" المؤشر البشري" : صورة انسان مأزوم في مدن تتضخم

حفظ

طاهر علوان

تتطور الحياة الأنسانية قدما ، مزيد من التطور ، مزيد من التكنولوجيا فيما تتداخل فيها المستحدثات في لهاث انساني لبلوغ اقصى درجات الرفاهية ، هي حياة انسانية مضطردة واستهلاكية تتفاعل فيها الدوافع والحاجات والذات والمستقبل ، وفي مقابلها اسئلة تتعلق بأنماط العيش ، بالمدنية التي تتمظهر في شكل نزوح الى الحواضر المدنية وعزوف عن القرى النائية والفقيرة وهي ظاهرة عالمية مشهودة في هجرة الضواحي والهامش الى المركز وقد خلف ذلك تضخما هائلا في اعداد السكان وظواهر اجتماعية لاحصر لها .
فمنذ ستينيات القرن الماضي بدأت المدن بالتضخم من جراء تلك الهجرات التي ظلت تشكل ظاهرة تستحق العناية والدرس وهو مايتطرق له فيلم ( المؤشر البشري ) للمخرج "اندرياس دالسغارد " والذي مازال يطوف العديد من المهرجانات السينمائية .

ولعل السؤال الأهم هو ما السبيل لأيجاد موازنات تتعلق بظاهرة النزوح الى المدن ، سؤال من اسئلة متعددة لابد من التوقف عندها ، لكن الأجابة تختصر في مايعرف ب " ظاهرة الأغراء المديني " فالمدينة تغري بتضخمها وناطحات السحاب ، كل ذلك شكل مؤشرات لتباين شاسع بين المركز والهامش اوبين المركز والأطراف وهو مايعرضه الفيلم مؤكدا ان ابرز ملامح هذه الظاهرة يتمثل في حاضرتي الهند والصين اللتين تجسدان ذلك التباين الصارخ مابين المركز والهامش .
ويسلط الفيلم الضوء على المركز نفسه ، على المدينة الفولاذيه – الأسمنتيه المتجهمة التي شوهت بالكامل الشكل المعماري للمدينة القديمة واوجدت انماطا معمارية مختلفة تماما صارت علامة فارقة لأزمة المدينة المعاصرة ، مدينة التلوث وزحام السيارات .
السيارات تتضاعف بمعدل خمسة اضعاف في كل عقد من السنين والمجتمع المتطور صار من علاماته الفارقة السيارة الحديثة وتوالي الموديلات التي تغري بالشراء.ولكن وبالمقابل ينتقل الفيلم الى مدن في الصين كانت سببا وراء انقاذ حياة عشرات الملايين من الصينيين من غول الفقر والتشرد وحتى الجوع بتوفيرها فرص عمل وعيش في تلك الحواضر المتنامية .
المسألة الأخرى التي ينتقل اليها الفيلم هي المرتبطة بالأنسان الفرد ذاته ، اذ ان السؤال عنه: ما هو ومن هو وكيف يعيش في مدن الفولاذ والأسمنت المتعملقة ؟ باختصار تجده انسانا شبه معزول عما حوله ، فهو مستنفد بالعمل اليومي ويعود من ذلك العمل  من دون ان يلتقي بأحد وبذلك فهو معزول عن جيرانه ، يقضي حاجاته البسيطة ثم ليخلد الى النوم ويذهب مع الصباح الى العمل مجددا وهكذا هي دورة حياته اليومية الروتينية .
ضمن سياق الفيلم مقابلة مع المفكر " لارس جيمزوي" الذي يعلق على مجمل الظواهر مؤكدا ان لااحد ينكر اثر المباني الحديثة على سلوك الناس وطباعهم فمنذ الأربعينيات  اصبحت العلامة الفارقة للمدن من بين علامات اخرى ،  السيارة ، ومعها انطلقت الحركة ، المصانع ، كل شيء يتسارع ، الطرقات تغدو اكثر اتساعا والسؤال بعدها الى اين يمضي انسان العصر ؟.
انها دائرة مغلقة خلقتها المدينة الحديثة لها مفرداتها التي تعبر عن انسان العصر الذي يتسارع من حوله ايقاع الحياة ويمضي بحياته هو الى نهاياتها التي صارت تتخذ شكل نبوءات مستقبلية تحذر نمن مغبة التلوث واحتشاد المدن .

المخرج

ومن الأمثلة على المدن العملاقة ، مدينة نيويورك ، حيث يحضر مخططوا المدن وادوارهم في تخطيط  المدينة المعاصرة ، ( روبرت موزز) هو ذلك المصمم والمخطط الذي احدث ابتداءا من العام 1950 تغييرات هائلة في مدينة نيويورك ، وهو الذي خطط للعديد من الطرق السريعة والى الآن مازال المخططون يراعون ماخطط له ومااسسه ويسيرون على خطاه .
في المقابل هنالك من الخبراء من ينتقدون الشكل الحضري للمدينة المعاصرة والخلاصة التي يتوصل اليها خبيران هما " جانيت خان" الخبيرة في ادارة طرق نيويورك والخبير جيف ريسوكم  انهما يتفقان على حقيقة مؤثرة خلاصتها " تدمير الفضاء الحقيقي لحياة الأنسان" فرغم بناء شبكات طرق عملاقة ومتطورة الا ان هنالك فشل في صنع الفضاء المتعلق بالأنسان الذي يوفر له نمط حياة طبيعية .
وفي واقع الأمر ان المدينة المعاصرة عاجزة عن الأجابة عن هذا السؤال لأنها مصممة احيانا وغالبا لأستيعاب مزيد ومزيد من العمارات ومزيد من السيارات والكل يتعملق على حساب الأنسان.
مثال آخر للمدن الحديثة هي مدينة " هونج كيونج" ، هي المدينة الصينية الأسرع نموا حيث يؤكد المعماري " كرستيان فيلادسين " ان هذه المدينة هي مثال على التطور الحضري ، ونظام الطرق واماكن العيش والمساحات الخضراء والمباني التجارية .
ويتابع الفيلم سلسلة المدن الآخذة بالنمو والتطور ، ومنها مثلا مدينة ميلبورن الأسترالية وهي مثال آخر للمدينة في تحولات نمطها المعماري ووظيفها الحضرية ، فالفيلم يظهر تفاصيل عن مدينة جامدة وشبه مشلولة في الثمانينيات من القرن الماضي لكنها وخلال بضع  سنوات يعد ذلك صارت لها هوية اخرى لجهة الحوار بين الأنسان ونمط عيشه ومتطلباتها وعلاقته بفضائه المحيط ، هي مدينة جسدت حقا العلاقة بين المركز والأطراف لجهة الفضاءات الممتدة التي تزخر بالحياة وبما يجعل المدينة امتدادا للفضاء الحيوي للأنسان .ومن الأمثلة الأخرى الشاخصة للمدن الأكثر نموا في العالم التي يتابعها الفيلم هي العاصمة البنغلاديشية " دكا" التي تعد المدينة الأسرع نموا في العالم حيث يتابع الفيلم اوجه الحياة في مدينة ضاجة ينزح اليها من الضواحي والقرى قرابة نصف مليون انسان ، مدينة ينتج نموها عوارض تصيب المدن المتضخمة وهي الضجيج والتلوث والزحام فضلا عن تراكم القمامة وعدم قدرة الخدمات البلدية على الوفاء بتوفير الخدمات اللازمة لتلك الأفواج البشرية التي تتراكم وتتراكم في كل عام تاركة القرى والضواحي وبحثا عن حياة افضل في مدن تكتظ بسكانها .

هذا الواقع الأشكالي للمدينة المعاصرة يمعن فيه هذا الفيلم تحليلا واستقصاءا لأبعاد الظواهر الملازمة لتضخم المدن ومايرافق ذلك من تحولات في الشكل المعماري من جهة وعلاقة الأنسان بالمكان ، فالفيلم يلاحق الأنسان الذي تشعر معه باغتراب وهو يتقزم امام ناطحات السحاب ومدن الأسمنت ، مدن لاتكترث لصوت الأنسان وحاجاته بقدر مايتحكم بها رأس المال المتضخم والأستثمارات ودخان المصانع من حولها فضلا عن عوادم السيارات ، هذا الواقع الأشكالي يلازم تلك المدن الصاخبة التي تتقاسم الليل والنهار للتعبير عن صخبها وتفاقم مشاكل التلوث وتسرب الأشكال المعمارية الحديثة التي تغير من شكل ووظيفة ماسبق من انماط واتجاهات معمارية .
نحن امام سؤال انساني محدد، فالمدنية والتطور صارا مقترنين  بناطحات السحاب في مقابل نسيان الطبيعة والمساحات الخضراء والبحيرات الصغيرة ودورة الطبيعة والكائنات ، الطبيعة التي صارت لايسمع عنها الا في العطلات بينما الأنسان يعوم في غابات الأسمنت باحثا عن صوته الذي لايجد صداه الا في تلك الطبيعة التي تتقهقر وتهمل والقرى التي يهجرها سكانها وحيث نكون اما عالم آخر تقلد فيه المدن بعضها البعض وتستنسخ بعضها البعض لجهة شبكات الطرق السريعة الأخطبوطية والعمارات الشاهقة ومابينهما ثم انسان نازح من اللامكان باحث عن وجوده وهويته المستحدثة لكي يتناغم مع هذه التحولات الغريبة .

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان