قراءة في بعض جوائز مهرجان كارلوفي فاري 2013

الغلبة لأفلام شرق أوربا والتمثيل لغَربها
قيس قاسم – كارلوفي فاري

حصول سينما شرق أوربا على أهم جوائز الدورة ال48 لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي، يعكس حضورها في المشهد السينمائي العالمي ويبرر للمهرجان تصنيفه كواحد من المهرجانات السينمائية العريقة التي تقدم منجزاتها بأكبر عدد ونوعية جيدة من الأفلام الجديدة الانتاج، وبعيداً عن لعبة الجوائز ولجان تحكيمها فالمنافسة ووفق ذائقة نقدية صرفة ما كانت ستتقاطع معها، بل قد تختلف على خروج الفيلم البولندي "بابوشا" بتنويه مجامل كان يستحق أكثر منه بكثير لكن ما يهمنا هنا هو انتماؤه الى منطقة شرق أوربا وبموضوع شائك يخص واحدة من المشاكل الجدية التي تواجهها وتضع "ديمقراطيتها" الناشئة على المحك ونعني بها "مشكلة الغجر" وكيفية النظر الى وجودهم البشري بين ظهرانيهم، على غرار ما فعله التشيكي يان هرجبيك حين عالج "المثلية الجنسية" في فيلمه "شهر العسل" واستحق عليه جائزة أفضل مخرج، وعلى مستوى الوثائقي جاء فيلم الروسي فيتالي مانسكي "أنابيب الغاز الطبيعي" ليكرس هيمنة اضافية حين توج بجائزة أفضل فيلم "فوق ثلاثين دقيقة" أما الأقل من ثلاثين دقيقة فكانت من نصيب الدنماركي أميل لانغبول عن وثائقيه "صبي الساحل". فيما تقاسمت ممثلات فيلم "الطائر الأزرق" وهو من انتاج سويدي أمريكي مشترك جائزة أحسن ممثلة ,ذهبت الكرة البلورية لأحسن ممثل الى الآيسلندي أولفور داري أولفسون عن دوره في فيلم "XL" أما العربية فشعبيتا كانت أكثر  بين الجمهور الذي وضع "عمر" لهاني أبو أسعد و"وجدة" لهيفاء منصور بين الأفلام العشرة التي أحبها.

المجري يانوش ساس

عودة الى الحرب العالمية الثانية
 يعود الحائز على الكرة البلورية المجري يانوش ساس في "الدفتر الكبير" الى الحرب العالمية الثانية من خلال حكاية طفلين عاشا مآسيها مستعرضاً من خلال تجربتيهما المتغيرات التي شهدتها بلادهما بين حكم النازيين الألمان و"المحررين" الروس  والتي ستترك آثارها عليهما وعلى المجتمع الهنغاري ككل. ربما يضع هذا النص التاريخي المقترح الفيلم في خانة "أفلام المراجعة التاريخية" وأن مال ساس الى تقديمه كرؤية لحالة انسانية محددة في ظرف تاريخي محدد يمس حياة طفلين شهدا انقلاباً هائلاً في مسيرة حياتهما على أثر وجود طاريء، مريع لا تفسير له عندهما سوى بوصفه قدراً جُرا الى مواجهته وهما في سن صغيرة، وكنوع من التحدي وحتى لا ينسيا ما غيرهما نحو قساوة  مبكرة سجلا تفاصيله في دفتر مدرسي قام المخرج ساس بتقليبه وفق رؤيته الخاصة لتاريخ بلاده أثناء الحرب العالمية الثانية والتي أراد من خلاله لعنة الذين حكموهم بالقوة وقرروا شكل النظام الذي عليهم الخنوع له. في محاولة تميز أراد "الدفتر الكبير" تسجيل موقف نقدي للروس والألمان على حد سواء، بل أراد والى حد ما عرض صورة النازي بشكل مغاير عن صورته النمطية والروس على عكس ما ثقفوا به على مدى نصف قرن، فهم في فيلمه مغتصبون وقتلة، وما إدعوه من قيم التحرر والعدالة تناقضت في أول ظهور لهم فوق مدرعاتهم التي اغتصبوا فتاة مشردة فيها ثم رموها ميتة، أما درجة التمزق الاجتماعي السياسي فستتجلى تعابيرها في رحلة الصبيين من بيتهما الى بيت الجدة القاسية والنهاية الدرامية التي يقرر فيها أحدهما الهروب خارج حدود بلاده تاركاً أخاه ليعاني ما عاناه الشعب الهنغاري تحت سلطة الدولة القائمة على سحق النازية وترسيخ نهجها الشمولي البديل.

إعلان

"بابوشا".. الغجر لا يتعلمون
التنويه الخاص من لجنة التحكيم يشير على الأغلب الى حرجها جراء حرمانها فيلم "بابوشا" ليوئنا كوس ـ كراوزه وكرشتوف كراوه من نيل احدى الجوائز الرئيسة مع ان الأمر لا يغير من أهمية الفيلم الذي يبقى على مستوى البصري واحداً من أجمل الأفلام المصورة بالأسود والأبيض المعاملان بتقنية حديثة تمنح الضوء المنعكس من تفاصيل اللقطة لوناً داخلياً حاراً ما يزيد من الجمالية المشهدية التي اشتغل عليها المخرجان بشكل مدهش. أما على مستوى الحكاية فهي استثنائية تخص حياة الشاعرة الغجرية البولونية "بابوشا" التي خرجت عن كل الأعراف الثابتة لأبناء جلدتها ومثلت تحدياً للمجتمع الأكبر الذي يعامل الغجر بدونية ولا يتوقع منهم أي مبادرة للإرتقاء الى مستوياتهم "المتحضرة" والوصول الى أعلى دراجاتها المتمثلة في كتابة الأدب، والشعر، على الخصوص. فحقل التعليم ظل حصراً على "البيض" وبالمقابل لم يعبأ الغجر بجهلهم الكتابة والقراءة فهم، وكما يشير موروثهم الثقافي، لا يريدونها بوصفها شكلاً من أشكال تدوين الذاكرة "والغجري لا يريد  تسجيل ذاكرته" لأنه رحال لا يعود الى مكان مرتين والذاكرة موجعة قد تدفعه للتوطن، وهو ما لايريده ومن هنا عارضت قبيلتها رغبتها بالتعلم كما امتعضت المؤسسة الرسمية من خروج شابة غجرية من شرنقتها طامحة في الانتقال الى صف "المتفوقين" وهو أمر تحملت تباعته كثيراً، خسرت شعرها وحبيبها وخضعت لشروط عيش قاسية. "بابوشا" التفاتة سينمائية لمشكلة حقيقية تعاني منها أوربا الشرقية على وجه الخصوص بعد انتقال دولها من الإشتراكية الى الرأسمالية وهو تحفة بصرية ممتعة بكم الجمال الذي ينتقل منه الى مشاهدي فصل طويل وحزين من تاريخ  حياة شاعرة موهوبة جاءت من مكان لا يحب الكتابة وعاشت في وسط لا يحب الغجر.

إيميل لانغبال مخرج فيلم "صبي الساحل"

"صبي الساحل" توثيق مكثف
كثافة مادة الوثائقي الدنماركي "صبي الساحل" لا يضاهيها من حيث القوة إلا منجز النمساوي الكبير أولريش سيدل في واحد من ثلاثيته الروائية الأخيرة "الجنة: الحب" عن السياحة الجنسية للأوربيين في القارة الأفريقية. أميل لانغبول يسجل ذات الموضوع عبر الشاب الكيني جوما الذي يعتاش على السائحات الغربيات العجائز، في علاقة استغلالية من الطرفين. فالأربيون يشترون متعهم الجنسية بقوة المال والشباب الأفريقي يبع قوته الجسدية، والفرق بينهما أن الطرف الأول طاريء، عنده مكان ثابت وحياة مستقرة في وطنه، لكن الكيني جوما يعيش أوهام الهجرة والغنى. الأول مستقر والثاني معلق لا مستقر له لأسباب خارجة عن إرادته تعود في مجملها الى حالة الفقر التي تعيشها بلاده والتي تدفعه الى التفكير في الهجرة واقامة علاقات غير متكافئة سجلها الوثائقي "صبي الساحل" بشكل تفصيلي دون ايغال في بحث الأسباب الدافعة له لممارسة سلوكه المختل التوازن مكتفياً في التقاط الجو العام لمجموعة الشباب المتشابهي الأوضاع مقابل حالة المرأة الانكليزية التي تغدق الوعود للكيني فيزداد قناعة بقرب مجيء اللحظة المنتظرة ما يترك آثاره على بقية علاقته بمجتمعه وأسرته فهو لا ينشد الاقتران الجدي بصديقته التي تعمل في الخارج ولا يراهن على عمل في بلاده. كل ما يحلم به هو السفر مع أي امرأة أوربية عجوز الى خارج كينيا، لكن الحقائق تشير الى غير ذلك فالطائرات التي تحط في مطار كينيا غالباً ما تعود بنفس ركابها، أما الحالمون فيبقون معلقين فوق مساحات أواطنهم المدعاة الى تركها بأي ثمن. 

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان