"خطوة خطوة": الحضور الثوري للسينما المغيَّبة

في قرية "الرامة" النائية جغرافياً، و"القريبة" من سلطة الولاءات "البعثية"، ولاءات ما قبل الدولة في الواقع، تدور "رحى" أسامة محمد، بين عام 1976 و 1977.
قرية "الرامة" التي بلا طرق… ولا ماء. فيها "الظلام" وجور الطبيعة يحكمان الخناق على وجود أبنائها. يرسمان الرعب على تعاريج وجوههم الكالحة. هنا حيث الأطفال حفاة، والجوع لا يخفي وقاحةَ حضورِه في صحنٍ من البيض وآخر من اللبن، تتحلق حولهما مجموعةٌ "أكبر" من عائلة. هنا "الرامة" في اللاذقية، لاذقية العرب، "عرين الأسد" كما اعتاد الكثيرون من أبناء البلد تسميتها. هنا حيث كان "السوريون" لا يزالون يعيشون بقرب حيواناتهم و"معها"، معزولين بالجبال، والآفاق الموحشة من حولهم، عما يجري في العالم. هنا سنرى كيف أن السلطة "الجديدة" ووهمها، سيتشبثان كالطود في وحل طرقها و"بركها" التي كالأفخاخ.
يبدأ الفيلم بإصبع مرفوعة لتلميذ في مدرسة القرية، ثم أصابع، فأطفال يدلون للكاميرا بما يودون أن يكونوا عليه في المستقبل، حلم يتنقل بين "الطبيب" و"المهندس" و"المدرّسة"… حلم سينزاح رويداً رويداً عبر دقائق الفيلم الاثنتين والعشرين، لنصل في النهاية إلى طموح من نوع آخر، وكأن المخرج قفز بنا في الزمن إلى مستقبل هؤلاء الأطفال وقد "تحقق"، برصده لاثنين من "عساكر" القرية؛ شابان يصرّح أحدهما بأنه لم يجد مفراً من "التطوع" مستذكراً مُقَاساته في العيش والدراسة. إن ما يدفع المشاهدَ إلى النظر إليها كنبوءة واستشراف، هوَ قدرة المخرج على الإيحاء بتوقف "الزمن" والحركة، قدرته على إظهار هذا التوقف وتعريته. إذ يعاجلنا بعد البداية المذكورة آنفاً بنداءٍ يبدأ فيه "المغني" مواويله وغناءه عن أبي سليمان "حافظ الأسد" بعبارات مستجدية نائحة: "اسمعوا يا من تؤمنون بالله وبرسول الله" مع لقطة على الجبال المقفرة والموحشة و"الخالية" حول "الرامة" ثم أيضاً وبالتلازم الضمني مع تأثير هذه اللقطات وانطباعها فينا، يصل "المغني" إلى "الزبدة": "يا حافظ ماني قدك… أنت السِّيْدْ وأنا عبدك.. بهوّيلك بمناديلي".
إن هذه المتلازمة المشؤومة على طول الفيلم؛ بين الواقع وترديه من جهة، وحضور السلطة، روحها، بين الناس وفي مخيلاتهم، كتعويض راهن عن لا معقولية أوضاعهم، ومن جهة أخرى؛ كأمل مبهم "ويائس" في مستقبل أفضل، قد تحققه دولة البعث، التي يصدح بمحاسنها "المتنفذ"، "الوكيل" الشعبي للسلطة في القرية، من يصف نفسه بأنه "اشتراكي"… إن هذه المتلازمة هي ما تدفعنا للشعور بأن هذه الحالة، هذا التوازن، لن يتغير. يبدو من الواضح أن الوضع المتردي لهؤلاء الناس هو شرط بقاء هذه السلطة. وإذا كان لدى أحدنا شك في هذا "الإحساس" المتسرب إليه في بدايات الفيلم، فإن المتابعة ستؤكده صراحةً على لسان الشخصيات، والرصد الموسع لمدينة اللاذقية.
في عيد العمال تخرج كاميرا "أسامة محمد" مع أحد شباب القرية إلى المدينة، وتتجول بقرب الميناء. نسمع عبر مكبرات الصوت احتفالَ إعلامِ السلطة بعيد العمال و"احتفاءَها" بالعامل، بينما نرى صورةً عملاقة للرئيس "حافظ الأسد" منصوبةً على بناء ضخم. لكن أسامة سيستمر في رصد وتصعيد المفارقة بأن ينقلنا بسرعة إلى عامل ينتظر متعباً مع رفاقه "باصقاً" على الأرض. هاهي الحقيقة العارية؛ العمال المجتمعون ينتظرون عملاً مجحفاً بحق إنسانيتهم، لا يأتي. ومن بينهم "طبعاً" شاب من قرية "الرامة".
سنعود بعد مقابلة عاجلة مع رب العمل إلى القرية، وسيوجه المخرجُ السؤالَ مباشرةً إلى الجندي، وسيجيبه هذا: "أنفذ كل ما تطلبه مني القيادة حتى ولو كان يقتضي الموت في سبيله، إذا كان أخي معارضاً وشتم القيادة أو الحزب، سأضع مسدسي في أذنه وأقتله" وما أخوه إلا ذاك العامل المعدَم المرصود "قبل قليل".
هكذا "ستدور" الدائرة على الشرائح الموالية للنظام، وتحكم الخناق عليها في حلقة جهنمية، كما بقية البلد، الذي يُحرق الآن 2013 لأجل "الأسد".
الفيلم يزخر بلقطات ثمينة كثيرة، كان للمونتاج دوراً أساسياً في سبكها لتقول "المعنى" المركب.
إن "خطوة خطوة" لأسامة محمد، يوقفنا مجدداً أمام الفيلم والعمل الفني، بوصفه نتاجاً إنسانياً "متكاملاً" بأبعاده التاريخية والمعرفية أيضاً، إنه من ذلك النوع الذي يختزن التاريخ فيه ويختزل مؤلفاتٍ وصفحاتٍ كثيرةً من البحث، كانت الثورة السورية في أمس الحاجة لتعميمها الواسع، ويقول "ما تعجز وسيلة غير السينما على إيصاله"، إنه أيضاً يذكرنا "بإيزنشتاين" ويعيدنا إلى دور الفيلم السينمائي كما رآه لينين ذات يوم.
لم يفقد أسامة محمد التزامه الإنساني العميق تجاه موضوعه، ولم يفقد جرأة التهكم عليه في آن، وسيُحكِم التوازنَ الدقيق بأن يطلق أعلى صيحات سخريته بعد تصريح الجندي باستعداده للقتل، بأن يجعل موسيقا مارش عسكري ترافق مشيتَه ومصافحتَه لأفراد أسرته، فلا تُبرِز إلا ضآلته وحجمَه الحقيقي.
سيثبت هذا الفيلم "التسجيلي" المغَيَّب قبل الثورة، بالروح التجريبية التي تسم عمل مخرجه في خطواته الأولى، وبالربط مع فيلمه الروائي الطويل الذي غُيبَ هوَ الآخر؛ "نجوم النهار" 1988، أننا أمام واحد من أكثر المخرجين موهبةً في تاريخ السينما السورية، إذا لم يكن أكثرهم موهبةً على الإطلاق.