الفوز تنجور : "بارودة خشب" صرخة ضد الحرب

حفظ

الفوز تنجور مخرج سوري صاعد اختار طريقا في الفيلم الوثائقي مبنية على مفهوم سينما المؤلف والانتصار للشكل الفني "لحماية المضمون" الفكري والموضوعاتي للفيلم. وإضافة إلى عمله المتقن يتميز الفوز بثقافة سينمائية نظرية تجعل منه مخرجا تتقاطع في داخله وأعماله عدة مجالات كالشعر والفلسفة والعلوم الإنسانية ولكنه يصهر تلك الرؤى في رؤية فنية حاملة لهمومه الذاتية والجماعية.
حصل فيلمه "بارودة خشب" على جائزة الحريات وحقوق الإنسان في مهرجان الجزيرة الأخير. والفيلم من إنتاج الجزيرة الوثائقية. دار بيننا وبينه حوار نظري متعدد الأبعاد خلال المهرجان واكتشفت من خلال تلك اللقاءات شخصية مبدع يخط طريقه واثقا من من مساحة الجماليات التي يتحرك فيها. ارتأينا أن نصوغ تلك "الدردشات" في حوار شامل حول "بارودة خشب".

• فيلمك مقلق مثله مثل شخصياته وربما مثل شخصيتك أيضا : مقلق في مستوى تقبله، في موضوعه، في لغته، وشخصياته، ولكنه أيضا مقلق في تصنيفه فنيا، فهل أنت متأكد أن فيلمك وثائقي؟ أم لديك رؤية ما للفيلم الوثائقي جعلت فيلمك على هذه الشاكلة المقلقة ؟
أنا قادم من مدرسة سينمائية وبشكل أدق من مدرسة أوربا الشرقية والتي في جذورها وصلبها مدرسة روسية, تعتمد وبشكل كبير على سينما المؤلف.
في السينما الروائية, يُبنى كل شيء, ويعاد خلقه من جديد ليأتي على صورة الواقع, ولكن من وجهة نظر المؤلف, الذي يبني عالمه كما يريد, كل ما يتعلق بسرد الحكاية, أو كل ما يلزم لقولها, الضوء وتدريجاته, حركات الكاميرا, لعب الممثل وحركته في الكادر, والديكورات, كلها تأتي لخلق شكل ومضمون الحكاية, فيأتي الفيلم, ليعمل على حل لغز الواقع, وليس تقديم واقعاً مفكوك الرموز. السينما الروائية, ترصد الحياة وتسجلها, وتقول الحكاية كما أراد السينمائي المؤلف, من خلال اللقطات المتتالية, أما الفيلم التسجيلي فهو يرصد الحياة ويسجلها كما هي, طازجة, عفوية, وفي الكثير من الأحيان تحتاج لوجهة نظر محددة, لتأخذ أهميتها وترتقي لأن تكون سينما تسجيلية, أي أن تعاد صياغة اللقطات, أثناء التصوير, ثم أثناء تركيب الفيلم وبهذا فقط, أي من خلال التأليف, (وجهة نظر المؤلف), تصبح السينما التسجيلية مهمة.
بالنسبة لي أتعامل مع الفيلم التسجيلي, كأنه فيلم روائي, فأنا أختار كل شيء وأعيد بناءه من جديد, مع ضرورة الحفاظ على الصدق, شخصيات الفيلم, حركاتها أمام الكاميرا, ثم حركات الكاميرا, الأماكن, الأجواء العامة, الضوء وطبيعة اللقطات, ثم الموسيقى, الصمت, الحوارات, كل ما يلزم لأن أقول حكايتي, ولأن تأتي ليست فقط انعكاساً للواقع, وإنما العمل على حل لغز هذا الواقع, من خلال مجموعة من الرموز والدلالات الخبيئة, المهمة لفهم جديد ومختلف, وكما أريد أن أقول. 
تتقاطع السينما الروائية والتسجيلية بالنسبة لي في مفاصل كثيرة, أهما في الصدق وقول الحقيقة, في البناء, بناء الشكل والمضمون, في فهمي لأداء (الموديل- الممثل- الشخصية) لحظة تواجدها أمام الكاميرا, في طريقة السرد أحياناً, وفي أحيان كثيرة, حين يعاد توليف الحياة لتأخذ بعداً آخر, يمّكن من فهم مختلف وجديد للواقع.

• اختيار الشخصيات : هل كان اعتباطا؟.. وإن لم يكن، فعلى أي أساس اخترتهم وعزلت كل سكان بيروت وأخفيتهم ليظهر إلا هؤلاء على الخشبة.. وكأنه اختيار مسرحي
بما أنني أتعامل مع الفيلم التسجيلي كما قلت كأنه فيلم روائي, لذلك أنا أختار شخصياتي بعناية فائقة, وهي من أهم مراحل صناعة الفيلم, فيجب أن تكون الشخصية ملائمة ومتجانسة مع الموضوع, على صعيد المضمون والشكل, والبيئة الاجتماعية والثقافية, وحتى في مرات كثيرة, شكل الحياة التي تعيشها الشخصية وشكل المكان الذي تنتمي له.
وفي (بارودة خشب) اخترت شخصياتي ليس لتكون مناسبة فقط، وإنما لتكون حرة في فضاء الفيلم, حرة وغير مقيدة, تماما كما على خشبة المسرح, وحيدة أمام الجمهور, تنظر مباشرة في عيون الناس وتتكلم, حتى تستطيع البوح بمكنونات الذاكرة, وتساهم في بناء حكاية الفيلم وبالتواطؤ التام مع المخرج.
ربما أخفيت سكان بيروت ليتكلم أبطال الفيلم, وكانت بيروت وناسها خلفية نشرت عليها شخصيات (بارودة خشب), ليعلن أبطال الفيلم وبصوت عال بأنهم وحيدين, وغير قادرين على فعل شيء و(سمعان خوام) القنّاص, زمن الحرب, الرسام حالياً, يقول: (نحن العلمانيين, المستقلين, نعيش لوحدنا, وغير قادرين على فعل شيء, نحن يد واحدة لا تستطيع أن تصفق ولا بمكان)
ومن هنا أتى شكل الفيلم مناسبا لموضوعه, فشخصيات الفيلم تعيش في عزلة, بعيدة عن المجتمع, وربما المجتمع اختار أن يكون بعيداً عنها, وما يظهر في الفيلم من جدران وأبنية موشومة بالرصاص, كما نفسية شخوص الفيلم, مكدرة ومثقلة بالأوهام والأحلام بأن يكون اليوم التالي أفضل.

• هذا الاختيار جعل الخطاب بين الشخصيات متجانسا في مضمونه وعمقه رغم تنوع عبارته ؟؟ فما هي الإضافة في تنويع الشخصيات المتقاربة في النظرة والحلم ؟

ربما كانت الشخصيات متشابهة على الصعيد الفكري, ولكن كل منها يتناول الواقع بشكل مختلف, وينظر إليه بطريقته الخاصة, بدءا بطريقة التعامل مع الذاكرة ومكنوناتها, إلى التعامل مع مفاهيم, الحرب ،الوطن, الشعب, الهجرة, الآخر!. واخترت أن يكون السجال بين هؤلاء دون إقحام أطراف أخرى غير متجانسة كليا رغبة مني بأن أُضيّق قدر الإمكان على الموضوع, وأن لا أشوش عليه, ومن هنا لم يعد التنويع هو الهدف بقدر ما يهم أن تتعدد الزوايا التي نضيء فيها على موضوع الفيلم وتيمته الرئيسة.

إعلان

• شخصية الولد هي التي كانت خارج الخطاب الفني – السياسي / الإيديولوجي وكانت قريبة من الخطاب الإنساني اليومي والبريء وبها أنهيت الفيلم بمشهد الغرق.. وكأن غرق هذا الخطاب هو الذي سيغرق لبنان
الولد في الفيلم هو الولد الذي بداخل شخصيات الفيلم, بل بداخل كل واحد منا.
نحن صغارا كانت لعبتنا المفضلة هي الحرب, ببنادق بلاستيكية أو خشبية, لا يهم, المهم أن نبقى متمترسين في مجموعات  وتبقى الحرب مستمرة.
كبرنا, وأصبحت بارودة الخشب ليست مجرد ذكرى وحسب, وإنما هي علاقتنا مع الآخر, مع الخوف, القلق, الأوهام والأحلام, العلاقة مع ذواتنا, مع الحياة.
أنا أعتقد بأن شخصية الولد كانت في صلب الخطاب الفني, السياسي, الإيديولوجي, وفي صلب الخطاب الإنساني اليومي, لأننا في هذا الشرق الأوسط المأزوم والمتفجر في كل لحظة, والمليء بالتناقضات الاجتماعية والثقافية, والذي يقف على حافة الخطر, محكومين في الأفلام التي نصنعها بأن يكون خطابنا دائماً فني وسياسي وإنساني في وقت واحد.
خطاب الولد, هو مزيج من ذاكرة شخصيات الفيلم, وبين رؤيتي أنا للواقع الحالي, ولكن بطريقة ومعالجة مختلفة, فقد أردت أن أحاكي الواقع من خلال لعب الولد وطريقة تناوله لليومي في المدينة, كيف يُحرض الواقع ويحاول الانتصار على نفسه ولو بالوهم, ويقوم بألعاب وأشياء كثيرة تفكك بعضاً من رموز الحياة, وتحاول أن تعطيها أبعادا أخرى.
نعم ينتهي الفيلم بمشهد الغطس المتكرر في الماء.
إن الماء هو الطهارة عند الشعوب, وأنا أردت لشخصيات الفيلم أن تتطهر, ربما من ذاكرتها, ربما من أوجاعها وقلقها المزمن حيال الحياة, وآخر كادر في الفيلم هو الغطس باتجاه الماء, وهو يوحي بالغرق, ولكن ليس غرقاً بالمعنى التام, هو بمثابة إنذار أخير, وحاسم لنا جميعا, لنرمي ولمرة واحدة وأخيرة كل بنادقنا الحقيقية والخشبية, ونتقبل الآخر دون تمييز.

• الأمكنة في أغلبها مغلقة وعتمة ولكنها في نفس الوقت مليئة بالأبواب والنوافذ .. ولم ننفتح على العالم الخارجي المفتوح بشوارعه الخالية ولم نر بيروت إلا من عل أو من قاع  أرشيفها الحربي.. ألا يعتبر هذا إقصاء لبقية الأصوات المختلفة في المدينة.. وبالتالي زاوية النظر المتعالية عكست رؤية ثقافوية متعالية للحياة البيروتية
الأمكنة في الفيلم إما داخلية مغلقة حول الشخصية لتعبر عما يعيشه من وحدة ووحشة, وإما خارجية لوجه المدينة الذي مازال يحمل آثارا وندوب الرصاص بعد أكثر من خمسة عشر سنة على توقف الحرب.
ربما كان ناس بيروت هنا هم جمهور الفيلم الذين يراقبون شخصياته دون اهتمام بالغ, فهم يعبرون من خلال صور سريعة , تصفح لجريدة الصباح, لعبة طاولة الزهر, صيد السمك, على دراجة نارية, في داخل سياراتهم, في المقهى, وكأن الحياة جداً طبيعية أو بالأحرى كأنهم تعودوا على العيش بدون اكتراث رغم كل ما جرى ويجري حولهم من أهوال.
أنا لم أقصي المدينة, بل كانت حاضرة في ذاكرة الشخصية, وفي لعب الولد, وفي أخبار التلفزيون, ولكنها أي المدينة اختارت أن تبقى واقفة على حافة الشخصية وأن تراقب معاركها من على بعد, فهي قد نالت نصيبها من الألم!
أما بالنسبة إلى الأصوات الأخرى فقد قلت بأني أردت خطاباً واحداً في الفيلم, وإلى حد كبير يتبنى وجهة نظر محددة, ولكن من أكثر من زاوية.

• لغتك السينمائية يغلب عليها التجريب وعدم الرتابة حيث لا نجد التزاما بكادر معين أو بزاوية تصوير .. وهو ما يميز حتى أفلامك الأخرى فكيف تصنف نفسك في مدارس الجمال؟

أنا أصنع الأفلام بالطريقة التي أحبها, وأعرفها, وفقط أستطيع أن أقول لك بالنسبة لي إن الصورة, وفقط الصورة (في السينما, والفيلم السينمائي التسجيلي) التي تحمل وجهة نظر المؤلف, للواقع, للحياة, هي العنصر الأهم والأساسي في قول الحكاية, وهي دائماً قادرة على رصد حقيقي ومهم للزمن – الحركة في السينما, ولكنها يجب أن تكون صورة ذاتية تحمل وجهة نظر المؤلف, وتعبر عنها بشكل حتمي لاختراق الواقع والولوج لعوالم الشخصية, والمكان, ولكن أيضاً في بعض الأفلام تكون الكلمة مهمة لسرد القصة, كما أن الكلمات أيضاً يمكن أن تقرر هوية الشخصية, وطبيعتها, مزاجها, طريقتها في الحياة, والكلمات تعطي انطباعات محددة عن المكان-الشخصية-الحدث, يمكن الاستفادة منها في متابعة القصة وضبط إيقاعها بشكل أكبر, كما أعتقد أن الشكل في السينما أهم من الفكرة, لأن الشكل هو الذي يحمي الفكرة ويدافع عنها في مواجهة الزمن, ومن هنا أعمل على بناء الشكل الخاص بالموضوع أولاً.

الفوز أثناء حصوله على الجائزة

• الحرب كانت الحاضرة الغائبة في الحيز البصري للفيلم.. أنت كسوري هل تريد أن توثق لما سيقوله السوريون بعدما تنتهي حربهم.. أي أنك تقدم تقييما قبل الأوان لحرب جاءت بعد الأوان..
أنا في حالة رصد دائم للواقع, وكسينمائي ومن واجبي أن أسجل وأصور قصصي من وعن هذا الواقع الذي أعيشه, ولكنني لا أحب أن أتناول المواضيع بشكل مباشر وتقريري, أرغب دائماً في حكاية القصص بشكل بسيط وإنساني وعفوي ولكنه بنفس الوقت يطرح أفكار كبيرة ومهمة.
الحرب لم تكن غائبة عنا أبداً, هي دائماً حاضرة بشكل أو بآخر, بدءاً من ألعابنا ونحن أطفال, إلى كل الحروب الأخرى التي سمعنا عنها أو عشناها, أو تجري حولنا. نحن في حرب مستمرة, وإن لم تكن موجودة نخترع واحدة!
في بارودة خشب أردت أن أطرح أسئلة كثيرة عن حروبنا, بنادقنا, هويتنا الفكرية!!
وبالنسبة إليّ كمخرج سينمائي سوري, يعنيني بشكل مباشر ما يحصل في سوريا, وأعتبره مؤثراً أساسياً في كل ما أفكر به أو أنوي فعله, ومن هنا تأتي بعض المقاربات التي اعتمدتها في الفيلم بين الحرب اللبنانية وما يحصل في سوريا الآن ولكن من زاوية محددة.
أبحث عن نفسي وعن الآخرين في أفلامي التي أصنعها, وأحياناً أخرى أصنع أفلاماً لأتخلص من ذاكرة, أو من وهم..الأفلام هي السر في خلاصي, خلاصنا!

• لو كان الفيلم عن الحرب في سورية هل ستختار شخصيات مشابهة لشخصيات هذا الفيلم أم أن نظرتك للحرب في لبنان تختلف عن حرب سورية وبالتالي ستختلف شخصياتك

كل فيلم له عالم خاص ومتفرد, ربما تكون الأشياء متشابهة من وجهة نظر معينة, فالحرب حرب, والقتل قتل, والبندقية في كل مكان هي بندقية, والخوف والقلق والحزن والتشرد والهموم والأحلام والمصائر هي نفسها, ورغم ذلك فإن الحرب اللبنانية تختلف عما يجري في سوريا, ولكن المهم أن يتم تناول كل ذلك بطريقة مختلفة في كل مرة نصنع أفلامنا.

إعلان

• هل لديك مشروع جديد
 قمت للتو بالانتهاء من فيلم ( أرواح متمردة ), الذي يتناول حالة التمرد عند جبران خليل جبران, من خلال مجموعة من الشخصيات المبدعة التي تأثرت بجبران  ولها بنفس الوقت بصمة خاصة في الحياة الفنية والاجتماعية, والفيلم يقارب بين زمن جبران وبين الواقع الحالي, ويسأل ماذا بقي من جبران وكتّاب عصر النهضة اليوم؟ وهل تغير شيء في هذا الواقع العربي خلال قرن من الزمن؟
أحضر لفيلم وثائقي (خارج الخارطة), وأعمل على مشروع فيلم روائي طويل بعد أن أمضيت أكثر من ثلاثة سنوات في كتابة السيناريو.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان