" صوت الآبار" او سيمفونية العطش

طاهر علوان


1
في مرة سابقة توقفت عند ما اسميته " جغرافيا الوثائقي" ، وهو عندي ذلك التأسيس الجمالي للمكان ، تأسيس لا يصنعه الوثائقي لنفسه كما نعلم ولا يتدخل الا لماما في تنظيمه وتجميله بقدر منحنا احساسا بالأين ، بالفضاء الذي نتحرك فيه نحن وعدسة الكاميرا والأنسان الظاهر على الشاشة ، وهو الذي يرسم تلك الحدود الجغرافية لحياته .
كان " ادوارد هال " عالم البروكسيميا الشهير ، قد تعمق كثيرا في تتبع تلك الجغرافيا الجمالية ، في ترسيم المكان انطلاقا من حاجاتنا البيولوجية الطبيعية ، ان نعيش في مكان يحفظ وجودنا وكينونتنا ثم لنؤثثه فيكون هو القوقعة التي نمارس مفردات حياتنا فيها ، هذه الجغرافيا المكانية بحسب " هال" نجدها اكثر شمولية في الوثائقي لجهة الجمع بين الحقيقة الفيزيائية المحسوسة للمكان وبين الصورة المتحركة وبين الأنسان ضمن منظومته السوسيولوجية ، وبناءا على ذلك ستترى المعطيات المرتبطة بهذا الجانب : كيف نؤسس المكان في الوثائقي ، ماحدود تدخلنا فيه ، مامدى قدرتنا على ادماج المكان بحياة الشخصية لغرض ان نحصل على مخرجات ذلك الأزدواج بين الشخصية ومكانها ومن ثم النظر للمكان كمنظومة جمالية محملة بخواصها المميزة .
في فيلم صوت الآبار " للمخرجين الأيطاليين "باولو باربيري و " ريكاردو روسو" وهو من تصويرهما ايضا ، سنجد كثيرا مما اشرنا اليه آنفا لجهة تأسيس المكان بل اننا سنجد ماهو ابعد من ذلك من غزارة تعبيرية وحسية متدفقة وانسانية وحيث المكان يتحول تباعا الى منظومة متكاملة تجسد شقاء الأنسان من جهة وتقدم جغرافيا الوثائقي بطريقة بارعة من جهة اخرى.

2
يذهب الثنائي المبدع حقا ، " باولو وريكاردو " الى اشد المناطق فقرا في افريقيا ، الى اثيوبيا ، لكننا لن نشاهد صورا نمطية لهلاك الأفارقة في القرن الأفريقي جوعا وعطشا ، بل انهما سيأخذاننا لنقف معهما عند تلك الحافة ، مابين صبر التجمعات البشرية الصغيرة للبقاء على قيد الحياة في اطار تنازع البقاء وبين الموت عطشا الذي يتربص بعرقية " بورانا " الصغيرة التي تحتشد في قرية نائية يحف بها الجدب ويزحف اليها الفقر ، مجرد مجتمع رعوي بسيط يتعاضد فيه الرجال والنساء كتفا الى كتف لمواجهة هذا المصير الحياتي القاسي وهو الموت اما جوعا او عطشا ، يوميات لكائنات تلتحم بحيواناتها ، بالأبل والبقر والماعز والحمير لتكون منظومة تواجه قدرها . كائنات ترسم حدود جغرافيتها في دوران مضن ضمن دائرة هذا التحدي القاتل .
هنا تمتد مساحة الوثائقي جغرافيا لترسم لنا مسارات وخواص للمكان ، ليس هنالك تلك للقطات العامة الباهتة ولا الكاميرا التي تراكم الصور ، انما هنالك انتظاما واعيا يفصح عن جغرافيا محددة ترسمها تلك الشخصيات ، فبعد ان نشهد يوما عاديا لمجتمع رعوي ربما يبدو عاديا فأننا سننتقل الى محور مايطرحه الفيلم وهو خروجه عن دائرة الأستسلام باتجاه بديل يحفظ لتلك الحياة استمرارها .

إعلان

3
لابد لنا من التوقف مليا عند المعالجة الفيلمية ابتداءا من اللقطات العامة التي تعرفنا بذلك المجتمع الرعوي ومانلبث ان نشهد تفصيلا معمقا ترافقه اصوات ومؤثرات مختارة بعناية ونحن نتتبع تجمعات الرعي وقطعان الحيوانات وكلها تنتظم في مسيرة يومية خارج اطار العشوائية بل انها تنتظم في جمالية تلك الحياة على قسوتها وعذاباتها ، الا اننا وبعد هذا التأسيسس والتعريف سنذهب الى ماهو ابعد واهم الا وهو سلوك الاخاديد والمنعرجات لننزل تحت الأرض حيث نجد اولئك الشبان بأجسادهم السمراء الرياضية وهم كمن يؤدون طقوسا خاصة ، فهم في قاع ابار نائية وعميقة في باطن الأرض  يمارسون عملهم اليومي في نقل تلك المياه من الأعماق الى احواض ستنتظم فيما بعد الحيوانات للأرتواء منها .
وخلال تلك العملية المتواصلة طيلة اليوم سيؤلف اولئك الشباب في ذلك القاع المائي الصخري والمنسي ، سيؤلفون اغانيهم وترانيمهم الشجية التي ترافق عملهم اليومي ، وهي ترانيم  تجدها منسجمة تماما مع روح المشهد الذي يجسده اولئك الشباب وهم يروون وقائع عملهم اليومي المظني .
في مقابل ذلك يدرك الرعاة والقرويون قيمة تلك الثروة القادمة من القاع ولهذا فقد اسسسوا لأنفسهم نظاما صارما للسقاية وارواء الحيوانات العطشى فالحيوانات تنتظم في طوابير ، تبدأ بالبقر مروار  بالجمال والحمير وانتهاءا بالماعز وهكذا .
وفي المقابل ستحتشد قوافل النسوة القرويات في مسيرتهن اليومية الى تلك الآبار لحمل جرار الماء الى البيوت المبنية من القش.
لعل مايلفت النظر هو تحول مشاهد الآبار ومايصحبها من غناء وترانيم الى محور يعمق تلك الجغرافيا الهائمة في فلاة شاسعة وليس هنالك الا بضع شجيرات يتجمع تحتها القرويون في بعض الأحيان .
لاتشاهد طيلة تلك المشاهد اي مظهر ولا دلالة على ان مايجري هو الآن في هذا الزمن او انه يمت لهذا العصر بصلة ، فهذه التجمعات الرعوية منقطعة بشكل شبه تام عن العالم الخارجي ، لم تظهر صورة سيارة ولا الة ولا اي شي من ثمار التكنولوجيا وظلت الحياة تدور في فلك انساني من المعاناة اليومية لكائنات تؤسس جغرافيتها الخاصة من خلال تلك الدورة ، مابين الرعي وبين بيوت القش وبين الطقس اليومي للسقاية.
وتجد من الملفت للنظر في وسط هذا تلك اللقطات الجامدة للرعاة وهم ساهمون لايلوون على شيء وسط حيواناتهم ، جمود فوتوغرافي يتسع وتسمع خلفية له من خلال اصوات تلك الترانيم الخافتة لتلك الكائنات التي تعيش دورتها الأزلية الخاصة.

4
ولعل مايثيره الفيلم من الجهة الأخرى انه يصب ايضا في مسار حق الأنسان لا في التظاهر ولا في العمل ولافي الصحة ولا في التعليم  ولا في الأمتيازات والرفاهية بل الحق في شرب الماء ، الحصول على الماء لأرواء الأنسان والحيوان لااكثر …حق انساني مهدد بهذا الغول الزاحف الذي اسمه الجفاف والذي لايبقي ولا يذر.

لن يطرح الفيلم بشكل مباشر هذا الأمر ولكنك تجد ان تلك الرسالة اكثر من صارخة وقاسية وانت تشارك تلك التجمعات المنسية والمهمشة مكابدات عيشها وشقائها اليومي ، والكاميرا هنا ليست الا شاهد ومراقب ولكنها بين اونة واخرى تذكرنا عبر اللقطات العامة والبانورامية اننا امام جغرافيا لها خصائصها تلك التي يرسمها الوثائقي وهو يتابع يوميات الشخصيات وهي ترسم حدود تلك الجغرافيا .
ولعله من الملف للنظر هو ذلك التدفق الأنساني لتلك الشخصيات وهي تروي مكابداتها ، هي لاتشكو ولاتناشد احدا ولكنها تروي كيف تعيش وكيف تفكر والى ماذا تسعي بل انها تنطق بالنيابة عن تلك الدواب التي تشاركها العيش وتكشف عن معاناتها .
ومن بين تلك المساحة المرتبطة بالمعاناة سيتحقق تحول غير محسوب يتمثل في مشاعر ذلك المجتمع الرعوي برمته وهو يرى الغيوم الثقال السوداء المحملة بالغيث وهي تزحف لتغطي على ضوء الشمس فيما ترقب ذلك الراعي الصغير وتوتره  تتلمسه الكاميرا من حركة يديه واصابع احدى قدميه ثم ليهطل المطر مرة واحدة فيسقي العطاشى في تلك البقعة المنسية .
مما لاشك فيه اننا في هذا الفيلنم امام نسيج متقن من الصور والتفاصيل فضلا عن الموسيقى المختارة بعناية والأصوات ، وامام كل متكامل يقدم شكلا وثائقيا متماسكا موضوعيا وانسانيا  وكذلك جماليا.
……………
• الفيلم الحائز على الجائزة الأولى لمسابقة " صورة انسان" في مهرجان بغداد السينمائي 2012 وطاف العديد من المهرجانات الأخرى

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان