سينما النفايات، والرعاع Cinéma TRASH

وُفق المعلومات المُتوفرة في "موسوعة ويكيبيديا"، هناك أعمالٌ سينمائية، وتلفزيونية كثيرة حملت عنوان TRASH، ومنها :
ـ الفيلم الأمريكي الذي أخرجه "بول موريسي" في عام 1970.
ـ الفيلم الأمريكي الذي أخرجه "مارك أنطوني غالوزو" في عام 1999.
ـ الفيلم التلفزيوني الأمريكي الذي أخرجه "ميكائيل ليهمان" في عام 2003.
ـ الفيلم الأمريكي القصير الذي أخرجه "ليندساي مان" في عام 2005.
ـ الفيلم الإسباني الذي أخرجه "كارليس توراس" في عام 2009.

ـ …….

**********

TRASH، كلمةٌ انكليزيةٌ تعني حرفياً : قمامة، نفاية، رعاع، زبالة، هراء، قاذورات….
وفي اللغة الدارجة (الإنكليزية، والفرنسية) تُستخدم صفةً من أجل تقييم فعلاً، أو عملاً، أو حتى شخصاً، تافهاً، بغيضاً، قذراً جسدياً، أو منحطاً أخلاقياً..
وفي السينما، يجمع هذا الوصف أفلاماً غريبة، غير مألوفة في أشكالها، أو مضامينها، تُبالغ في إظهار العنف، الرعب، الهلع، الدماء، التعذيب، والاغتصاب،.. وتقدمها في مشاهد بغيضة، شنيعة، مثيرة للغثيان، مُقرفة، زاعقة، واستفزازية.. وأحياناً يتموقع بعضها على حدود الإثارة الجنسية، والإباحية، أو تتضمّن خليطاً من كلّ هذه الصور المُتطرفة في قسوتها المادية، والمعنوية.
يمكن أن تتوافق هذه الأوصاف مع أفلام رعبٍ من تصنيف B كحال الفيلم الإيطالي "قناع الشيطان" (1960) لمخرجه "ماريو بافا"، أو أفلام الإثارة الجنسية كحال الفيلم الأمريكي Supervixens (1975) للمخرج "روس ميير"، إلى أجانب أفلاماً من تصنيف Z كحال الفيلم اليوناني "هجوم المسقعة العملاقة" (1999) لمخرجه "بانوس كوتراس"، وأيضاً أفلاماً من علامات الأندرغراوند كحال الفيلم الأمريكي Heat (1972) لمخرجه "بول موريسي".
وبشكلٍ عام، تجمع هذه السينما كلّ الأفلام البشعة، والمُقرفة جنباً إلى جنب مع أفلام كلاسيكية عظيمة.
وعلى الرغم من هذه الأوصاف التحقيريّة، تمتلك هذه الأفلام القدرة على إثارة الفضول، والدهشة، وتحظى على جمهورٍ واسع، ومتدرّب يجد فيها متعةً سينمائية، وتطهيرية لا تُضاهى.
ويمكن أن نعزو هذا الإعجاب إلى فكرة الولع المُكرس لهذه الأفلام الهامشية، ويرتكز غالباً، وبشكلٍ طوعيّ تماماً، على فكرة مشاهدة فيلم نادر أكثر من متعةٍ ما يحصل عليها منه.
 TRASH إذاً لا تتحدد فقط بالمعنى الصادم، والاستفزازي، ولكن، البديل، السياسيّ، الهامشيّ، والرخيص، ويدخل في هذا الإطار كلّ نوعيات الأفلام التي تقع في هامش التيار التقليدي، وتمنح فائدةً للمتفرج.
لابدّ من الانتباه إذاً، بأنّ المعنى الحرفي التحقيريّ لكلمة TRASH (قمامة) قد اكتسب مع الوقت معاني أكثر إيجابية، وبدأ يقترب من الأندر غراوند، والهامشيّ.

هجوم المسقعة العملاقة

القناة الفرنسية/الألمانية Arte التي نعرف مستوى جديتها، دقة اختياراتها، توجهاتها السينمائية النخبوية، وتنوّع برمجتها اليومية، تحسّست هذه الشعبية التي تتمّتع بها هذه الأفلام، واختارت هذه التيمة للتعريف، والاحتفاء بها.
وخلال الفترة من بداية 2008 وحتى يوليو 2012، وفي إطار عروضها الموضوعاتية، وتحت عنوان Cinéma TRASH  قدمت روائع كشفت عن هذه السينما الهامشية، كما خصصت موقعاً يحتوي على وثائق بصرية، ومعلوماتٍ مُثيرة للانتباه.
بالتوازي، هناك مهرجاناتٌ سينمائية كثيرة في العالم تخصصت جزئياً، أو كلياً بهذه التيمة، وتقدمها في الغالب تحت راية الفانتازيا، والغرابة، ولكن، هناك ـ على الأقلّ ـ مهرجانٌ صريحٌ بعنوان Courts Mais Trash (أفلام قصيرة، ولكنها غريبة) ينعقد في لياج (بلجيكا)، وفي أبريل من عام 2005 بدأ أحد المراكز الثقافية في بروكسل تجربةً مثيرة، حيث يأتي المخرجون بأفلامهم لعرضها قبل الأفلام الطويلة، ومن ثمّ، يجتمعون في الكافتيريا لمُناقشتها مع الجمهور، ومنذ ذلك الوقت، تأسّست جمعية باسم Born2BeCheap (وُلد كي يكون رخيصاً) بدعم من بلدية المدينة.
هذا الاهتمام لا يطال فقط المهرجانات المُتخصصة، ولكننا، سوف نجدها غالباً منفردةً، أو مجتمعة في برامج خاصّة تنظمّها مهرجانات بعيدة تماماً عن هذه التيمة، وآخرها ـ على سبيل المثال ـ (مهرجان باريس سينما 28 يونيو -9 يوليو 2013) الذي لا تُوحي توجهاته بأيّ إثارة غرائزية، ولكنها تعتبر هذا النوع من الأفلام جزءاً من تاريخ السينما، وحاضرها، ولا يمكن تجاهلها، وهكذا، بالإضافة إلى المُسابقات، التكريمات، بانوراما السينما البلجيكية بلغتيها الفرنسية، والفلامنكية، وتظاهراتٍ أخرى.. اقترح المهرجان أفلاماً يمكن أن نعثر فيها على ملامح واضحة، أو خفية من هذه التيمة، مثل الفيلم الإسباني "كلب أندلسيّ" (1929) إخراج "لويّ بونويل" عن سيناريو بالمُشاركة مع "سلفادور دالي"، والفيلم البلجيكي "حدث بالقرب من بيتكم" (1992) للمخرجين "ريمي بلفو"، "أندريه بونزل"، "بُنوا بولفورد".

إعلان

غالباً، في معظم هذه الأفلام، ترتبط المُبالغة في إظهار العنف، الرعب، والهلع بمسحةٍ واضحة، ومتعمّدة من الطرافة، والسخرية، وسوف نلاحظ هذه الفكرة في شعارات المهرجانات كحال (المهرجان الدولي للفيلم الفانتازي في بروكسل) الذي اختار "الغراب" شعاراً لجوائزه كي يُظهر هذا الجانب الأسود الجنائزيّ المُتشائم الذي يغلفُ أجواء الكثير من الأفلام التي يختارها، ومن طرفٍ آخر، لا ينفِ المهرجان جذورها المُمتدة من بدايات السينما عندما يمنحها جوائز أخرى باسم السينمائي الفرنسي "جورج ميلييس" الذي نعتبره أول مخرج مهدّ لهذه النوعية من الأفلام، ورُبما نتذكر فيلمه "قضية دريفوس" (1899) عندما  ينتحر "الكولونيل هنري"، ويغرز سكيناً في صدره، وتنفجر الدماء منه، وأتوقع، بأنّ تلك اللقطة ـ المألوفة جداً في سينما اليوم ـ قد أدهشت، وأرعبت جمهور تلك الفترة حديث التجربة في مشاهدة السينما، وإدراك قدرتها على التأثير، والإقناع على الرغم من معرفته المُسبقة، بأنّ ما يُشاهده على الشاشة ليس أكثر من خدع بصرية/صوتية تهدف إلى التسلية، وإثارة الفضول.
وكي لا نمنح هذه النوعية من الأفلام مواصفاتٍ محددة، جاهزة، ونمطية، يمكن الاعتراف بسهولة، بأنّ كلّ متفرج يمتلك تصنيفه الخاصّ وُفق حساسيته، وحدود رغباته الدفينة، أو المُعلنة، وما يمكن أن يكون مثيراً للرعب، الاشمئزاز، والقرف، رُبما لا يُحرك ساكناً عند متفرج آخر يمتلك القدرة على البحلقة في الشاشة، يتفحصّ، ويتلذذ بأدق تفاصيلها البشعة.
على سبيل المثال، كلّ واحدٍ من المتفرجين يعاني من رهاب مشاهدة حيوان، أو حشرة في الواقع، أو حتى على الشاشة (الثعابين، العناكب، الفئران، الزواحف، الخفافيش، الديدان..)، وهي تجعل هؤلاء يقفزون من كراسيهم عندما يشاهدونها في أفلام عادية، ويمكن أن نتخيلهم في أقصى حالات الهلع عندما يجدونها أيضاً في فيلم من نوع TRASH.
وبالنسبة للبعض الآخر، تثير الأفلام العلمية ـ العمليات الجراحية على وجه التحديد ـ حالاتٍ من الخوف أكثر بكثير من أيّ فيلم رعبٍ يتبارى فيه الأموات/الأحياء على تمزيق البشر، والتهام أجسادهم.
في أفلام معينة، تتجسّد علاقتنا مع فضلاتنا اليومية (البول، والبراز)، وهي، بالنسبة للبعض، مرتبطةً برغباتٍ جنسية دفينة، لقد تعوّد الجمهور على مشاهدة شخصياتٍ تتخلص من فضلاتها بصفتها أفعالاً يومية طبيعية لا تتطلب الخجل، أو الحرج، وحتى رُبما تثير في أذهان المتفرج صوراً، ونزواتٍ من الصعب أن تتحقق في الواقع، كانت هذه المشاهد فيما مضى من المُحرمات السينمائية (المُغالاة في العلاقة الجنسية، قضاء الحاجيات اليومية، ممارسة العادة السرية)، ولكن، هناك أفلام تذهب بعيداً في إظهار مشاهد من المُفترض بأنها مقرفة (التهام الفضلات البشرية، أو شربها)، وهذا ما نجده على سبيل المثال في أحد البورتريهات الثنائية (رقم 98) الذي أنجزه السينمائي الفرنسي "جيرار كوران" عام 1994، وصور فيه لمدة ثلاثة دقائق متواصلة رجلاً، وإمراه يقدمان تجلياتهما مباشرةً أمام الكاميرا، وهنا يمكن أن يتموقع هذا الشريط البريء على حدود الإباحية.

من فيلم قضية درايفوس 1899

من المفيد إذاً، بأن لا نخلط بين أفلام إنسانية من السينما الكلاسيكية، والأهمّ، بأن لا نشاهدها، ونتحدث عنها بنفس النظرة النقدية في حال مشاهدتنا قصص زومبي يركضون خلف فتياتٍ حسناوات.
التسلسلات الهرمية المعروفة سابقاً لم تعدّ صالحة اليوم، وذلك بفضل المبادرات التي تقوم بها المهرجانات، والتظاهرات السينمائية، ومن خلال تراكم خبراته، أصبح المشاهد يمتلك القدرة على التمييز على حدّ سواء في داخل النوع بين فيلم زومبي جيد، وآخر سيئ، وفي خارج النوع، بين فيلم لـ"جون فورد" وآخر لـ"روس ميير".
سوف يكون الأمر عبثياً أن نشاهد "سجين الصحراء" لجون فورد(1956) بنفس طريقة مشاهدتنا "موتور يسيكو"(1965) لروس ميير.
في السينما، يتوّجب على المتفرج أن يكون يقظاً، وأن لا يتحول إلى "جهاز استقبال"، وبالأخصّ، أن لا يصبح "وعاءً".
هذه اليقظة المطلوبة في المُشاهدة، وفهم الفوارق بين الأنواع، سوف تجعلنا نبتعد مسافة كبيرة عن المُبتدئين الذين يعيبون أفلام "كونتان تارانتينو"، ونتجاهل تماماً احتقار المُتعالين على أفلام "إسماعيل ياسين"، لأنه، ببساطة، في يوم من الأيام، سوف يأتي جمهورٌ جديد ينصف كلّ هؤلاء، وأكثر.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان