الباحثون عن الحرية ومتعة اكتشاف المفاهيم المجردة

طاهر علوان

1
سؤال بسيط ، ماهي الحرية بالنسبة لك ؟ سؤال يراود اي انسان وتتردد الكلمة ذاتها باستمرار في نوع من التداول اليومي الذي يقود بالنتيجة الى مواقف وارءا مختلفة ، لكن المسألة ليست محصورة بالمفهوم وانما في انتقال المفهوم ذاته الى مساحة الوثائقي وفضاءه التعبيري ، فأذا كانت السينما بصفة عامة قد عنيت اساسا بما هو مدرك ومحسوس مبتعدة عما هو ذهني وذا طابع نظري ولاحسي ، فأنها هنا تتناول مفهوما اشكاليا في هذا الفيلم الا وهو مفهوم الحرية وهو آخر افلام المخرج البلجيكي المجدد ( باليتر ماك ديسيل) الذي يقرر ان يأخذ زمام المبادرة فيغوص عميقا في المفهوم النظري المجرد ذاهبا الى حد اقران مفهوم الحرية بالوجود الشامل للأنسان ، بالحياة والفكر والرغبات والدوافع والحاجات ونحن والمستقبل والمشاركة والأسرة مبتعدا كليا عن الأطار النظري المجرد لمفهوم الحرية الى ماهو واقعي وحي ومرتبط بنا وبيوميات حياتنا وهو في هذا وللوصول الى الهدف وهو تفاعل المشاهد مع هذا الموضوع فأنه يلجأ الى العديد من الوسائل والأدوات التعبيرية للمضي قدما في الموضوع الأشكالي وذلك من خلال الرسوم المتحركة والرسوم البيانية فضلا عن مونتاج متميز حقا وتعليق لايقل روعة عن التصوير ومجمل العناصر الأخرى التي اسهمت في تقديم تحفة وثائقية جديرة بالأهتمام بل انني اعد هذا الفيلم علاوة على قيمته الفنينة فأنه ايضا مادة توضيحية وارشادية للتعريف بالموضوع المطروح .

المخرج

2
للوصول الى هدفه يلجأ المخرج اولا الى استطلاع آراء نخبة من الخبراء فضلا عن الناس العاديين وفي طليعة هؤلاء ، هنالك " روبرت بوفال " و " غراهام هانكوك" وهما منظرين وكاتبين معروفين كثيرا ماشغلتهما قصة الحرية وتطور المجتمعات البشرية فضلا عن تطور حاجات الأنسان والتحولات التي تطرأ على حياته اليومية ، ببساطة شديدة فأن الحرية عند " ويلف روبنسون " وهو مؤلف عالمي آخر هي " الحق في عمل ماترغب فيه بما لايتعارض مع حريات الآخرين " والحرية عند جودي كارتثيرز " هي ان اعرف نفسي من انا . واما عند بوفال فهي ان تكون كما انت وهي عند مواطن مصري عادي ان تجد طعاما ومأوى ، والحرية عند الراقص العالمي " لبيدو" هي الرقص فالرقص هو الحرية بالنسبة له لأنه فعل تستطيع ان تشرك الآخرين به وتمتعهم ايضا ، هذا الخليط من المقابلات سيقود الى سلسلة من المعالجات لكيفية طرح معضلة الوجود البشري وهو مايلخصه بوفال في بقوله " اننا منشغلون جدا بل ومستنفدون في كنف هذا المجتمع  شديد التعقيد ، بينما الحرية هي ان تعيش سعيدا بعيدا عن التعقيدات ، هي نمط عيش ، ان اكون مسؤولا عن حياتي انا فقط لأن الأنسان ولد حرا وشرط اساسي ان يعيش حياته وهو مستمتع بالحرية ….
تجول كاميرا المخرج ( ماك ديسيل) متنقلة بعفوية ولكن بعمق ولايترك اداة تخدم موضوعه الا واستخدمها وبذلك كسر من حدة المقابلات الجامدة والمجردة الى شكل من المعالجة الفيليمة المختلفة ، فالهم الأنساني المشترك فيما يتعلق بمفهوم الحرية لم يعد مجرد شاغل نظري او افتراضي بل  يتشكل وعي مختلف لمفهوم الحرية ، وعي يمضي عميقا في ازمة الوجود البشري ذاته فتصبح عندها ازمات المجتمعات البشرية في ابرز اوجهها تختصر في ازمة الحرية اذا اصبح الأنسان مبتلى " بالنظام " نظام الحياة والضرائب والبنوك والحياة الأستهلاكية التي صارت تجبر الفرد بشكل مباشر على نمط محدد ، ومكان ونمط عيش ليس له القرار في تغييره او تعديله .
3
مما لاشك فيه ان الحاجات الأساسية للأنسان هي التي تحركه للوصول الى اهدافه ، لكن السؤال الذي يطرحه المفكر " كراهام فينوك " بقوله ، ماذا لو توفر لك كل شيء ، المال الذي ليس له حدود ، الوقت الكافي ، لاحدود ولا فواصل جغرافية تحول دون حرية حركتك ، سؤال افتراضي سيظهر مساحة الأهتمام الأنساني المجرد ولكنه سيكون مصحوبا بلغة صورية تخرجنا من اطار المجرد الى شكل من العيش الأنساني المختلف عندما يجد الأنسان كل ما يحتاج اليه.
يحمل فريق الفيلم كل هذه التساؤلات وغيرها في رحلة شائقة في عمق الحضارة فيختارون الحضارة المصرية ، ويقوم فريق العمل بصحبة قرابة 50 شخصا من جنسيات واعمار مختلفة بالتواجد في المكان الذي يجعلهم يتفاعلون مع الحضارة من جهة ويعبرون عن انفسهم واهتماماتهم من جهة اخرى ، وفي براعة تصويرية نجد انفسنا مع المجموعة ونحن نجول في المعابد الفرعونية القديمة ثم ليلتقي الجمع ويطرحون السؤال نفسه : الحرية دائما وابدا ، اين نحن في فضاء الحرية ولو لم يمتلك الأنسان حريته ، هل كان في مستطاعه ان ينجز ويبدع ويفكر تفكيرا حرا قائما على الأبتكار كما هو في الحضارات القديمة وبما فيها الحضارة الفرعونية.

انهم يعلنون ، ان توق المصريين الى الحرية ابان ثورة 25 يناير قد اتاح لفريق العمل حرية اوسع في التجوال في مناطق متعددة تشمل المواقع الأثرية والحضارية المصرية ومن دونما مضايقة بسبب كثرة اعداد السياح في الظروف الطبيعية .
بموازاة ذلك يسلط الفيلم الضوء على حقيقة ان كثيرا من اولئك الخمسين شخصا الحاضرين والمشاركين في تلك المغامرة هم هاربون من حياتهم الشخصية او مشكلاتهم بشكل ما ، انهم ينشدون حرية افتراضية لأنفسهم ، فهذا هارب من تجربة عاطفية او من مأزق مالي او وضع اجتماعي او غير ذلك ويعرض عدد من اولئك الأشخاص جوانب من خبراتهم وتجاربهم لتمتزج مسألة الحرية مع التجارب الشخصية وكل تلك المراجعات والمحاضرات اليومية التي تلقى على الخمسين شخصا فضلا عن الأستماع لشهاداتهم تتم بأشراف العالمين " دوفال " و " هينوك".
4
" الأنسان حر ولكنني اراه في كل مكان وهو مقيد " بهذه الكلمات من جان جاك روسو سنذهب الى مساحة افتراضية تتعلق بما نريد وما لانريد ، وانها حياتنا ويجب ان نفعل فيها مانشاء…. بهذه الكلمات المختصرة  سنخرج بمحصلة تتعلق بالحرية مفادها انك لكي تعبر عن حريتك فعليك ان تفعل كل شيء لضمانها ، ان لم يكن عملك يعجبك فغيره ، اذا كنت لاتحب شيئا ، اتركه ، اذا كنت تبحث عن الحب فسافر كثيرا لأن الحياة قصيرة والمرادف لها هو ان تعيش بحرية هذا اذا كنا نتكلم عن انساننا المعاصر فماذا اذا ذهبت بنا الكاميرا الى اعماق غابات الأمازون لكي نرى ونستمع للناس كيف تعمل وتفكر وتنظر الى شكل حياتها والى مفهوم الحرية وكيف يتمثل لها. في المقابل ستكتسب الحرية شكلا اجتماعيا عندما يعبر الأنسان وان كان حرا عن حاجته الى المجتمع والأصدقاء والعائلة والزواج والمدرسة والعمل ، فكيف تستقيم كل هذه مع التوق للحرية لاسيما وانها قد تتحول الى معوق في طريق تلك الحرية؟

اسئلة تتبعها اسئلة في بحث اجتماعي وانثروبولوجي ونفسي وثقافي فريد يخرج الوثائقي بالرغم ثقل المادة البحثية الى شكل فني مميز حشد فيه العناصر الفنية ، الصوت ،الموسيقى ، المؤثرات الصوتية والصورية ، عدم الجمود في عرض المقبلات ، الأبتكار في عرض التفاصيل في رحلة مشوقة لاتشعر معها بالملل من كثافة المادة الفيلمية بقدر مايتولد احساس بالتفاعل مع المعطيات الثرة والعميقة التي قدمها الفيلم وهو يغوص عميقا  في مفهوم الحرية.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان