باريس،عاصمة سينمات العالم

صلاح سرميني ـ باريس
وحده "المركز الوطنيّ للسينما" في باريس يمتلك أرقاماً صحيحةً عن عدد المهرجانات السينمائية في فرنسا، وعلى حدّ علمي، لا يوجد قاعدة بياناتٍ واحدةً تجمعها، وسوف نعثر عليها في مواقع فرنسية مختلفة :
ـ يونيفرانس.
ـ وكالة الفيلم القصير.
ـ بيت الفيلم القصير….
والموقع الأهمّ الذي أعتمدُ عليه، وأستخدمه دائماً، وهو "بوابة الفيلم القصير"، ويتضمّن قائمةً طويلةً تصل إلى حوالي 370 مهرجاناً، وخاصةً المُتخصصة بالأفلام القصيرة، وتلك التي تهتمّ بها جزئياً.
لا تكتفي هذه "البوابة" فقط بمعلوماتٍ منهجية تخصّ المهرجانات السينمائية، ولكنها تمنح المُحترف صورةً تفصيليةً عن المشهد السينمائيّ الخاصّ بالأفلام القصيرة، ومن خلاله، نعرف، بأنه يوجد في فرنسا مهرجاناتٍ، تظاهراتٍ، وملتقياتٍ كبرى تغطي عموم المساحة الجغرافية، وتنتشر في كلّ مدينة صغيرة، وكبيرة، وتهتمّ بكلّ ما يخطر على البال من الأفكار، والموضوعات.
الفرنسيون يعتبرون هذا الإزدهار طبيعيّ، وضروريّ، ولكن، ما يزال هذا الزخم يُذهل عشاق السينما المساكين الذين تركوا بلادهم، ومهرجاناتها تتقلبّ على جمرّ النار.
هذه هي حال فرنسا التي إنطلقت منها الأشرطة السينمائية الأولى، لا تعرف الروتين، أو الملل، ولا تتوقف فيها الأفكار عن الجديد، والتجدد.
وكما نعرف، إقترنت مهرجاناتها بإسم المكان الذي تنعقد فيه، على سبيل المثال، كيف لمدينةٍ مثل كان أن تصبح الأشهر في تاريخ السينما بدون مهرجانها الأعظم الذي تحوّل إلى موعدٍ سينمائيّ سنويّ، وبدون مهرجانها أيضاً، من كان يعرف "كليرمون ـ فيران" التي حتى اليوم نُخطئ في كتابتها بالعربية، حيث يكتبها الفرنسيون (Clermont-Ferrand)ٍ، وينطقونها بطريقةٍ أخرى، ويلتهمون حروفها، كعادتهم.
السلطات المحلية، الإقليمية، والوطنية، تعتبر تأسيس مهرجان سينمائيّ في مدينة، أو قرية إنجازاً كبيراً، يتحوّل مع إستمراريته، وشهرته إلى صرحٍ ثقافيّ لا يقلّ أهميةً عن الأماكن الأثرية، السياحية، العلمية، والتربوية التي توجد فيها ("مركز جورج بومبيدو" في باريس على سبيل المثال).
مهرجان السينما في الشانز إليزيه
تعوّد الفرنسيون إذاً، وناضلوا (ثقافياً) بما يكفي كي تتأسّس مهرجاناتٍ سينمائية في كلّ مدينة، وقرية، أو حتى جزيرة من بلادهم، ولكن، ماهو مثيرٌ للدهشة، الإعجاب، والغيرة (في معظم الأحيان)، أن يتأسّس مهرجانٌ في شارع، ويرتبط بإسمه،.. فرنسا فعلتها مع "مهرجان السينما في الشانزإليزيه".
ولأنّ المهرجانات، التظاهرات، والمُلتقيات فيها أكثر من أن تُحصى، أو يستطيع أحدنا متابعتها، فقد تبيّن لي، بأنّ هذا المهرجان ليس جديداً تماماً كما كنت أتوقع، في دورته الأولى عام 2012، إستقطب حوالي 15000 متفرج، وإحتفى بدورته الثانية خلال الفترة من 12 وحتى 18 يونيو 2013 تحت شعار "التنوّع".
الفكرة التي إنطلق منها بسيطةٌ للغاية، إستثمار سبع صالاتٍ سينمائية (بالإضافة إلى واحدة جديدة في متحف القصر الكبير) تقع في أجمل، وأشهر شارع في العالم، لقد كان مهرجاناً حقيقياً، وليس عروض مجموعة من الأفلام، دعمه ضيوفٌ من المواهب السينمائية، وبرمجة كرّمت التعددية الثقافية،…
في النشرة التعريفية، كتبت "صوفي دولاك" (منتجة، موزعة، مستثمرة صالاتٍ سينمائية، ورئيس المهرجان) بأنّ المتعة هي الهدف الأساسيّ من تأسيس هذا الحدث، المُتعة فقط، مقترنةً بالإكتشاف، المُشاركة، اللقاءات، والتسلية."
وبدوري، أكتب مُؤكداً، وهل يشاهد أحدنا فيلماً بهدفٍ آخر غير المُتعة ؟
هذه السنة، توجهت أضواء المهرجان نحو ضيوف الشرف ممثلي المسلسل التلفزيوني Glee : كريس كولفر، ودارين كريس، وأيضاً، الممثلة الأمريكية كريستن ويغ، كما منح طرفة عين ـ كما يقول الفرنسيون ـ للممثل "أوليفييه مارتينز"، وقدم ثلاثةً من أفلامه.
كما إهتمّ المهرجان بتنظيم سهرة خاصة تحت عنوان "اللوحات الساحرة" بمُشاركة النجمة الأمريكية "هال بيري"، وخُصصت عوائدها لصالح الأطفال المرضى.
وتضمّنت الإختيارات الرسمية لمُسابقة الأفلام الأمريكية تسعة أفلام جديدة من الإنتاجات المُستقلة، واحدٌ منها من المفترض أن يحصل على جائزة الجمهور.
وفيما يخصّ الأفلام القصيرة، كان هناك حوالي 35 فيلماً قصيراً توزعت في 7 برامج، وتضمنت إختيارات من الأفلام الفرنسية مع برنامج خاص إقترحته "المدرسة الوطنية العليا لمهن الصورة، والصوت"(La femis)، وبرامج أخرى قدمتها جامعات أمريكية : كولومبيا، جنوب كاليفورنيا، معهد الفيلم الأمريكي، ونيويورك.

ولم تتوقف البرمجة عند هذا الحدّ، حيث إكتملت بـ"ماستر كلاس" مع الفرنسيين "كوستا غافراس"، و"سيدريك كلابيش"، والأمريكي "فريدريك ويسمان"، بالإضافة إلى عروضٍ أولى لـ 15 فيلماً روائياً طويلاً، ومثيلها من الأفلام الأمريكية.
وكما عادة كلّ مهرجان فرنسيّ، قدمت الدورة الثانية لمهرجان السينما في الشانز إيلزيه مجموعة من كلاسيكيات السينما الفرنسية، والأمريكية، الروائية، والتسجيلية الطويلة.
وبمناسبة العرض المُرتقب للفيلم الأمريكي (World War Z) للمخرج "مارك فورستر"، وبطولة "براد بيت"، قدم المهرجان ستة من أفلامه للتذكير بربع قرن من مشواره السينمائيّ المُذهل.
مهرجان باريس سينما
حالما إنتهى "مهرجان السينما في الشانز إيليزية" في 18 يونيو، وكانت العروض موزعةً في صالاته الثمانية، حتى إبتهجت باريس بمهرجانٍ آخر يرتبط بإسمها، بدأ في 28 يونيو، ويستمر حتى 9 يوليو 2013، وتوزعت عروضه في معظم مناطقها الإدارية العشرين.
مثل كلّ بداية صيف، ومنذ 11 عاماً، يقترح المهرجان في حوالي 15 مكاناً من العاصمة الفرنسية عرض أكثر من 200 فيلماً، الكثير منها يُعرض للمرة الأولى، وبحضور عدد من الشخصيات من عالم الفن السابع، في دورته الماضية 2012، وصل عدد متابعي هذا المهرجان إلى حوالي 70 ألف متفرج.
بالنسبة للمسابقة الدولية، يمنح المهرجان الفرصة للتعرّف على السينما العالمية المُعاصرة من خلال إختياراتٍ تتكوّن من 15 فيلماً بحضور مخرجيها، وهذه الأفلام القادمة من كلّ أنحاء العالم، تتنافس على جائزة الجمهور، وجائزة مجلة Grazia، وجائزة المُدونين، وجائزة الطلبة، وسوف تحصل الأفلام الفائزة على دعم لتسهيل توزيعها في فرنسا.
وبالتوازي مع المسابقة الدولية، إختار المهرجان حوالي 40 فيلماً لعرضها للمرة الأولى في فرنسا، وذلك كي يشاهد الجمهور الباريسيّ حصاد أفلام مهرجان كان، وتلك التي سوف تبدأ عروضها الجماهيرية في الشهور القادمة.
ومثل كلّ عام، يسلط المهرجان الأضواء على شخصياتٍ معتبرة في المشهد السينمائي العالمي، وبحضورهم، وهكذا، منذ بداية المهرجان، ومن خلال الإستعادات الثرية، تمكن الجمهور من إكتشاف (أو إعادة إكتشاف) الأعمال الأسطورية لمخرجين كبار مثل :
عباس كياروستامي، ميكائيل سيمينو، يرزي سكوليموفسكي، أوليفر ستون، دافيد كروننبرغ، ليو كاراكس، تساس مينغ ليانغ، ناعومي كاواس، كلود شابرول، فرانشكو روزي.
بالإضافة إلى مسيرة ممثلين معروفين عالمياً مثل :

إيزابيل روسوليني، جان مورو، ناتالي باي، جولييت بينوش، جين فوندا، جان بول بولموندو، جاكي شان، خافيير بارديم، غاييل غارسيا بيرنال، ساندرين بونير، كلوديا كاردينالي، جان بيير ليّو، ورونيت الكابيتز.
وبعد تسليط الأضواء على السينما في هونغ كونغ عام 2012، يتعرف الجمهور هذه السنة على السينما البلجيكية، بانوراما تصهر الحدود، وتجمع بين السينمائيين الناطقين بالفرنسية، والفلامنكية حول أعمال متفردة، وقوية، وممثلين عباقرة، هي إذاً بانوراما واسعة، من السينما الصامتة حتى أيامنا هذه، هي محاولة للتعرّف أكثر على تعدديتها، وما يمكن أن نطلق عليه بلجيكيتها،..
"مهرجان باريس سينما" هو أيضاً سلسلة من الأحداث الإحتفالية، وذلك كي يعيش الجمهور السينما بطريقةٍ أخرى…
هذا المهرجان الذي لا يطمح فقط إلى إستقطاب جمهور نخبويّ، ولكن، كلّ الأذواق، والتي سوف تجتمع رُبما في ليلة السينما لمُشاهدة أفلاماً مشهورة من سلسلة B، أفلام تحريك، أفلام نادرة، وأخرى شهوانية، أو دموية تحفز المتفرج على ضرورة إكتشاف السينما في كل أشكالها وحتى المُتطرفة، وغير المعروفة.
وأمام صالة MK2 Bibliothèque ، وعلى بعد خطواتٍ من مكتبة "فرانسوا ميتران"، وللمرة الخامسة، سوف يتجمع عشاق المُقتنيات في سوقٍ مفتوح للمحترفين، والجمهور مخصص لبيع كلّ الحاجيات المُرتبطة بالسينما : أفلام على أقراص مدمجة، ملصقات، صور أفلام، مجلات، آلات عرض قديمة، تماثيل صغيرة،…
وخلال الفترة من 30 وحتى 3 يوليو، إهتم "مهرجان باريس سينما" بدعوة محترفي السينما الأوروبية، والعالمية إلى ملتقى بعنوان (Paris Project) حول الإنتاج المشترك، وذلك لدراسة مختارات من المشاريع تبحث عن مصادر تمويل، في برنامج هذا الملتقى الذي أصبح لاغنى عنه، مواعيد إحترافية، قراءة سيناريوهات، ندوات، ورشات عمل تمّ التفكير بها من طرف محترفين من الصناعة السينمائية في أوروبا موجهة للمخرجين، المنتجين، والموزعين،..
هذه القراءة الخبرية عن "مهرجان باريس سينما" ليست أكثر من مقدمة تعريفية مُشهية سوف تكون أكثر إسهاباً بعد أن تحصل على حقها من المُتابعة.