أسئلة الوثائقي العشر ..أسبقية التصوير أم المونتاج؟

"هناك رسامون يحولون الشمس إلى بقعة صفراء
وهناك رسامون آخرون يُحوِّلون، بقدرة موهبتهم وفطنتهم،
بقعة صفراء إلى شمس."
بيكاسو
كل الاشياء موجودة في الواقع فلماذا نتلاعب بها؟
هنالك من يسأل أليس من الافضل صنع الفيلم اكثر حيوية وأكثر مدعاة للحوار – كما هو حال الحياة نفسها؟ وهنالك من يسأل كيف نتفادى الطريقة التي تجعل صور الحياة مُجرَّد أكليشيهات مبتذلة؟ حكايات يبدو أنها تفتقد الحياة وبالتالي تكون ميتة؟ هنالك من يؤمن اكثر بالصورة وإعادة تمثيل وبناء الواقع وهنالك من يؤمن اكثر بتصوير الواقع كما هو دون اللجوء إلى اعادة بنائه/ تمثيله.
يعتقد اعداء السيناريو بأنه هو خطيئة الفيلم، كما رأى فيرناند ليجير.وقد تطورت عن هذا العداء والخصومة مثلا حركة السينما المباشرة واخيرا حركة دوغما التي اعادت الحيوية لِطُهر حركة التصوير والارتجال ضد ماكنة الاستديو : صنع لاين كافليير فيلمه "جهاز استقبال المكالمات التلفونية" بطول 7 مشاهد متتابعة كل منها 10 دقائق.
ويعتقد اعداء المونتاج الذين عبر عنهم اندريه بازان أن هناك واقعاً واحداً فقط لا يمكن تجاهله في السينما، هو واقع المكان الذي يمكن عبره تقديم الواقع على سجيته.
حسب المعنى البازاني يبدو الميزان سين أكثر أمانة للواقع وأكثر صدقاً من المونتاج. وحسب إيزنشتين يبدو المونتاج أكثر قربا للواقع لأنه إذ يقوم بتدمير الواقع فانه يقترب من الواقع ويهدف إلى إعادة بنائه لتتجانس فيه العلاقة المتبادلة والعضوية للوحدات المكونة له.
هل هناك من الناحية النظرية والعملية واقع يصنعه فقط الميزان سين او هناك واقع يصنعه المونتاج فقط؟
هل يكون الفيلم اكثر حياة واقوى مغزى اذا ما كان مُمثلاً أو مُرتجلاً إذا ما حُفظ الزمن الواقعي فيه عبر مشهد مستمر (بلان – سكوينس)؟
عند فيرتوف مثلا تأتي اسبقية المونتاج ووظيفته قبل عملية التصوير، لأن المونتاج كان يبدأ عنده اصلاً مع عملية تصوّر الموضوع وعملية البحث عنه التي تستمر أثناء التصوير حتى المونتاج الختامي. وكان مونتاج فيرتوف يتزامن ويتشكل مع عملية التصوير في الوقت نفسه.
بحث غودار أيضا عن تركيبة ثنائية جدلية ورأى المونتاج والميزان سين معاً كوجهين مختلفين للنشاط السينمائي . وبذلك أعاد تعريف المونتاج كجزء من الميزان سين. أنْ تعمل المونتاج يعني أنْ تعمل الميزان سين. وهذا ينبئ بمفهوم السيميائية التي ستظهر في الستينيات.
وكتب غودار »أن المونتاج فوق كل شيء هو جزء مكمّل للميزان سين، حيث لا يمكن فصلهما عن بعض فقط ،إلا بمجازفة تماماً لأن لا أحدَ يستطيع فصل الإيقاع عن اللحن. فما إن يسعى شخص ما إلى رؤية ما هو واقعي في المكان، حتى يسعى آخر إلى رؤيته في الزمان.
وكان غودار مُغرماً باقتباس الأقوال المأثورة عن واحد من أساتذته السابقين، الفيلسوف يرايس بارين: "تَفرض علينا العلامة أنْ نرى الشيء من خلال دلالته". فالواقعية المطواعة أو المادية تتعامل فقط مع ما هو مدلول. والواقعية الذهنية أو الإدراكية الحسية، الأكثر تقدماً عند غودار تشتمل على ما هو دال. كما دأب غودار على الاقتباس من أقوال بريشت المأثورة حول أن الواقعية لا تتلخص في إعادة إنتاج الواقع، بل في تبيان الأشياء واقعياً.
يتم التأكيد غالبا وبحق على أنَّ كل فن يتعامل بشكل طبيعي مع المونتاج. وفي الفيلم يعني المونتاج اختيار وتركيب الاجزاء والمقاطع المنفردة. لكن صورة الفيلم تُخلَق في الواقع اثناء عملية التصوير كلقطة . لهذا يفسر تاركوفسكي قائلا : من ناحيتي انتبه اثناء التصوير الى أهمية مجرى الزمن داخل اللقطة واسعى ايضا الى اعادة بناء الزمن وتثبيته بدقة. المونتاج هنا يُنسق الزمن في اللقطات ويَنسُج منها عضوية الفيلم الحيَّة في اوعية دموية تنبض بطاقة وحياة الزمن "المطبوع" وفقاً لإيقاع مختلف. عندئذ ينشأ زمن الفيلم بشكل يتناظر وطبيعة مجرى الزمن داخل اللقطة.
باختصار: لا يحدد الايقاع الفيلمي فقط طول اللقطات المُوَلَّفة أثناء التصوير زمنياً، انما يحدد ايضاً قوس مجرى الزمن وتوتره داخلها.
وهكذا كان النزاع متجذرا بقوة في تاريخ السينما، خصوصا في فترة العشرينيات التي تم فيها اكتشاف المونتاج، بين المتطرفين الذين يعملون على دلالات المونتاج وإيقاعه الزمني وبين خصوم يعملون على الحفاظ على إيقاع مشهد مستمر (بلان – سكوينس) يتطابق فيه زمن السًرد وزمن المَسرود بدلاً من خلط زمن السرد بواسطة المونتاج.
لكن تبقى في هذه الحالة أهميِّة مسألة امتحان اللقطات وعلاقتها بالمونتاج، أي المسالة المطروحة تاريخياً حول أولَويِّة سيناريو التصوير او عملية المونتاج مع الأخذ بنظر الاعتبار جنس وطبيعة الفيلم الوثائقي أو جنس وطبيعة الفيلم الروائي.
تعتمد افضلية المونتاج او التصوير في الحالتين ليس فقط على إدراك مخرج الفيلم الشخصي، انما على كائنات العالم الذي يصوره وعلى حيثية ما يتصدى له وما يريد أن يتغلب عليه، أكان أثراً ضاراً أو طبيعةً- خادعة أو ميلودراما مُبتذلة أو ظاهرةً دخيلة كما تعتمد أخيرا على دافع المخرج وموقفه الفكري
هل نستطيع أن نقول مع فيم فيندر إنَّ الاهم في الفيلم يكمن من جهة في حق الاشياء في ان تلفت (في اللقطة) نظرنا إلى معنى جودها؟ أو علينا أن نقول من جهة اخرى إنَّ الأهم هو كيف تُعالج الاشياء ببراعة، وكيف تُمَنتِج وتوَّلِّف، لكي نرى لماذا تنفع وبأي صلة ترتبط وماذا تُمَثِّل؟