سلسلة تسجيلية عن الأطفال اللاجئين

يُحدق الصبي العراقي "أحمد" في سقف بيته لساعات. يبدو في غرفته الصغيرة، وكأنه كهل، يعيش عزلة إختيارية، يَستعيد فيها محطات حياته الشاقة. بالكاد يُغادر أحمد غرفته وبيته في مدينة كركوك العراقية. لا يذهب الى المدرسة، لانه لا يتكلم اللغة العربية بطلاقة، ولا يلعب في الشارع، لأنه خائف من الإنفجارات المتواصلة في مدينته. هو يتذكر في كل ساعة من يومه، حياته في القرية الهولندية الصغيرة، التي قضى فيها معظم سنينه الإثني عشر. أحمد هذا، هو واحد من مئات الأطفال، الذين تقوم الحكومة الهولندية بإرجاعهم مع أهلهم الى بلدانهم الأصلية كل عام، بسبب إخفاق أهلهم في الحصول على اللجوء السياسي او الإنساني. الصبي العراقي سيكون إحدى شخصيات السلسلة التسجيلية "إبعاد"، والتي تعرض حاليا على شاشة القناة الهولندية الحكومية الثانية.
اللافت في السلسلة المؤلفة من أربعة أفلام تسجيلية طويلة، هو ضخامتها الإنتاجية، والتي بدت غريبة قليلاً، عن الإتجاه العام في الأعوام الثلاثة الأخيرة، بتقليل نفقات إنتاج البرامج التسجيلية في التلفزيون الهولندي الرسمي، بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي أرغمت أعمال عديدة من السنوات الاخيرة، على البحث عن حلول إنتاجية غير مكلفة. على عكس السائد هولنديا، ستتنقل سلسلة "إبعاد" بين عدة دول وقارات، لتتبع قصص أطفال ولدوا او عاشوا أغلب حياتهم في هولندا، قبل أن يجبروا مع أهلهم على الرحيل. ستزور السلسلة دول : العراق، أفغانستان، البوسنة، وأنغولا، إضافة الى إنها ستسلط الإنتباه على نماذج من أطفال، ينتظرون الترحيل القسريّ، موجودون الآن في معسكرات خاصة في هولندا، كاشفة، أي السلسلة، عن المِحَن الكبيرة التي تعيش فيها عوائل، تعتبر إن قرار ترحيلها، هو قذفها الى المجهول، او أحيانا الى الموت، الذي ينتظرها في البلدان الاصلية.
حتى قبل أن تبدأ الحلقة الأولى من السلسلة، يَتَكشف الجانب الذي ينحاز إليه فريقها الفني (أشرف على الإخراج المخرج الهولندي المعروف كيس إيسخاب) بين طرفي الجدال العنيف المُعقد، الذي يخص موضوعة الأطفال اللاجئين، والذي لا يكاد يغيب عن الحياة السياسية والإعلامية الهولندية، فمقدمة العناونين، تظهر مشاهد من الحياة اليومية لأطفال في هولندا، تم التلاعب بها بالغرافيك، فتم تظليل او محو أطفال من تلك المشاهد، في إشارة على غيابهم القسريّ من نسيج الحياة اليومية الطبيعية التي كانوا يعيشونها في هولندا. فالمشاهد التي تظهر صبيين على دراجة، سيتم التلاعب بها وتؤسلب، ليبدو أحد الصبيين، وكأنه اقتطع بآلة حادة من المشهد، كذلك سيبدو الصف المدرسي، وكأنه ينعى طلابه "الغائبين" الذين يبدون كأشباح. تلك المشاهد الإفتتاحية، بطبيعتها الفنية المتلاعب بها، وغرضها العاطفي الواضح، ستكون أساس للمقاربة الخاصة للسلسلة، والتي ركزت تماماً على مآساة هؤلاء الأطفال، الى الحد، الذي لم تتقرب منه من مسؤولية الأباء والأمهات، في الزج بأبناهم في آتون حياة مجهولة مُتقلبة، وإذا كان خيار اللجوء وترك البلدان الاصلية، الوحيد الباقي لتلك العوائل.
مع قصة أحمد العراقي، هناك قصص لأطفال آخريين، بعضها حظي باهتمام إعلامي واسع في هولندا لسنوات، منها قصة طفلة أفغانية، خاض أهلها صراعاً قضائياً طويلاً للحصول على حق البقاء في هولندا. في النهاية أجبرت العائلة على مغادرة البلد الاوربي، عائدة الى العاصمة الأفغانية كابل، التي سيزورها فريق البرنامج، ليجد أن العائلة قد غادرت مسكنها قبل أشهر قليلة، في رحلة لجوء جديدة خارج أفغانستان، بسبب التهديدات المتواصلة التي كانت تتلقاها من متعاطفين مع حركة الطالبان، والذين يعتبرون إن كل من عاد الى أفغانستان من اوربا، هو خائن بدرجة ما. الفيلم التسجيلي يصور البيت الخالي من سكانه، ويبث مقابلة إذاعية ارشيفية للطفلة، التي صارت الآن على مشارف الخامسة عشر من عمرها، وفيها تعتذر للبرنامج الهولندي هولندي، عن الظهور في برامج تلفزيونية او مقابلات صحفية، خوفاً من المتطرفين في بلدها.
الهولنديون الذين يحضرون في السلسلة، هم على نوعين: أطفال وعوائل وأفراد متعاطفون كثيراً مع محنة الأطفال اللاجئين، وفعلوا كل ما بوسعهم، للإبقاء عليهم في البلد، وسياسيون سابقيون، كانوا مسؤولين عن ملف اللاجئين، وواجهوا في السنوات الأخيرة، أسئلة وأزمات الأطفال اللاجئين. لم يوفر كلاً النموذجين إضاءة مختلفة على موضوعة "الإبعاد"، تعكس الرضا الشعبي الهولندي على خطوط السياسة العريضة، فبدا الفيلم في معالجته، التي ركزت على الثمن البشري الذي يدفعه الأطفال اللاجئون، بإنتزاعهم من الحياة المألوفة في هولندا، وإرجاعهم الى الدول التي تركوها كأطفال، أو التي عاش فيها آباؤهم (كثير من الأطفال اللاجئين ولدوا في هولندا)، غير معني بخلفيات فعل "الإبعاد"، وكأن هذا الأخير هو من خارج المنظومة الفكرية والأخلاقية للمجتمع، منتزعاً من السلسلة التسجيلية، الحِّدة المهمة المنتظرة من هذا النوع من الأفلام التحقيقية.
تحفل السلسلة بالمشاهد الإنسانية المؤلمة، لأطفال يروون بلا تحفظات، أو رغبة في الحصول على تعاطف المشاهدين، لقصص من حياتهم القصيرة المليئة بالمصاعب، ومخاوفهم من الآتي، وفداحة اللجّة التي سقطوا بها بعد عودتهم الى بلدانهم. هناك أيضا لحظات قاسية كثيراً، بعضها يكشف بدون تخطيط، عن اليأس الذي اصاب قلوب الأطفال وأهلهم. فالجزء الثاني من السلسلة، سيرافق أم افغانية تنتظر قرار ترحليها مع إبنتها الى أفغانستان. الأم هذه، كانت تُعد منذ أشهر للتحول الى المسيحية، من اجل مزيداً من الضغوطات على الحكومة الهولندية، بعدم إرجاعها الى بلدها، لان الخطر هناك سيكون أعظم. يصور الفيلم الطقوس الكينسية لتعميد الأم. تغطس المراة عدة مرات في حوض التعميد الكبير، تخرج منه بقنوط لا تخطأه العين، فيما البنت الصغيرة تراقب الطقوس بدهشة كبيرة، وربما لا تعيّ تماماً، ما يجري، ولا تفهم كيف تحولت البلدان الاصلية لكثير من اللاجئين الى ما يشبه الجحيم، الذي يجب الهروب منه بأي ثمن.