تتويج إفريقيا في مهرجان "فيد ـ مرسيليا"

إن فرنسا البلد الذي يحتضن أكبر عدد من التظاهرات السينمائية في العالم، والتي تُقام طيلة السنة، منها الشهيرة والمنتشرة على نطاق واسع لا حاجة للتذكير بها إذ يعرفها الخاص والعام. وأخرى معروفة بين المحترفين السينمائيين في مختلف أقطار الكون نظرا لطبيعتها المتخصصة جدا. وهناك تظاهرات محلية أو لها بُعد جهوي أو إقليمي أو أيضا تتمحور حول مواضيع معينة أو حول سينما تنتمي لقطر محدد أو هوية / إثنية … إلى آخره. وتهم تلك التظاهرات جميع الأجناس السينمائية وتجد كلها جمهورها الوفي والمخلص لها منذ سنوات. ومن بين تلك التظاهرات من عمَّرتْ أكثر من نصف قرن إلى جانب من ظهرت مع تطور السينما والإنتاج، وأخرى حديثة جدا وجدت مكانها بسهولة في مجتمع يحب السينما ويتفاعل معها ويعتبرها جزء من حياته الثقافية اليومية حيث لا يمر أسبوعا دون أن يشاهد فيلما في القاعة.
إن فرنسا البلد الوحيد في العالم الذي يمكنك مشاهدة الأفلام من جنسيات الأرض المتنوعة وذلك بالقاعات السينمائية التجارية وليس فقط في المهرجانات والملتقيات. فيكفيك عند زيارتك إلى فرنسا، التعرف على عناوين قاعات "الفن والتجريب" مثلا المنتشرة في ربوع فرنسا بما فيها القرى الصغيرة لتجد فيها أفلاما من جميع القارات وبلغتها الأصلية. أو تشتري الصحف (خاصة المحلية بالمدينة أو الجهة) لتجد بها لائحة كاملة من الأفلام المعروضة حينها بجنسيتها ولغتها. وقد يقول قائل بأن تلك الأفلام تبقى مُهمَّشة في نظرهم ولا تستمر طويلا في تلك القاعات الخاصة جدا لجمهور خاص أيضا وليس عامة الناس. لكن أجيب بأنها على الأقل موجودة في شبكة التوزيع وتُعطَى لها حق الوجود واللقاء بجمهورها والمهتم بها حتى ولو كانوا قلة (وهذا جزء من احترام الأقلية) وليس كما هو الحال في جل الأقطار الأوروبية الأخرى التي تحتل قاعاتها فقط السينما الهوليوودية على طول العام وكأنها السينما الوحيدة الموجودة في الكون.
إن تَعَدُّد الهويات للمهرجانات السينمائية المُنظَّمَة بفرنسا هي جزء من تَعَدُّد الفرجة نفسها فيها والتي أشرنا إليها أعلاه. وهنا سأقف بالأساس عند مهرجان سينمائي ذي صيت عالمي الذي تطور مع تطور السينما ويرفض الجمود واليقينية في الإبداع وأقصد به المهرجان الدولي للسينما بمرسيليا المعروف اختصارا بالـ"فيد" (FID).
مهرجان الـ"فيد" ورشة سينمائية مفتوحة
تغير المهرجان خلال ربع قرن في اتجاه مختلف جذريا عن بداياته وعن المهرجانات الأخرى التي لا تُحيد عن خطها التحريري الذي تأسست به. لذا تكون كل دورة من دورات الـ"فيد" مختلفة عن سابقاتها. ويكون المتتبع متيقنا له بأنه لن يتكرر أمامه ما شاهده من قبل فيه. وأن الجديد الدائم هو سيد المهرجان والمُرحَّب به على الدوام.
ساعدتني الصدفة التاريخية لأواكب هذا المهرجان في دوراته التي دارت فيها النقاشات حول موضوع الأجناس السينمائية وهل مازالت قائمة في الألفية الثالثة بعد أن تزاوجت الوسائل التقنية في ما بينها؟ وما هي بالملموس الفوارق القائمة بين مختلف الأفلام التي يتم فيها الاعتماد على السيناريو والمونتاج والإضاءة واختيار الممثلين الحقيقيين أو المفترضين ومواقع التصوير مسبقا؟ وهلم جرا من محتويات فنون السينما للقول بعد ذلك بأحكام جاهزة متوارثة بأن هذا الفيلم روائي وآخر وثائقي؟ ولماذا يتم اعتماد زمن الفيلم بمعنى مدته كطويل أو متوسط أو قصير كمقياس لأهمية المنتوج؟ وأن الفيلم القصير مجرد تجريب ومرحلة التعلم فقط؟ لقد تم رفض في الـ"فيد"هذه المُسَلَّمَات التي صاحبت السينما تقريبا قرن من وجودها. وطرح مرارا في منتدياته بضرورة إعادة النظر في كثير من الأفكار الموروثة على غرار ما حصل في مجالات فنية كثيرة فتطورت ثم تحررت من قيود وهمية بائدة.
لذا لا يمكن الجزم في مهرجان الـ"فيد" بأن الأفلام المبرمجة تدخل في خانة الروائي أو الوثائقي أو هما معا أو حتى القبول بنعتها تجريبية لأن المهرجان يرفض هذه التصنيفات الكلاسيكية بقدر ما يُطالب بالتعامل مع الفيلم كمنتوج فني إبداعي حر ومفتوح على كل الاحتمالات والقراءات والتحاليل. فهو يرفض رسم دوائر ومربعات ومستطيلات لحبس الأفلام فيها تحت حجة تحديد "النوع" و"الهوية".
وهذه الحدود المفتوحة بين الأجناس السينمائية والتفاعل الذي يخلقه المهرجان بينها، طيلة أسبوع انعقاده، يُتَرْجَمُ حتى في علاقاته مع جمهوره والمدعوين من رجال ونساء السينما بمختلف مشاربهم إذ تغيب كل أشكال البروتوكولات الشكلية والوهمية، أو الفصل بين مستويات الحضور بقدر ما يترك المجال حرا طليقا في انسجام تام مع مبادئه لأنه مهرجان للسينما وللسينما وليس سوقا للتجارة والمتاجرة بالفن السابع. يلتقي الجميع بسهولة في ما بينه بمختلف فضاءات المهرجان للنقاش والتعارف ومد جسور التعاون من أقصى نقطة في العالم بالشرق أو الشمال إلى أقصاها في الغرب أو الجنوب. إنها متعة سينمائية مباشرة تجمع السينما وأصحابها بدون حدود.
لا حاجة لإعادة ذكر بالتفصيل سياسة مهرجان الـ"فيد" وبنيته الفكرية والفنية إذ يمكن لمن يرغب في ذلك العودة إلى الحوار الذي سبق لي أن أجريته مع مندوبه العام، السيد جان ـ بيير ريم، المنشور بموقع الجزيرة الوثائقية في نهاية الشهر الماضي (يوم 24 يونيو 2013).
"أَلف شمس" عن إفريقيا والسينما والحياة
حاز بالجائزة الكبرى للمهرجان هذه السنة فيلم "ألف شمس" الذي شارك ضمن فقرة المسابقة الدولية وعُرض لأول مرة في العالم. فرغم أنه فرنسي الإنتاج إلا أنه إفريقي الروح والصورة والصوت والمعنى. وهو من إخراج الشابة ماتي ديوب. وفوز هذا الفيلم بالجائزة الكبرى هو انعكاس فعلي لروح المهرجان أيضا كما قال أحد النقاد الفرنسيين المتتبعين للمهرجان، مضيفا في حديثه معي بأنه الفيلم الذي لا يمكن وصفه بأنه وثائقي ولا هو روائي. ثم يؤكد نفس الناقد بأنه لا يصح فيه القول أيضا بأنه قصيرا أو طويلا أو متوسطا ولا حتى بالقياس التلفزيوني. لا تجوز فيه الأعراف التقليدية للزمن.
تستغرق مدة عرضه 45 دقيقة. هو فيلم يُكرم فيلما آخر طبع التاريخ السينمائي في إفريقيا. فيلم يبني أحداثه اعتمادا على فيلم آخر فتغيب الفوارق بين الماضي والحاضر كما تتنافى فيه الوثيقة مع الرواية فتبدأ الأسئلة عنهما. إنه فيلم "ألف شمس" من إخراج الشابة ماتي ديوب. فهل ما قدمته لنا المخرجة هو الجانب الوثائقي رغم روائيته أم الفيلم الذي اعتمدت عليه هو الأصل الروائي؟ مَنْ منهما الأصل؟ هل تريد إقناعنا بأن الأفلام الروائية تتحول مع الزمن لوثائق مرئية بنفس المستوى والحجم الذي تتمتع به الصور الوثائقية التقليدية؟ أو أن ما قامت به هو الجانب الوثائقي بتدخلها في الروائي؟ لفهم هذه المعادلة التي اشتغلت عليها المخرجة الشابة ماتي ديوب، ذات الأصول السنغالية والفرنسية المولد، هو أنها اعتمدت في فيلمها على فيلم سنغالي شهير بعنوان "توكي بوكي" للمخرج جبريل ديوب مامبيتي الذي أخرجه سنة 1973 وكان عمره آنذاك 21 سنة. واعتُبر هذا الفيلم حينها بأنه ثورة في السينما الإفريقية وليس السنغالية فقط وذلك مع مطلع السبعينات بعد الجيل الأول من السينمائيين الأوائل لعقد الستينات الذين ظهروا بعد استقلال كثير من الأقطار الإفريقية. وقد توفي هذا المخرج مبكرا، سنة 1998، وهو لم يتجاوز بعد 53 سنة. وترتبط المخرجة الشابة ماتي ديوب بعلاقة عائلية بالمخرج باعتباره عَمُّهَا أخ والدها "واسيس ديوب" المعروف كفنان موسيقي (هو الذي ألف موسيقى الفيلم الأخير للمخرج التشادي محمد صالح هارون بعنوان "غريغري" والذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان "كان" في دورته الأخيرة مايو 2013). وكان جدها يتحدث لها كثيرا عن فيلم " توكي بوكي" الذي يعتبره تاريخ العائلة ـ عائلة ديوب ـ نفسها فأصبح يخترقها فكريا وفنيا خاصة حين بدأت مسيرتها الفنية كممثلة ثم مخرجة للأفلام القصيرة. اشتغلت على فيلمها "ألف شمس" لمدة 5 سنوات حسب ما صرحت به للصحافة في الندوة التي عقدتها بعد عرض الفيلم مباشرة. وقد تم ترميم الفيلم من طرف مؤسسة المخرج الأمريكي "مارتين سكورسيزي" فأنقذته من الضياع.
تقوم ماتي ديوب في فيلمها " ألف شمس" بإعادة الاعتبار لفيلم "توكي بوكي" ولعمها المخرج جبريل ديوب مامبيتي، الذي نسيه الجميع في إفريقيا، وتكرمه في ذات الوقت مع البحث عما تغير في إفريقيا منذ إنتاج الفيلم سنة 1973 إلى 2013 بمعنى خلال أربعة عقود، أي 40 سنة. مازالت أحلام الهجرة نفسها التي ينتجها البؤس الاقتصادي والسياسي والاجتماعي قائمة ونفس المشاكل يُعاد إنتاجها. ويَكْمُنُ تفوق المخرجة في موازاتها بين مشاهد من فيلم عمها "توكي بوكي" وما قامت هي بتصويره في نفس الأمكنة تقريبا وبنفس الشخصيات أو بعضها الأساسية.
يبدأ فيلم "ألف شمس" للمخرجة ماتي ديوب بِقَطِيعٍ يعبر الطريق الأسفلت وسط مدينة تحتفظ بكثير من رواسب البادية أو بادية بملامح المدينة. يقود هذا القطيع رجل مسن الذي يبدو عليه جليا التعب والفقر. إنه هو الممثل الرئيسي في فيلم :توكي بوكي"، إنه "ماغاي نيانغ" الذي يصعب التعرف عليه بسهولة نظرا لحالته، فقد هدمه الزمن ونكتشف أيضا أنه يعيش في الهامش ولم يعد أحدا يتذكره كأحد أهم الممثلين في أحد أهم الأفلام السنغالية وهو ما أبرزته المخرجة حين حضر الاحتفال المقرر للفيلم في عرض جماهيري بالهواء الطلق. فبقدر ما أبرزت المخرجة حالته النفسية بعدم التعرف عليه من طرف الجمهور، بل مستهزئين به، في ذات الوقت بينت عدم اهتمام الجمهور نفسه بالفيلم الذي يُعرض في الهواء الطلق بين المارة والسيارات وأشياء أخرى في الحياة وهم يجهلون تاريخ ذلك الفيلم الذي طبع تاريخ السينما في السنغال.
يثير الفيلم أيضا وضع الفنان في السنغال، أو إفريقيا عامة، من خلال الشخصية الرئيسية في الفيلم الذي كان نجما عند ظهور الفيلم في بداية السبعينات من القرن الماضي. يتذكر تاريخه المجيد لكن زوجته تستهزئ به ناعتة إياه بالفاشل الذي يقضي وقته في الحانات والذي لم يعرف كيف يستفيد من شهرته. خلال تتبع المخرجة لهذا الفنان المنبوذ والسيئ الحظ الذي اشتغل مع عمها كبطل رئيسي، تعود بين فنية وأخرى إلى فيلم عمها الذي تكسرت فيه الأحلام والطموح. كما تخلق أحداثا جديدة في فيلمها مستعينة به أيضا لتعطيه أبعادا تتماشى مع المجتمع الإفريقي حيث تجمع بين الإعجاب بفيلم "توكي بوكي" ومساءلة التاريخ. وبين الرومانسية والفكاهة. إلى حد أنها استحضرت أيضا الدراجة النارية في فيلمها كإشارة للفيلم الأصلي الذي كانت فيه تلك الدراجة بمثابة عنصر أساسي لشكلها التي تحمل قرنين في المقود كحيوان إفريقي تائه.
لست هنا بصدد تقديم قراءة في الفيلم بل أعرض بعضا من عناصره وأقربها إلى القارئ ليستأنس بها، وربما يفهم أسباب حصوله على الجائزة الكبرى. وقد حصل الفيلم أيضا على تنويه في نفس المهرجان من لدن التجمع الوطني الفرنسي لقاعات السينما ضمن الجوائز الموازية. كانت المنافسة قوية بين كثير من الأفلام الجيدة والمتميزة والحرة في كتاباتها وشكلها والتي لا تترك المشاهد محايدا أو كسولا في التعاطي معها لأنها غير عادية إطلاقا مادامت تتطلب مجهودا فكريا وسينمائيا ووجدانيا أيضا إذ بعضها تصل إلى ثلاث ساعات. وعليه، فانتزاع فيلم "ألف شمس" للجائزة الكبرى بالإجماع من لجنة ليست سهلة المنال هو انتصار للسينما الإفريقية التي هي سينما النضال على مختلف الواجهات.
لم أتوقف عند الجوائز الأخرى، والتي لها قيمتها أيضا، لأنها كثيرة جدا ومثيرة في نفس الوقت لخصوصية الأفلام التي حصلت عليها حيث كل فيلم يستحق الوقوف عنده وهو ما لا يسمح به المجال حاليا. كما لم أتوقف أيضا عند الأنشطة الكثيرة والغنية من ندوات ومناظرات ولقاءات وورشات ومعارض التي أشرنا إلى بعضها في الحوار، مع المندوب العام للمهرجان، السالف الذكر. فقد تكون أفلام بيير باولو بازوليني الذي كرمه المهرجان بعرض جميع أفلامه قبل انطلاقه واستمرت خلاله وحدها تستحق نصوصا ودراسات وقراءات معمقة نظرا لمكانتها التاريخية في السينما العالمية وليس في إيطاليا أو حوض المتوسط فقط، فهو الذي شغل العالم حيا مازال يشغله وهو ميت.