الوثائقي والروائي يتشاركان البحث في تحولات المكان

"متلازمة فينيسيا" و"الجمال العظيم".. عن مدن ايطالية تحتضر

 قيس قاسم

متلازمة  "القبح" و"الجمال" كمفهوم تحليلي لدراسة الفن وتفكيك عناصره وجدناها في فيلمين ايطاليين* أحدهما وثائقي والآخر روائي أخذا سوية موضوع الجمال الظاهر في مدينتين عريقتين هما: روما وفينيسيا، وراحا يبحثان في الآثر العميق الخفي لقبحهما بوصفهما مكاناً يزخر بالعمق التاريخي والوجود البشري المعرض لتشوهات حاولت السينما، من جديد، قراءته والكشف عن زيفه المخادع، الى جانب تحليل علاقاته الداخلية عبر بَسط، ما هو شائع ومتداول عنه ومقارنته بحقيقة ما آل اليه الجمال "الفاتن"، على الجمهور؛ ليرى صورة جديدة مختلفة تماماً عما يجده مطبوعاً على  بطاقات البريد أو ما هو مسجل في الأفلام السياحية الدعائية. في فيلمي "الجمال العظيم " لباولو سورنتينو والوثائقي "متلازمة فينسيا" لأندرياس بيشلر، نجد أنفسنا أمام جَراحَيّن أخضعا المدينتين لعملية تشريح "سينمائي"  شديد الخصوصية لدرجة بدتا فيهما كمريضتين تمران في حالة "إحتضار" تاريخي محتوم.

الجمال العظيم

خراب الجمال
بطل "الجمال العظيم" كامبارديلا، الصحفي الشهير والكاتب الذي كتب رواية واحدة ولم يكررها لنضوب خياله، أو لضجره وكرهه لفعل الكتابة الجادة، رجل شديد الإرتباط بمدينته روما، بل يشبهها الى حد بعيد، فهو ورغم ثراءه وترف حياته يشعر بالضجر، متخم الاحساس بالفقدان، ومن اقتراب نهاية عمر قضاه في مدينة هرمت معه، وصار يشعر بالنفور والكراهية لها ولكل ما يمت بصلة به: أصدقاء مهنة وعلاقات عاطفية وذكريات، كلها تذكره بإنقضاء زمن الحيوية والعنفوان وبزيف ساطع للمجتمع المخملي المدعي الثقافة، الخاوي من الداخل والمشرف على الإفلاس. بذخ الحياة الليلية التي تعيشها روما، يُنظر اليها، من شرفة شقة لرجل "محتال" يطل برأسه على ساحة الكوليزيه الشهيرة وسط روما، الى الوسط الصاخب وملتقى الزوار القادمين لرؤية الجمال العظيم لمدينة في حقيقيتها الداخلية شديدة القبيح هرمة فقدت كل بريق لها ولم يبق من مجدها سوى إدعاء أشباه مثقفيها بصلة تواصلهم معها ومع موروثها الثقافي الذي وضعه باولو سورنتينو على منضدة التشريح ليعرض مناطق السرطان التي أصابته ومواطن التشوه في مراكز الجمال العصبية المنقطعة الاتصال ببقايا جسد روما المحتضرة الموشكة على موت تراجيدي على أيدي أبنائها. في الجمال العظيم سخرية طافحة من الشكلانية الثقافية والادعاء الأجوف ومن هيمنة ثقافة سطحية اعلامية، أبطالها صحفيون تافهون يعملون في مجلات فنية وضيعة المستوى، يتلذذ البطل كامبارديلا (الممثل طوني سرفيلو) بكشفها ومصارحة المشتغلين فيها بتفاهتهم في عدائية صارخة لئيمة فيها رغبة معلنة بالإنتقام من المدينة نفسها التي تجمعه مع هؤلاء في صحبة منافقة تشبه كسل السائح وهو يصور الجمال الظاهر دون اهتمام بما يخفي وراءه بل وبجهله المطلق بروح المدينة الموشكة على الموت. مدينة تحتضر وقد صور باولو سورنتينو احتضارها في فيلم مرجعيته السينما الفيللينية الى جانب امتلاكه فهماً عميقاً لحال الثقافة في ايطاليا اليوم وكذبة ما يشاع عن "الجمال العظيم" فذاك الذي وصم روما وترك آثاره على سطوحها هو غير الذي يدعيه مواطنوها بإنتمائهم اليه، فخراً، وبأنهم امتداد حقيقي له. انهم منفصلون عن روما وجمالها يؤسسون بأنفسهم لثقافة جديدة رخيصة فوق نفس الأرض التي بُنيت فوقها تحف فنية من جمال نضب منبعه بعد أن هرمت صاحبته. لقد قاربت المدينة على الموت وقارب جمالها على الزوال، حالها حال مدينة ايطالية آخرى لا تقل عنها جمالاً اسمها فينيسيا.

إعلان

فينيسيا.. توثيق الاحتضار
كيف لازم الربح والخراب مدينة فينيسيا، وصار الفكاك منهما أمراً شبه مستحيل، هو جوهر المبحث الإيطالي أندرياس بيشلر في وثائقيه "متلازمة فينيسيا" والذي ذهب فيه الى المدينة التي احتار الشعراء والكتاب في وصفها واجتمعوا على انها واحدة من أجمل المدن/الموانيء في العالم كله وأكثرها شهرة بممراتها المائية التي جعلت منها جزيرة عائمة وسط المياه، تغري العالم للمجيء اليها والتمتع بغرابتها الهندسية والاندهاش بفكرة تأسيسها كمدينة معزولة عن البر، غارقة في عالمها المائي الساحر في وداعة. خارج الصورة السائدة في الأذهان والمعمقة بفيض من المديح الدائم، ثمة صورة خفية مخيفة تشي بأن المدينة ولتلك المواصفات الجمالية تقترب بخطوات متسارعة نحو حتفها، الذي أرادوه لها تجارها ورأسماليها (ألم يكتب شكسبير مسرحيته الشهيرة تاجر البندقية من وحي جشع تجارها؟). فالمدينة ما عادت مدينة أناسها بل صارت مدينة سواحها. صارت مدينة سياحية مصطنعة كما هي "ديزني لاند". لقد استباح السواح وشركات السياحة الكبيرة المدينة بما فيها من بشر وحجر ولم يعد أهلها يشعرون بأنهم يعيشون وسط مدينة سياحية وحسب بل صاروا يشعرون كما لو انهم غرباء عنها ووجودهم خارج صفة السياحة يبدو نشازاً وغير مرغوب فيه لأصحاب المشاريع التجارية المقرونة نموها وإزدهارها بحركة السياحة لا بهم، لقلة أعدادهم التي تناقصت بشكل كبير ولم يبق منهم سوى ستين ألف فينسي يعيشون وسط أحياءها القديمة (أي ما يقارب عدد الناجيين من وباء الطاعون الذي حل على مدينتهم عام 1438) يقابلهم أكثر من عشرين مليون سائح يدخلونها سنوياً يصرفون حوالي ملياري دولار أمريكي فيها، ولهذا ظهرت أغلب الشخصيات التي لاحق الوثائقي تفاصيل عيشها اليومي محتارة في اختيار شكل وجودها والطريقة الأمثل التي عليهم التكيف بها مسايرة مع المتغيرات التي باتوا عاجزين عن مواكبتها بخاصة وأن أغلب الذين عرفوهم وعاشوا معهم فضلوا هجر فينيسيا/ الوسط والذهاب بعيداً الى اليابسة فتركوهم لوحدهم ينتظرون اللحظة الآتية التي سيودعون فيها المكان الذين أحبوه ولا يعرفون غيره منزلاً حتى لو كان عائماً كمنازلهم المتآخية مع المياه منذ قرون، وصار من المفارقات القاتلة خطراً عليها. فالبحر اليوم يأتيهم بسفن ركاب عملاقة ينزل منها آلاف مؤلفة من البشر، ولضخامتها وقوة الموج الذي تحدثه يعرض منازلهم الى ما يشبه "هزات أرضية"  تهدد وجودها وتجعلها عرضة للضعضة والاندثار، وستمثل جبال نفايات السواح تهديداً لكل مباني المدينة العريقة بعد أن تمتزج مع مياة البحر وتلتصق على جدرانها لتتعفن. وثمة تغيير بات يهدد وجودهم في الأصل لأن أصحاب الشركات  يريدون شراء كل شبر من أرض الجزيرة ليقيموا عليها مشاريعهم، لدرجة وصل سعر المتر المربع الواحدة من أرضها الى 16 ألف يورو، وسعر أي بيت صغير عدة ملايين ولهذا أصبح من المستحيل على ذوي الدخل المحدود من سكانها الحصول على منزل لأن البيوت كلها وحتى الأمكنة الأثرية مثل البريد القديم قد تحولت الى فنادق سياحة. لم تعد مدينة فينيسيا مدينة بشر ينتمون اليها بل الى جزيرة مفتوحة للمراكب والطائرات والخراب الكلي، وما على سكانها سوى ترقب حالة احتضارها المحسوس بروح حزينة لا تتساوى مع جمال أرواحهم وبساطة أخلاقهم. فالفينيسيون جُبلوا على الجمال لكن التجار جَبلوا الجمال بالمال وخربوا مدينة باتت نهايتها قريبة.

إعلان

* عرضا في الدورة ال48 لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان