"الصدمة" لزياد دويري

 فلسطين، بعيدا عن السياسة؟!

ندى الأزهري- باريس
هل يمكن الحكم على العمل الفني من الناحية "الفنية" فقط حين يعالج قضايا ملتهبة وحساسة؟
لم يكن ذلك ممكنا مع فيلم "الصدمة" للمخرج اللبناني الأمريكي زياد دويري لاذي يعرض حاليا في دور العرض الفرنسية.
مُنع الفيلم في لبنان لأن المخرج خرق قانونا لبنانيا صدر عام 1955 يحظَر التعاون مع المؤسسات الإسرائيلية داخل إسرائيل وخارجها، وتحديدا بسبب"إشراك ممثلين إسرائيليين وطاقم فني إسرائيلي ودخول المخرج إلى الكيان الصهيوني وتصويره مقاطع من فيلمه هناك على امتداد 11 شهر" وفق ما أوردته "حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان" ضمن رسالة مفتوحة نشرتها الصحف والمواقع. وفوز الفيلم بالجائزة الاولى في مهرجان مراكش لم يغير شيئا في قرار منعه في معظم الدول العربية.
لم يكن مضمون فيلم" الصدمة" هو الأساس في موقف الحملة بل "مبدأ المقاطعة" نفسها، والذي يتعلق بظروف إنتاج وتنفيذ الفيلم. برر المخرج في بعض حواراته بأن ما دفعه للتصوير في إسرائيل كان لأغراض فنية ومنها تفرد مدينة "تل أبيب"، و رفض كل من عرض عليهن من الممثلات الفلسطينيات دور البطلة سهام بحجة مشاهد العري فيه! مشاهدٌ، صحيح أنها عكست مدى الارتباط الوجداني العميق بين رجل وزوجته، لكن كان يمكن تبيان ذلك بوسائل أخرى لو رغب دويري حقا بالاستعانة بممثلة فلسطينية بدلا من الإسرائيلية ليتجنب "الصدمة" التي قد يثيرها فيلمه والمنع الذي ينتظره.
قصة الفيلم مأخوذة عن رواية صدرت عام 2005 للكاتب الجزائري "ياسمينة خضرا"، وهي ترصد مشاعر الشك واختلال التوازن والبحث عن الذات والآخر بعد وقوع صدمة في حياة الإنسان، و هذا الإنسان هنا هو جراح فلسطيني يقيم في تل ابيب.

ملصق الفيلم

يبدأ الفيلم بمشهد يُستدلَ منه مدى النجاح الذي حققه أمين جعفري (الممثل الفلسطيني علي سليمان)، ليس في مهنته  فحسب بل في اندماجه الكامل بالمجتمع الإسرائيلي. توحي حركة الكاميرا السريعة  واللقطات العلوية المتنقلة والموسيقى المتوترة التي ترافق مشهد الاحتفال بتسليم جائزة للطبيب، بحدث خطير على وشك الوقوع.  يُستدعى جعفري ليلا للمستشفى الإسرائيلي  الذي يعمل فيه للتعرف على جثة زوجته، وليُكشف له بعدها أنها من  نفذ الهجوم الانتحاري الذي قضى يومه يعالج ضحاياه! تمر بالطبيب لحظات عصيبة من عدم التصديق، من الشعور بالصدمة وتشغله تساؤلات مدمرة عن دوافع زوجته للقيام بهذه الفعلة التي يستنكرها مع شعور بمرارة الخيانة من حبيبة اكتشف للتو أنه لم يكن يعرفها جيدا، لقد أخفت عنه تحركاتها، مشاغلها السياسية من أجل القضية. كيف يمكن بالتالي غض النظر عن السياسة في الفيلم وقبول نفي المخرج في حوار مع الصحافة الفرنسية نيته عمل فيلم لتمرير رسالة سياسية؟ ولما باتت سهام المسلمة في الرواية، مسيحية في الفيلم إن لم يكن لتمرير رسالة سياسية عن "قومية" القضية؟
لكن المخرج الذي فضل مع هذا الانحياز للبعد الإنساني، اعتنى بالولوج في عالم أمين الداخلي، في شكوكه وتساؤلاته، مراجعته لنفسه ولعلاقاته مع الآخرين، زوجته على ألأخص.  اتخذت الأحداث  مسارا كلاسيكيا في أسلوب عرضها. واتخذ هذا المسار ايقاعا سريعا في البدء في تل أبيب  ليخفت هذا الإيقاع في القسم الثاني حين الانتقال إلى نابلس. لقد قرر أمين الذهاب إلى مسقط رأسه لا كتشافه تردد زوجته على تلك المدينة قبل قيامها بالعملية. كان يأمل بالعثور على ما يخفف حيرته. لكن غموض موقف سهام لا ينجلي تماما.  الطبيب لم يحصل على شرح من اي كان في نابلس. وفيما اعتبرت زوجته شهيدة هناك، استقبل هو بفتور من أهلها  وبعنف أحيانا واتهامات بالتعامل. وبدت في هذا الجزء جميع شخصيات الفيلم الفلسطينية، باستثناء ابنة الأخت الشابة، مهمشة( الأخت) أو غير مقنعة حين يفسح لها المجال للحديث(القس)، او منفرة ( الشيخ مروان ورجاله)…
الموسيقى التي اعتمدها دويري والتي ألفها إيريك نوفو خصيصا للفيلم، ساهمت في خلق جو الغموض الذي أحاط ببحث أمين عن "الحقيقة"، و نجحت عدسة دويري في إضفاء أجواء شاعرية على العلاقة بين الزوجين كما في التقطيع عند مزجه بين كل ظهور مفاجئ لسهام واختفاء وهذا عند استعادة أمين للحظات الهناء والحب والتفاهم بينهما. لكن شيئا ما في مضمون الفيلم الرابع لدويري بدا بعيدا عن الإقناع، القصة كلها ربما. كان صعبا أيضا على المشاهد الغربي خاصة الاقتناع بدوافع سهام ، هذا إن توصل لمعرفتها فقد بقيت غامضة لديه.
في حوار لدويري على موقع سينمائي فرنسي قال أن الناس" ليسوا مستعدين لفهم وجهة النظر الأخرى"  واننا نتبين في فيلمه أنه" لا يوجد شرير ولا طيب". المشكلة أن الفيلم لا يوحي بهذا. بل تمثل "الشر"، الفلسطيني عبر الحدث والإسرائيلي عبر الكلمات! وصدمة الفيلم الحقيقية  لم تتجل في الاساس المفتعل الذي بني السيناريو عليه أي صدمة رجل بزوجته الانتحارية البرجوازية الفلسطينية المسيحية التي تستهدف أطفالا على الأخص، بل في مشاهد الإسرائيليين ضحايا الإعتداء"الفلسطيني" وأعضائهم المتناثرة، وفي موقف الشيخ  الفلسطيني مروان المنفر. ففيما اعتمدت الصورة، سلاح السينما الاقوى والأكثر فنية للتعبير عن " جروح وآلام " الإسرائيليين عبر مشاهد الضحايا، اعتمدت الكلمة والخطبة الممجوجة للتعبير عن الشر الإسرائيلي الذي يدفع الفلسطينيين للعمليات الانتحارية. وباستثناء لقطة سريعة لجنود إسرائيليين يدفعون فلسطيني بعنف، لم تتجسد معاناة الفلسطينيين اليومية سوى بوصفهم هم لها من خلال خطبة قس وموعظة شيخ، وهذا أضعف ما يمكن ان تقدمه السينما. كان ممكنا للمخرج الذي قضى أحد عشر شهرا في إسرائيل قاطعا الحواجز "الرهيبة" للجيش الإسرائيلي ومعاناته منها أن يبدي ولو صورة لها، لا سيما أنها ستكون مبررة دراميا. وقد تكون الصورة حينها، لغة السينما، كافية للإشارة إلى ما يرتكبه الإسرائيليون من"شر" حقيقي و إذلال للشعب الفلسطيني.
أما  ما يقوله المخرج حول دور الفنان في" فحص الأمور من كافة أوجهها والحفر بعمق لمعرفة بواطنها فليس الناس من سيفعلون ذلك" ، فمعه كل الحق، ولكن ليس بالضرورة من إسرائيل… على الأقل ليس الآن!

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان