كتاب جديد : الواقعية الجديدة والنقد السينمائي

بعض النوّاب كان يرى واجب السينما هو التسلية وانقاذ الرجل من متاعبه اليومية!
لندن / عدنان حسين أحمد

صدر عن هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث كتاب "الواقعية الجديدة والنقد السينمائي" للناقد السينمائي الإيطالي غِويدو أريستاركو، ترجمة الكاتب العراقي عدنان علي. يتضمن الكتاب تمهيداً مُكثفاً بقلم المترجم، وتوطئة بقلم الكاتب إضافة إلى اثنين وعشرين فصلاً شكّلت متن هذه الدراسة النقدية القيّمة.
يرى المترجم عدنان علي بأنّ الحرب العالمية الثانية قد قسّمت المجتمع الإيطالي إلى فئتين، الأولى فئة المقاومة التي وقفت ضد النظام الفاشي البائد مطالبة بعهد جديد أساسه الديمقراطية والحرية والنهضة، والثانية فئة تحِّن إلى الماضي وحقبته الموسولينية، ورفضت أن تستسلم إلى الواقع الجديد. ومع أنّ السفينة لم تغرق في الأمواج العاتية، لكنها لم ترسُ في الميناء الصحيح لأنّ ربّانها اختار الحل الوسط.
يشير مترجم الكتاب إلى أن الناقد السينمائي وكاتب السيناريو غويدا إريستاركو "1918-1996" قد كرّس حياته للسينما الإيطالية على وجه التحديد متأثراً بالفكر الماركسي وفلسفة غرامشي ولوكاش. كما أسس مجلة "السينما الجديدة" 1952 التي أثارت الكثير من الإعجاب والجدل والاستياء. شاهد أريستاركو معظم الأفلام الإيطالية علّه يلتقط "الحقيقة الثانية" التي لا تدركها إلاّ "العين الثانية" و "الرؤية الثانية". وتحوّلت مراجعاته النقدية إلى محاضرات جامعية وورشات عمل بحضور المختصين والمعنيين، ذلك لأنه كان مُحاضراً في جامعتي روما وتورينو. انحاز أريستاركو للسينما الواقعية فدافع عنها في مؤلفه الموسوم "تحطيم العقل" واقترن اسمه بأسماء أشهر المخرجين الإيطاليين ويعود إلى الأذهان كلما شاهد أحدهم "سارقو الدراجة"، "روما مدينة مفتوحة"،و "الأرض تهتز" وغيرها من الأفلام.
يخلص المترجم في تمهيده إلى أنّ هذا الكتاب يمثِّل عرضاً موضوعياً للحياة الإيطالية في خمسينات وستينات القرن الماضي من النواحي السياسية والاجتماعية والأدبية والسينمائية بطبيعة الحال.
أما توطئة أريستاركو لكتابه فيقول فيها أنّ المعركة قد حُسمت لمصلحة الرأسمالية فرغم طموحات الديمقراطية وتولي الحكم من قبِل أحزاب اليسار إلاّ أنّ علاقات الإنتاج لم تُمَس، وبقيت المِلْكية الصناعية والزراعية على ما كانت عليه.
يؤكد أريستاركو في الفصل الأول "نعم للفاشية" بأن فلم "على أطراف المدينة" لليتزاني يُراد به تغطية قضية "إيجيدي"، وهي قصة مجهولة تؤيد "حُماة النظام"، و "روما الساعة 11" يروي أحداثاً حقيقية عن سُلّم ينهار بسبب اكتظاظه بالفتيات الطبّاعات الباحثات عن عمل. وقد أُقصيَ هذا الفلم في مهرجان "كان" لأنه يعبِّر عن التيار الواقعي، وقد اشترك فيه ممثلون هواة. كما تعّرضت أفلام أخرى إلى القطع والبتر مثل "ملوك روما السبعة" الذي يروي قصة موظف يموت فيتوجّه بقدميه إلى المقبرة وحيداً، ويظهر في أحلام زوجته ويزوِّدها بأرقام فائزة في اليانصيب لإعانتها على العيش. يتوقف أريستاركو عند عدد من أفلام السينما الفاشية من بينها "الهجوم البطولي"، "الريشات السوداء"، "ظلال على تريستي"، "إخوة إيطاليا" و "سبعة الدب الأكبر". وقد وجّه النائب الإيطالي غريفوني اتهاماته في مجلس النوّاب إلى فلم "الهجوم البطولي" واعتبره اطراءً للفاشية ومديحاً لها.
واجهت الواقعية أزمة شديدة في عامي 1952-1953، إذ عارضت الصحافة الرئيسية السينما الإيطالية على الدوام، وتمّ مطابقة السينما الإيطالية مع اليسار بشكل عام، لذلك دأبت الصحافة الكاثوليكية والحكومية على مهاجمة السينما الإيطالية من دون هوداة. كما ساهم العداء ضد السينما الواقعية في نشأة سينما مختلفة تتضمن بذور النجومية ذات الكلفة العالية جداً وتشويهاً للفلم الإيطالي النموذجي.
يُعّد رينزو رينزي أول من لبّى دعوة "السينما الجديدة" مُتحدثاً بشيء من الخجل في استعمال صيغة "الواقعية الجديدة". ويرى أن ّالواقعية الجديدة لم تكن ثورية، بل أنّ أعداءها هم الذين كانوا فاشيين، فالواقعية بصفتها نزعة. . ليست إلاّ مُنتجاً نموذجياً للطبقات المتوسطة الأكثر تطوراً. ويؤكد رينزي أنّ هناك حملة شُنّت ضد عشرة أفلام من بين "150" فلماً يتم إنتاجها سنوياً في إيطاليا.
يشير جاكومو ديبينديتي إلى أن الواقعية أنتجت أفلاماً مهمة قوامها عناصر خارجية، والغلبة فيها للمناظر في الهواء الطلق، والممثل غير المهني، واستعمال اللهجة المحلية كما هو الحال في "روما مدينة مفتوحة" و "سارقو الدراجة". وقد تطوّر الفلم الإيطالي بوتيرة لم يسبق لها مثيل حتى أصبحت السينما رأس الحربة للثقافة الإيطالية وقد اعترف بذلك سابينو وفيتوريني وسارتر وغيرهم.
على الرغم مما لاقته الواقعية الجديدة من معارضة الفاشيين إلاّ أنّ تأثيرها امتدّ إلى السينمات المكسيكية والهندية واليابانية وإلى حدٍ ما للسينما الأميركية. لا تنتمي الواقعية الجديدة إلى الماركسية، ولكن هناك من المخرجين من يتعاطف معها أو ينتمي إلى الحزب الشيوعي الإيطالي، وينضم إلى الائتلافات أو للجبهة المناهضة للفاشية من دون الإلمام بمعرفة دقيقة بالمادية التاريخية. إذاً، لم تَمُتْ الفاشية بحسب أنتوتشيلي، لقد عاشت عشرين عاماً من ازدهار زائف بسبب قوّتها، ثم ضُرب عنقها فقط، غير أن جذورها لم تُستأصل. لقد تم انتهاك الدستور حتى في المجال السينمائي، فبعض النوّاب كان يرى واجب السينما هو التسلية وانقاذ الرجل من متاعبه اليومية!
يؤكد أريستاركو بأنه من الخطأ الحكم على السينما الإيطالية بين عامي 1930-1940 بالفاشية، فهناك تيار آخر يوصِل الواقعية الجديدة بأصل السينما الإيطالية الصامتة. فمن الخطأ الفادح القول بأنّ ولادة الواقعية الجديدة ناجمة من الفراغ.
يعتقد أمبيرتو بابارو أنّ أفلام الواقعية الإيطالية الجديدة نشأت تحت التأثير المباشر وغير المباشر للأفلام السوفيتيية، وهي التي زرعت حُب المَشاهد الخارجية في إيطاليا أو إسناد الأدوار لممثلين غير مهنيين، إضافة إلى المونتاج. إنّ الواقعية الجديدة في جوهرها معادية للنجومية وللملحمة وللمونودراما، وكما يرى رينزي أنها تحتج ضد الفوضوية والحرية المطلقة. وثمة أسئلة تطرح في هذا المضمار من قبيل: لماذا ومتى يذهب الجمهور إلى السينما؟ وهل يبحث عن التنفيس والراحة في العروض السينمائية، أم يبحث عن شيء مختلف عن عمله اليومي؟
طرح دي سيكا وزافاتيني من خلال ثلاثة أفلام مسائل ملحِّة وواقعية بغية دفع الحكومة للتدخل واتخاذ الإجرءات اللازمة. فقد أثار فلم "ماسح الأحذية" مشكلة الأطفال المُهْملين، والبطالة والحق في العمل في "سارق الدراجة"، والبؤس والإذلال الذي يتعرّض له المتقاعدون في "إمبيرتو دي". كما تحرر النقاد الأذكياء من الخوف والأحكام المسبقة البالية، وأعلنوا تخلّف الأدب المزعوم واقعياً، وأطلقوا عليه، كما فعل كالفينو، اسم الأدب الإنفعالي، فأنقذتنا بعض الأفلام الواقعية الجديدة من هذا العيب الذي أصاب الفن الإيطالي. لقد أعلن زافاتيني بخجل أن السينما وحدها قادرة على تقليص الفارق بين الفكر والعمل.
تُؤرَّخ نهاية الواقعية الجديدة بفلم "إمبيرتو دي" الذي أُطلق عام 1952 إلاّ أنّ سارتر يعتبر فلم "السقف" لدي سيكا هو صرخة احتضار الواقعية الجديدة. وبصدد التفكير بالواقعية قال فورتيني في مداخلة تعود إلى عام 1953:"من مصلحة الواقعية الجديدة تحديد تسمية تاريخية- نقدية بدلاً من تعريفها بالشعبوية، لأنها تعبِّر عن نظرة إلى الواقع أساسها شعبي بمصطلحاتها ولهجاتها المحلية ومركّباتها الإشتراكية الثورية المسيحية، الطبيعية، الحقائقية، الإيجابية، الإنسانية". ويخلص إلى القول بأن السينما الجديدة لم تسعَ من أجل وحدة الفن، بل من أجل الثقافة وبضمنها التاريخ السينمائي بصفته جزءاً من ثقافة أوسع. ثم يمضي إلى القول بأنه لا يذيع جديداً إن قال "إنّ الواقعية الجديدة في مجملها ليست ماركسية، بل تنتمي للبرجوازية الصغيرة، إنما الجديد هو القول بأن أفلام فيسكونتي، دي سيكا وزافاتيني تنتمي للسينما الإيجابية البسيطة".
يعتقد فوريتيني أنّ وظيفة الناقد هي: "القيام بالاختيارات، تحديد المواضيع، إعداد الخطاب، استخدام لغات مختارة، توجيه حديث مختار بلغة خاصة إلى مجتمع حيث يؤثر نمو الفرد في التطوّر الحر للجميع".
نستنتج من هذه القراءة النقدية أنّ الواقعية الجديدة لم تنبثق من فراغ، فقد مهّد لها مخرجون كبار من طراز أليساندرو بلاسيتي، أوغستو جينينا، فرانشيسكو دي روبرتس وجيوفاني فيرغا، كما أثرّت فيها الواقعية الشعرية، وخلّفت الشيوعية بصماتها على هذه الحركة. أما أهم أساطينها فهم روبيرتو روسيلليني، فيتوريو دي سيكا، تشزري زافاتيني، لوشيو فيسكونتي، وغويسب دي سانتس. تتصف الواقعية الجديدة بسمات وخصائص محددة من بينها التصوير في المواقع المفتوحة، وعدم الاعتماد على الممثلين المحترفين، والتعويل على التقنية الوثائقية، والاستغناء عن السيناريو الأدبي، ورفض التقاليد الهوليوودية مثل النهايات السعيدة أو التدخل الدراماتيكي في المونتاج، وأخيراً وليس آخراً، الاعتماد على ميزانيات متواضعة في معظم الأحيان لأن هدفهم الرئيسي هو رصد معاناة الطبقة الفقيرة، والإمساك بالأبعاد الجمالية الواقعية التي كانت تزخر بها الحياة الإيطالية آنذاك.