"نيروبي نصف حياة" واقعية جديدة من كينيا

حفظ


أمير العمري

فيلم من كينيا عرض في مهرجان روتردام السينمائي الأخير ليس ككل الأفلام التي تأتي عادة من القارة السمراء إفريقيا، فعادة ما نشاهد أفلاما يبرز فيها كثيرا دور الفولكلور أو الطابع التسجيلي العام بما يجعل هذه الأفلام تقترب من أفلام الهواة، غير المكتملة، التي لاتزال تبحث عن هوية أو عن أسلوب، ونادرا ما تجد أفلاما مكتملة تجمع بين رواية قصة محكمة وتتناول القضية الاجتماعية. أما هذا الفيلم- وهو فيلم "نيروبي: نصف حياة"- الذي رشحته كينيا للمشاركة في مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي- فهو فيلم لا أثر فيه لطابع التجريب أو لنواقص الهواية.
الفيلم من إخراج ديفيد توش كيتونجا، الذي عمل مساعدا للإخراج في عدد من الأفلام وهذا فيلمه الروائي الطويل الأول. يتميز الفيلم أساسا بالسيناريو المحكم الذي يدور حول شخصية شاب من الريف يذهب إلى مدينة نيروبي (العاصمة) بحثا عن دور له ينتشله من قاع المجتمع الفقير، إلى قمة المجد، فهو من هواة التمثيل، يرغب في الحصول على فرصة لإثبات موهبته أمام مجتمع الممثلين المحترفين في العاصمة.
ولعل الإحكام البادي في السيناريو، والقدرة على تحريك مجموعة كبيرة من الممثلين والممثلين الثانويين، والتحكم في إيقاع الفيلم بدرجة مدهشة، يعود إلى وجود المخرج السينمائي الألماني توم تيكوير (صاحب فيلم "إجري يالولا إجري") كمشرف على عملية التصوير والإخراج. وقد تلقى الفيلم أيضا دعما إنتاجيا ماديا من الطرف الألماني، وهو من الإنتاج المشترك بكل ما يشمله هذا النوع من الإنتاج من تكامل في المواهب والقدرات.

وهم السعادة
قد نرى تشابها واضحا بين هذا الفيلم وبين أفلام أخرى جاءت من البرازيل مثل فيلم "مدينة الله"، في واقعيته وتوغله بجرأة داخل عالم البطالة والإجرام وتجارة المخدرات والأحياء الهامشية التي تؤوي المجرمين في نيروبي التي كانت بالنسبة لبطلنا الصغير في البداية حلما رائعا بالجنة، فأصبحت منذ لحظة وصوله إليها، جحيما لا يطاق. ولكن ماذا يمكنه أن يفعل وهو المدفوع بقوة بالرغبة في التحقق وتحقيق أهدافه وطموحاته؟ هل يتخلى عن حلمه ويعود خائبا من البداية إلى قريته، يواجه أمه التي أعطته كل ما تملك من مال ادخرته ليوم أسود قادم، وإلى قريبه الذي جعله يحمل ثقل عدد من أجهزة التسجيل القديمة التي توقفت عن العمل لكي يقوم بتسليمها لدى بائع متخصص في هذا النوع من الأجهزة في وسط نيروبي، يمكنه إصلاحها وبيعها، لكت هذه الأجهزة تسرق من بطلنا الصغير في أول لحظة عندما تطأ قدماه أرض المدينة المتوحشة.
في بداية الفيلم نرى الصبي "مواس"، وهو مدمن مشاهدة أفلام على الأسطوانات المدمجة، يقوم بمحاكاة أبطال أفلامه المحببة أمام أصدقائه في القرية، فهو يحلم بأن يصبح ممثلا، ويرغب في تجربة حظه في نيروبي حيث يمكنه الالتحاق بفرقة المسرح الوطني هناك. يحذره والده من تلك الرغبة المجنونة التي يمكن أن تودي به إلى التهلكة قائلا له إن نيروبي يسكنها أبشع البشر، والحياة فيها قاسية صعبة، ويحذره من مغبة قراره هذ.. لكن مواس يصر على تحقيق حلمه، فيقفز في حافلة متجهة للمدينة حيث يسرقه اللصوص ويعتدون عليه بالضرب ويفقد حتى أوراق هويته، فيقبض عليه رجال الشرطة ويودعونه الحجز المؤقت حيث يتعين عليه تنظيف المراحيض في واحد من أكثر المشاهد واقعية في السينما الافريقية.
في الحبس المؤقت يتعرف على شاب من الأشقياء يدعى (أوتي) يعطيه عنوان شخص يدعى (جازا) Gaza ويقول له إنه يمكنه أن يدبر له عملا وإنه ساحر يمتلك الكثير من النفوذ كما سنعرف، في عالم الجريمة.. ويتمكن مواس بالفعل من الوصول إلى حيث يعثر على جازا، الذي يتضح أنه زعيم لعصابة صغيرة من الشباب الضائع المشرد، يتخصص أفرادها في تفكيك وسرقة أجزاء من السيارات.. لكن مواس يقنع زعيم العصابة بتطوير العملية وسرقة السيارات نفسها كاملة،، خصوصا سيارات الدفع الرباعي الغالية الثمن التي يمكنهم بيعها للمتعهد الذي يطلب أيضا منهم أنواعا معينة من السيارات يحددها لهم. هذه التفاصيل بكل ما يرتبط بها مأخوذة مباشرة من عالم الجريمة في نيروبي كما تقع بالفعل. هنا يبرز دور الدراسة الدقيقة التي تسبق كتابة السيناريو.
في الوقت نفسه يعيش "مواس" قصة حب مع فتاة شابة هي صديقة أوتي، تعمل "عاهرة" لكنها تبدو مثله، من النوع الحالم، إضطرت لترك حياتها مع أسرتها لأسباب تتعلق بالفقر والرغبة في التحقق بعيدا عن القيود. وتدريجيا تنشأ علاقة حب بينهما مع عدم ممانعة من جانب أوتي على ما نشعر.

يصبح مواس من ناحية عضوا أصيلا في عصابة سرقة السيارات، ولكنه في الوقت نفسه، يتقدم للمسرح الوطني وينجح في الاختبارات ويسندون إليه دورا رئيسيا في مسرحية تدور حول التناقضات الطبقية الحادة في مجتمع نيروبي، وكيف تؤدي إلى إنحراف الشباب الفقير وانغماسه في الجريمة. هذا الاختيار مقصود تماما بالطبع لكي يستخدمه المخرج في تقاطعه مع الخيط الثاني من الأحداث.
يصور الفيلم انحراف رجال الشرطة في كينيا، وكيف يقومون بالتستر على الجريمة المنظمة مقابل الحصول على إتاوات مالية ضخمة، لكن الأمور تتخذ مسارا شائكا عندما يضطر أحد أفراد العصابة ذات مرة، إلى قتل رجل يقاوم قيامهم بسرقة سيارته الفخمة، ثم قتل رجل شرطة أيضا، مما يؤلب ضدهم الشرطة، ويقعون جميعا في قبضة رجال الشرطة الأشرار الذين لا يقدمونهم للقضاء بل يقومون بحبسهم في مكان يستحيل أن يهربوا منه على أن يعودوا إليهم لقتلهم جميعا.. وفي واحد من أكثر مشاهد الفيلم إثارة، يعود الشرطيان ويتقدمان من مجموعة الشباب بعد أن يأمروهما بالوقوف في مواجهة حائط تلك الزنزانة المخيفة، يصوبان السلاح إليهم ويستعدان لإطلاق النار لكن الشباب يلقون فجأة بمادة ترابية في عيون رجلي الشرطة الفاسدين ويتمكنان من خطف سلاح أحدهما وقتله ويهربان لكن هروبهم لا يطول، فيتمكن الشرطي الآخر بمساعدة مزيد من زملائه من قتلهم واحدا وراء الآخر بينما يتمكن مواس من الهرب بأعجوبة لكي يلحق في اللحظة الأخيرة، بالعرض الأول للمسرحية التي يقوم فيها بدور مشابه لدوره في الحياة!
في نهاية الفيلم نفهم أن مواس أصبح يدرك تماما مخاطر العمل الإجرامي الذي كان منغمسا فيه رغم أنفه، ويتحقق حلمه في أن يصبح ممثلا على الطريق، كما تلحق به "أوتي" وبذلك يكسب مهنة جديدة وحياة جديدة!
يلعب السيناريو على ذلك الانتقال بين الواقع والمسرح، بين الخاص (قصة مواس وطموحاته الشخصية) والعام (الجريمة في نيروبي وغياب الدولة وفساد الشرطة..إلخ). ويجعل السيناريو بطله "مواس" ينتقل بين العالمين كما لو كان يعيش دورا تمثيليا بعيدا عن الواقع، مما يخلق أحيانا بعض المفارقات المضحكة التي تخفف من وطأة الطابع العنيف للفيلم.. هنا عدد من أكثر المشاهد عنفا في تاريخ السينما الإفريقية، مشاهد إطلاق النار والقتل وتفجر الدماء من الرءوس، والتفجيرات وكلها مصنوعة بدقة تامة وفي المواقع الطبيعية للأحداث في قلب المدينة التي تعج بالمجرمين وعلى خلفية من وجود عشرات الأشخاص من الشباب العاطل المنغمس في الجريمة، وبمشاركة الكثير م�� الأشخاص الحقيقيين، واستخدام الألفاظ والكلمات التي يستخدمها أفراد عصابات الشباب من موزعي المخدرات واللصوص.. وغير ذلك.

إعلان

أسلوب الفيلم
يتميز الفيلم بجاذبيته الشديدة من الناحية البصرية، بفضل اللمسات الجمالية الخاصة التي أضفاها مدير التصوير الألماني كريستيان ألمسبرجر على اللقطات، التي يراعي في تصويرها التصميم الفني والتكوينات الجمالية الخاصة وخصوصا في اللقطات العامة المأخوذة من مسافة بعيدة، كما يتميز الفيلم بإيقاعه السريع، وإنتقالاته المحسوبة بين عالمين: عالم المسرح والمثقفين في وسط نيروبي، وعالم الجريمة في الشوارع الخلفية.

تصميم المناظر وتصميم الأزياء والمونتاج قام بها محترفون من الشباب الكينيين، في تجربة رائعة للاستفادة من إمكانيات الإنتاج المشترك مع ألمانيا. ومن الطرف الألماني جاءت موسيقى الفيلم (التي كتبها زافر فون ترايير) والتي تنسجم تماما مع الأجواء المتقلبة للفيلم، وتمنحه رونقا خاصا في كل لحظات الترقب والقلق والخوف على بطلنا "مواس" المدفوع بثقته في موهبته وذكائه الخاص، لكي يحقق ما يصبو إليه.
"نيروبي: نصف حياة" فيلم مكتمل يجب أن يقابل بما يستحقه من جدية وتقدير، ودرس في دقة الواقعية والصدق في التعبير قضية اجتماعية مطروحة للنقاش، مع تقديم الجانب الفكاهي والمثير في الموضوع، والقدرة، في الوقت نفسه، على جعل المشاهد مشدودا إلى المتابعة حتى النهاية. فالسينما في نهاية الأمر، هي فن رواية قصة!

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان