"ميسي بغداد" الفائز بجائزة أفضل فلم مهرجان الخليج

كدأب المخرجين العراقيين المشاركين في مهرجان الخليج السينمائي فهم يحصدون غالبية الجوائز دائماً، بل أهمها وأكبرها في دورات المهرجان الست. ففي المسابقة الرسمية للأفلام الخليجية القصيرة نال المخرجون العراقيون عن جدارة ثلاث جوائز وهي جائزة أفضل مخرج للؤي فاضل عن فلمه "قطن" المأخوذ عن قصة للكاتب العراقي إبراهيم أحمد، و "سيلويت" الذي أُسندت إليه جائزة لجنة التحكيم الخاصة لكاميران بيتاسي، و "ميسي بغداد" للمخرج سُهيم عمر خليفة الذي حصل على جائزة أفضل فلم، وهو موضوع بحثنا ودراستنا الحالية. يا تُرى، ما الذي يميّز هذا الفلم عن بقية الأفلام الفائزة في المسابقة أو الأفلام الـ "34" الأخرى التي دخلت المنافسة إضافة إلى فلم سُهيم عمر خليفة؟ هل أن ثيمة هذا الفلم القصير متفردة جداً بحيث لم تجاريها أو تتفوق عليها أي ثيمة أخرى لبقية المخرجين؟ أم أن سرّ نجاح هذا الفلم يكمن في المعالجة الفنية للموضوع الحسّاس الذي انتقاه كاتبا السيناريو وهما سُهيم عمر وكوني فان ستينبيرغ؟ أم في تقنيات التصوير والمؤثرات السمعية والبصرية التي تألق فيها مخرج الفلم الذي يتوفر على موهبة واضحة للعيان تبشر بولادة مخرج سينمائي عراقي يعد بالكثير في السنوات القادمة إن هو واصل مشواره بذات الدأب والمثابرة والنفَس الطويل؟.

صحيح أن المخرج سُهيم عمر لم يبتعد كثيراً عن الموضوعات السائدة في السينما العراقية كالحرب، والتفجيرات اليومية، والبؤس الذي تعيشه شرائح واسعة من المجتمع العراقي، ولكنه، مع ذلك، خرج قليلاً عن السائد والمألوف حينما اختار لعبة كرة القدم ثيمة رئيسة له، فالأطفال والشباب العراقيون وحتى الكبار منهم يعشقون كرة القدم ويتابعونها بمحبة وشوق كبيرين، فكان هذا الخروج أشبه بحبل الخلاص الذي سحبه من الموضوعات السائدة والمكررة، لكنه عاد ووقع فيها حينما أرجعنا إلى مناخ التفجيرات شبه اليومية التي نراها على أرض الواقع أو من خلال شاشات الفضائيات. لقد انتقى سُهيم عمر موضوعاً مُحبباً لغالبية الناس وهو كرة القدم التي تعتبر اللعبة الأكثر شعبية في العالم، بل أضفى على الفلم مسحة معبِّرة ومؤثرة جداً حينما اختار طفلاً مبتور الساق بطلاً لهذا الفلم "الكروي" إن صحّ التعبير. وربما تكون نقطة قوته الوحيدة أن بقية أعضاء الفريق يشاهدون المباريات الدولية على وجه التحديد في بيته، لكن تلفازه يتعطل الأمر الذي يجبر والده تحت ضغوط الابن والزوجة أن يأخذ التلفاز كي يصلحه في المدينة، خصوصاً بعد أن تمّ طرد حمودي من الفريق وإهانته ووصفه بأن لا يصلح أن يكون لاعباً في الفريق، وإنما بائعاً للطماطم في "بسطة" أبيه. وحينما يشرعان في رحلتهما إلى المدينة نفاجأ بآثار الدمار والخراب الذي خلّفته العديد من التفجيرات، بل أن المخرج ذهب أبعد من ذلك حينما صوّر لنا خطورة الاقتتال الدائر هناك حيث تعرّض الأب إلى طلق ناري في صدره فطلب من ابنه حمودي أن يأخذ التلفاز ويعود إلى البيت لكي يستمتع بمشاهدة المباراة النهائية بين فريقي برشلونة ومانشستر يونايتد عام 2009، أو بالمعنى الأدق بين "ميسي" و "كريستيانو رونالدو"، وبالفعل يحقق "ميسي" هدفاً، لكن حمودي ينخرط في البكاء، ولم يستمتع بالمباراة، ولا بالهدف الذي حققه "ميسي" اللاعب المثالي بالنسبة إليه، وحينما تنتبه أمه إليه يقول لها بأنه يجب أن يذهبا لجلب جثه والده الذي فارق الحياة بسبب تعرضه لطلق ناري بسبب القتال الذي كان دائراً في المدينة.

لا شك في أن المتلقين يتعاطفون مع حمودي لأنه طفل مبتور الساق، كما يزداد هذا التعاطف حينما يفقد والده بسبب ذهابه إلى المدينة لإصلاح التلفاز المعطوب، فلقد ضحّى هذا الوالد بحياته من أجل ابنه الذي يعشق كرة القدم ويجد نفسه فيها، لذلك يظل الابن الصغير في حالة مؤلمة من تأنيب الضمير، إضافة إلى حالة اليتم التي زادت الأمر تعقيدا.
غِبَّ الانتهاء من عرض الفلم دار نقاش بين مخرج الفلم والجمهور الذي حضر العرض واستمتع به. وقد سأله أحدهم عن سبب اختيار كرة القدم موضوعاً لفلمه فأجاب: "إنني شخصياً كنت أحب كرة القدم، فهي هوايتي المفضلة، بل أنها أحلى شيئ بالنسبة لي، وكان من الممكن أن أكون لاعباً محترفاً، لكن عندما انتقلت إلى بلجيكا صار وقتي محدوداً وضيقاً جداً، لذلك قررت أن أصنع فلماً عن كرة القدم بعيون الأطفال". ورداً على سؤال آخر يتعلق بخروجه عن الموضوعات السائدة قال: "إن العديد من المخرجين العراقيين يركزون على موضوعات العبوات والأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة التي تتفجر في بغداد والعديد من المدن العراقية، وهذه هي صورة بغداد حتى في عيون الأوروبيين الآن، لكنني أردت أن أخرج من هذا الخانق لذلك اخترت كرة القدم كي تكون موضوعاً لفلمي الذي أسميته بـ "ميسي بغداد". جدير ذكره أن سهيم عمر من مواليد كردستان العراق عام 1980، حاصل على ماجستير في العلوم والتصميم من جامعة "سانت لوكاس". نال فلمه الأول "أرض الأبطال" جائزة خاصة ضمن مسابقة "أجيال" في مهرجان برلين السينمائي عام 2011، كما فاز بالجائزة الثانية في مسابقة المهر العربي للأفلام القصيرة عام 2011 أيضا.
