مهرجان الفيلم العربي في باريس: العرب سينمائيا

ندى الأزهري- باريس

معلقة الدورة

من جديد تعود السينما العربية إلى معهد العالم العربي. فبناء على تجربة العام الماضي تقرر جعل هذا الموعد سنويا للتعريف بالفيلم العربي والسعي لتوزيعه في فرنسا وأوروبا. المهرجان هو ثمرة تعاون وثيق مع مجموعة كومن برود الدولية.
اقتصر برنامج التظاهرة ،التي دامت خمسة ايام و انتهت في الاسبوع الأول من يوليو، على حوالى ثلاثين فيلما بين طويل (6) وقصير ووثائقي(9)، أُنجزوا ما بين 2011 و 2013 ومثَلوا العالم العربي من المغرب إلى المشرق مرورا بدول الخليج والسودان.
ركزت مواضيع الأفلام المختارة على الأحداث الاجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية وبالذات على "الحدث الحالي" بحيث عكس بعضها "المجتمع العربي بتنوعه وغناه وتعقيداته" وفق تقديم المعهد في نشرته. وكان ثمة اهتمام خاص بالفيلم القصير والوثائقي بحيث طغى حضور هذين النوعين بوضوح على الفيلم الروائي الطويل.

من بين الأفلام الوثائقية كان فيلم "متسللون" للفلسطيني خالد جرَار. إنه من تلك الأفلام التي تسجل وضعا كما هو، دون تدخل أو سيناريو مسبق، على الأقل هذا ما أوحى به الفيلم الذي اعتمد في البداية على كاميرا تلاحق الفلسطينيين"المتسللين" عبر منفذ ما في الجدار العازل، بعيدا عن الحواجز وعن الممرات المقفلة في وجوههم. الصورة تكررت في بداية الشريط حول محاولات العبور دون شرح يذكر، فلم يتبين المشاهد من أين يأتي هؤلاء المتسللين وإلى اين يذهبون. أهمية الفيلم كانت إذا تصاعدية سواء على صعيد الشكل أم المضمون. فاتخذت الصورة دورا أقل تسجيلية وأكثر فنية وشرع المتسللون في الكلام، في تبيان دوافعهم الذاتية للتعرض هكذا للخطر. دوافع تباينت بين رغبة  في العمل في الطرف الآخر، أو السعي للصلاة في مسجد الصخرة أو لزيارة الاقارب. ثمة لقطات كانت جدَ جميلة كالقبضات على الحواجز المعدنية، أو معبرة ومؤثرة كتلك الفجوة الصغيرة التي لا تتسع سوى لتمرير كيلوغرامات من الكعك، كعكة تلو أخرى لبيعها في الناحية الأخرى، وتمرير الرضيع في النفق…
عن الأنفاق كذلك جاء فيلم الفلسطيني محمد حرب. "نفق الموت" يبين اساليب  فلسطينيي غزة في تدبر معيشتهم حين إغلاق نفق بيت حانون. نجح الفيلم في نقل معاناة السكان وبحثهم الخطر عن لقمة العيش. وعبرت في الفيلم لحظات خففت من قسوة المشاهد كتلك التي تبدي عمليات نقل الأغنام عبر النفق.

إعلان

عدة أفلام سورية جديدة (2013) شاركت في التظاهرة. السوري وائل طوبجي نفَذ فيلم التحريك"إيد واحدة"، حيث الجندي يدهس في خطوة واحدة كل برعم ينمو. الخطوة لا تلبث أن تتسع محاولة دعس براعم تبرز من كل صوب لتنجح في النهاية وتمسي شجرة. الجندي لا يصبح إنسانا في الشريط إلا حين يتخلص من بذلته العسكرية، تميز الفيلم بموسيقاه التصويرية. أما افتتاحية "الكلب" للسوري فارس خاشوق فقد فاجئت الحضور بالخطاب" الموالي" لإحدى الشخصيات. السيناريو رصد  اسلوب تفكير موالين للنظام السوري مقيمين في بلدان الخليج قبل أن يبدي التحولات التي تطرأ على شخصيتين. فمن متابعة تلفزيون "الدنيا" السوري واستخدام أسلوبه في الهزء من مطالب المتظاهرين السوريين بالحرية، إلى الشعور بثقل موالاتهم بعد ازدياد أعداد الضحايا ومنهم حمزة الخطيب.. استخدم المخرج أسلوبا فانتازيا بدا ثقيلا لرسم هذا التحول، فالشخصيتان باتتا ترزحان تحت وطء خطوط وشمت على ظهورهما تمثل أسماء الشهداء السوريين.

وفانتازيا أيضا في الفيلم القصير" أقدام على الأرض" للجزائري أمين حطَو عن شاب لا يستطيع الاستقرار على الأرض، كان لديه دائما إحساسا بأنه يطير بعيدا، وكانت تجربة العمل في مجال الاتصالات كفيلة بقتل كل شعور بالتحليق لديه. فيلم رمزي لا يخلو من شاعرية وبحث عن أسلوب متميز في الإخراج.
 وعلى الرغم من بعض المبالغات لم يخل فيلم البحريني محمد راشد بوعلي من المتعة، ووفق تماما في شخصياته المختارة من الواقع( الأم والأب). "هنا لندن" عن أبوين يريدان ارسال صورة لهما لولدهما المقيم في لندن. يبدو الامر بسيطا لكن ثمة تعقيدات تفرضها التقاليد يحاول بو علي تقديمها بأسلوب ساخر خفيف الظَل، لا يحكم عليها بقدر ما يبدي تناقضاتها.

تلك الخفة نقع عليها كذلك في فيلم روائي قصير ( 15د) آخر للبناني فريد سمير ناصر(2010)، والذي نجح فيه في معاينة مشاعر صبي تجاه فتاة ساحرة الجمال تكبره. “من نظرة" عن الحب الأول في حياة صبي، وإذ ينجح المخرج في رصد محاولات الصغير المنبهرة بكل تحركات معشوقته  فهو يميل أحيانا إلى بعض المبالغات ولا سيما في مشهد لحاق الصبي بسيارة الفتاة ليعطيها منديلها الذي سقط منها. ففي المشهد بدت المسافة جد قريبة بين الاثنين بحيث لم يكن ممكنا عدم ملاحظتها له.
الفيلم اللبناني "ابي يشبه عبد الناصر" لفرح قاسم، يبدي مشاعر من نوع آخر، مشاعر فتاة  تصور يوميات والدها بحب، يغلف رغبتها في تسجيل أقواله وتحركاته خوف من الفقدان. يحضر صوت الابنة دون صورتها مع استثناءات. لا تبدو مشاهد من مدينة طرابلس حيث صور الفيلم بل فقط أماكن مغلقة. فيلم ذاتي.

عرض كذلك فيلما" الصرخة" لليمنية خديجة السلامي، و"ظل راجل" للمصرية حنان عبد الله، وهما فيلمان وثائقيان حققا سنة 2011 وجابا مهرجانات عدة وجرى الحديث عنهما في اكثر من مجال. وبالطبع هذا لا يمنع المتعة عند مشاهدتهما من جديد للتوقف مع المخرجتين أمام نماذج جريئة ومستقلة من النساء العربيات..

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان