما الأمريكية، لكن حتى إيليا كازان (الذي تعاون معه دي نيرو في فيلم "التايكون الأخير" The Last Taycoon عام 1976 وكان مشاركا في التدريس في "ستديو الممثل") – قال عنه ذات مرة إنه تفوق على جميع من تتلمذوا على يديه من الممثلين ومنهم جيمس دين وبراندو، وإنه نحت طريقته الخاصة في الأداء التي تتجاوز "المنهج" أو "الطريقة".

إعلان

التقمص والمنهج
لم يكتف دي نيرو بـ"التقمص" المعروف الذي تشتهر به مدرسة "المنهج" أو "التمثيل حسب المنهج" method acting وهو ما كان ستاسلافسكي الروسي مؤسس تلك الطريقة، يصفه بـ"النظام" system. ويستبعد النظام فكرة المحاكاة الخارجية للشخصية التي يؤديها الممثل، رغم أهميتها للمتفرج، مفضلا التركيز على علاقة الممثل بالملامح الخارجية للشخصية من الناحية النفسية: كيف يمكن أن يشعر الممثل وقد انتفخت أنفه بقطع من القطن حشرها داخل أنفه لكي يبدو مشابها للملاكم.. كيف تتحول تجربة التمثيل إلى تجربة يعيشها الممثل بمشاعره، يستدعي خلالها من ذاكرته ومن تجاربه الخاصة في الحياة، من المواقف التي قد تلهمه رؤية أو زاوية ما للتعامل مع الموقف الذي تؤديه الشخصية التي يقوم بها أمام الكاميرا أو بالأحرى، يعيش في داخلها طيلة فترة تصويرالفيلم بل وبعيدا ايضا عن التصوير، أي خلال فترات الراحة وحينما يذهب إلى منزله بعد إنقضاء يوم التصوير مثلا. الممثل من طراز دي نيرو، يذهب إلى المنزل لكي يستمع إلى الأغاني التي كان يحب البطل ان يستمع إليها، يتحرك في المنزل، من غرفة الطعام إلى المطبخ بنفس طريقة الشخصية في الحركة، يطهي الطعام الذي كانت الشخصية تفضل تناوله.
ولكن إذا كان من الصحيح أن العيش في الشخصية جزء أساسي من "المنهج" إلا أنه ليس كل شيء.. بل أساسا، البحث عن كل ما يمكن أن يخدم الشخصية ويعمق من فهم الممثل لها، مهما كانت أهميته ضئيلة أو يبدو بعيدا عن المؤثرات المباشرة التي تصنع تلك السيكولوجية الخاصة للشخصية المؤداة.
ما الذي فعله روبرت دي نيرو لكي يأتي أداؤه على كل هذا النحو من الإجادة والتفوق في دور الملاكم جاك لاموتا.. في صعوده المليء بالألم والشك والهوس والهواجس والعنف، وكأنه ينتقم من ماضيه بل ومن العالم الذي كان قاسيا عليه، وكيف تمكن من تجسيد تلك النظرة التي تعكس إحساسا ما بـ"الدونية" أو بكونه أقل من الآخرين، مما يجعله دائما في حالة صراع مع النفس، مما ينعكس بقوة في علاقته بالآخرين، مع أقرب الناس إليه: شقيقه وهو في الوقت نفسه مدربه، وزوجته وأم أولاده الثلاثة؟
لقد قرأ دي نيرو أولا كتاب لاموتا الذي يحوي سيرته الذاتية، وتوقف أمام الكثير من المواقف وحددها بقلمه، كما التقط الكثير جدا من العبارات التي تصلح لأن تتحول في السيناريو إلى عبارات للحوار. صحيح ان إسم دي نيرو لا يظهر على عناوين الفيلم كمشارك في كتابة السيناريو مع بول شرايدر وماردك مارتن، إلا أنه في الواقع قام بتغيير وتعديل الكثير من المشاهد وأضاف الكثير من الحوارات وحذف البعض الآخر، بما يتفق مع ما عثر عليه من خلال بحثه المضني في الشخصية وحول الشخصية. ودي نيرو بذلك "ممثل- مؤلف" أيضا، تماما كما نقول "مخرج- مؤلف"، ليس بمعنى أنه يؤلف الفيلم بل بمعنى أنه يضفي رؤيته الخاصة وهضمه الشخصي نتيجة ما يقوم به من اكتشافات، للشخصية التي يقوم بها. إنه يساهم في بناء تلك الشخصية، يعيدها إلى الحياة ويجعلها قريبة من الحقيقة ولكن من خلال ما يستخرجه الممثل من ذاته، من تجاربه الخاصة في الحياة، وبالتالي ما ينتج عن ذلك الاستدعاء من مشاعر، انفعالات تنتقل بين الضيق والرقة والقسوة والغضب والإحباط والهزيمة.

إعلان

البحث في الشخصية
يتصور الكثيرون أن أهم ما فعله دي نيرو وهو يقوم بالدور في "الثور الهائج" أنه طلب إيقاف التصوير لمدة أربعة أشهر، لكي يذهب إلى إيطاليا حيث أخذ يأكل ويشرب طبقا لنظام معين إلى أن زاد وزنه حوالي 25 كيلوجراما، وأصبح بالتالي قادرا على القيام بدور لاموتا بعد أن تقدم في العمر وأصبح بدينا وخرج تماما من عالم الملاكمة بل وأصبح أقرب إلى ذلك "الجار الطيب" بعد ان كان لسنوات نموذجا لـ"الولد الشرير"!

لاشك أن زيادة الوزن أساسية في فهم شخصية لاموتا والتعبير عنها خاصة أنها كانت تمثل له مشكلة خاصة تؤرقه دائما. فقد كان حريصا طيلة الوقت على أن يعود إلى الوزن المطلوب.. وكان شقيقه جوي" (يقوم بالدور ببراعة مثيرة للإعجاب الممثل المعتزل جو بيشي Joe Pesci) دائما ما يذكره بضرورة مراعاة عدم زيادة وزنه، وينهره عندما يراه يتغلب على توتره بتناول الطعام حتى من دون أن يدري، بل وكان في أحيان كثيرة، على العكس، خصوصا قبيل المباريات، يرفض تماما تناول الطعام، وكان جوي أيضا يلح عليه بضرورة أن يأكل شيئا قبل أن يذهب لمنازلة خصمه. ولكنه كان مهجوسا بفكرة أن يصبح غير ملائم للوزن المتوسط. وكان جنونه الشخصي يصور له أنه يستطيع ان يهزم بطل العالم في الوزن الثقيل. كان جسم لاموتا قابلا لزيادة الوزن، وهو ما حدث حقا بعد أن فقد اللقب وبدأ رحلة الإنحدار السريعة إلى أن إنتهى في السجن بتهمة الإغتصاب، وخرج لكي يفقد زوجته بعد ان فقد إلى الأبد، شقيقه.

لقد ذهب دي نيرو يبحث فيما وراء لاموتا.. وقد التقى بزوجته السابقة "فيكي" (تقوم بدورها كاثرين موريارتي في أول أدوارها في السينما).. وتبادل معها عشرات الرسائل، واستمع إليها لساعات طويلة، بل وقضى إسبوعا ضيفا عليها في منزلها، يستمع إلى ما ترويه له عن شخصية لاموتا، وما تطلعه عليه من خطابات متبادلة معه، وما تعرضه عليه من صور وقصاصات..إلخ

سائق التاكسي

وكما كان يتعين على دي نيرو أن يقضي إسبوعين في العمل كسائق للتاكسي في نيويورك قبل أن يقوم بدوره الشهير، دور "ترافيس بيكل"- المضطرب عقليا- في فيلم "سائق التاكسي" من إخراج سكورسيزي عام 1976، أخذ دي نيرو يتدرب على الملاكمة في الحلبة إستعدادا للدور، وأخذ يدرس كل تفاصيل الشخصية مركزا إهتمامه بصفة خاصة، على الانفعالات، على الحالة النفسية التي تجعل رجلا مشهورا متفوقا في أنظار المجتمع، ينهال ضربا على زوجته، دون سبب واضح، يشك في المحيطين به إلى أن يصل في شكوكه إلى شقيقه، ويتهمه بإقامة علاقة مع زوجته التي يغار عليها بشكل مرضي مدمر.
ذهب دي نيرو أيضا وقضى عدة أسابيع مع الممثل جو بيشي الذي كان يتعرف عليه للمرة الأولى، لكي يعيش تلك الحالة النفسية التي تربط المرء بشقيقه عندما يأتي وقت التصوير ويقف الإثنان امام الكاميرا، وهو ما إنعكس بوضوح على واقعية وتلقائية الأداء في المشاهد التي تجمع بينهما.
وفي أحد المشاهد، إندمج دي نيرو (لاموتا) في الأداء، وكان يتعين عليه أن يضرب شقيقه "جوي" بعنف، مما أدى إلى أن كسر ضلعا لجو بيشي. وما كان الممثل ليتقبل هذا الحادث ببساطة لولا تلك العلاقة الحميمية التي نشأت بين الإثنين وإستمرت بعد ذلك لسنوات (لا ننسى دوريهما معا بعد ذلك في فيلم سكورسيزي الشهير "رفاق طيبون"- 1989).
دي نيرو يؤدي بنرة صوته وبنظراته التي تعكس حالة البارانويا الشخصية، وبطريقته في المشي، معبرا عن التشكك تارة، وعن الإحباط تارة أخرى، وهو يجسد عنف الشخصية وطريقتها الخاصة في الملاكمة كما لو كان ينتقم من خصمه في الحلبة لسبب خفي، وكيف ينفعل عندما يهزم فيقول لغريمه في إنفعال صارخ: أنت لم تسقطني أرضا.. لا تنس هذا.. لم تسقطني ولا مرة واحدة في أي جولة من الجولات!
ويظل يردد تلك الكلمات مرة ومرات. لقد ترك خصمه يهزمه وتوقف تقريبا عن الرد عليه لكنه كان يقف أمامه في الحلبة، يتحداه أن يسقطه، يتلقى الضربات القاسية، دون أن يحاول أن يدفعها عن وجهه، لكنه لم يسقط!
لا يستنكف دي نيرو أن يقوم بأداء مشاهد جريئة قاسية أمام الكاميرا، وكان إندماجه يسبب الإزعاج له وللآخرين.. لقد لطم الممثلة التي تقوم بدور زوجته "فيكي"، لطمة حقيقية كادت أن تفقدها الوعي، وقضى ستة اسابيع مع سكورسيزي في تصوير مشاهد الملاكمة فقط التي لا مثيل لها في أي فيلم آخر، بسبب دقتها وواقعيتها وعلاقتها المباشرة بتكوين شخصية لاموتا وعقده النفسية الخاصة.
إن مشاهدة "الثور الهائج" توفر متعة لا مثيل لها، فأنت أساسا، تشاهد كيف تتضافر عبقرية الأداء، مع عظمة الإخراج، وانسجام فريق العمل، حتى تخرج لنا هذه التحفة السينمائية.
طوبي لأصحاب الموهبة.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان