فينتربري يمنح ريتي بان جائزة "نظرة ما" في كان 66

"الصورة المفقودة" وثائقي عن سنوات الجحيم الكمبودي
كان ـ قيس قاسم
عَمَلها المخرج الدنماركي توماس فينتربري وأعطى جائزة قسم "نظرة ما"، التي ترأس لجنة تحكيمها في الدورة الأخيرة لمهرجان كانّ السينمائي، الى الفيلم الوثائقي الكمبودي "صورة مفقودة" على رغم المنافسة الشديدة بين أفلام هذا القسم والتي كثيراً ما تتفوق في أهميتها على أفلام آخرى تتنافس في ذات الوقت على جائزة "السعفة الذهبية" أُختيرت لحسابات خاصة بمنظميه وغالباً ما كانت تثير أسئلة حول معايير اختيارها بالمقارنة بأفلام جيدة يوزعونها على خانات ثانية، لا تقلل من شأنها، لأن كل مشاركة في كانّ تميز ولكنها قد تُضيع عليها فرصة الانطلاق الكبرى إذا ما خرجت بإحدى جوائز السعفة الذهبية التي تمثل "جواز سفر" لعبور تجاري ومعنوي عالمي، لكن في النهاية وبفضل منح فيلم المخرج الكمبودي الأصل الفرنسي الجنسية ريتي بان جائزة "نظرة ما" أخذ الوثائقي مكاناً يستحقه على قلة الأفلام المشاركة من هذا النوع في الدورة السادسة والستين.
صورة مستعادة بالطين
عن أية صورة يبحث ريتي بان وهو المخرج السينمائي القادرة على خلق مليون صورة؟ عن صورته أم صورة بلاده كلها وقد ضاعت مثل أرواح ملايين الكمبوديين خلال حكم "الخمير الحمر" أبان سبعينات القرن الماضي؟ عن صورة طفولته المعذبة وهجرته المبكرة؟ أم صورة عائلته التي خسرها ولم يعد أمامه من حل سوى استعادتها بالذكرى أو بفيلم وثائقي أفضل عنوان يمنحه له "الصورة المفقودة"؟ .
فالفقدان والصورة يمثلان ثنائية جدلية تستحضر كل منهما الآخرى، تحفزان بعضهما للحضور في الذهن كلما أراد المرء استذكار ماضيه وحنينه الى الأشياء التي افتقدها ومحاولة استعادة تفاصيلها بما يشبه تشكيل جديد لصورة "ذاتية الأبعاد" ليست بالضرورة أن تكون صورة فوتوغرافية أو سينمائية بل يمكن لها أن تكون صورة طينية هي خليط من الماء والتراب وهذا الاختيار قد يقربنا من فهم فكرة توظيفه نماذج بشرية، "فيغرات" جسدها بتماثيل مصغرة من الطين كتلك التي يصنعها الأطفال في كل الدنيا ليحاكوا بها الواقع المحيط بهم وليقارب هو بدوره بها بين طفولته في فنوم بنه وبين رؤيته لفترة أراد سرد تفاصيلها بتلك الوسيلة البعيدة عن "أدواته" التصويرية كسينمائي وفي هذا مفارقة تسترعي التفكير في قدرة الوثائقي على اعادة توثيق العوالم الواقعية بمادة تشكيلية مختلفة عن المادة البصرية الخام، دون الركون التام بالضرورة الى الصورة المؤرشفة أو المصورة مباشرة.
صوت وتماثيل
ألاف النماذج الطينية رُكبت لتشكل مشاهد سينمائية تسرد سنوات "الجحيم" التي عاشها الشعب الكمبودي خلال فترة حكم بول بوت وإرتكب خلالها أبشع جرائم الإبادة البشرية لأسباب ايدولوجية بحتة، كرست بسبب من فكرة الاستبداد الجوهرية في داخلها، القمع وسيلة اخضاع وحيدة لشعب منكوب بالفقر حلم وصدق في أول الأمر ما أدعاه "المنقذ" الماوي الجديد من أفكار تخاطب رغبته في تجاوز واقعه السيء الى العيش في حياة هانئة وكريمة.
عبر صوت بان وهو يحكي لنا قصته، سنستعرض تاريخاً مخيفاً عاشه في طفولته وظل عالقاً في ذهنه وسنتعيد عبر "نماذجه" الطينية تجربة والديه اللذان حكما عليهما بالزج القسري في معسكرات "اعادة التأهيل الثقافي" ليموتا فيه جوعاً. أي مصائر مروعة يحكيها لنا بان في فيلمه الشخصي، وأي وسيلة مؤثرة يستخدمها ليقرأ مراحل من تاريخ بلاده؟ إي ذكاء متقد يطوع به خامات الطبيعة ليصبح سلاحاً فكرياً شديد التأثير، يستعيض بها عن "الصورة المفقودة" بآخرى "طينية" ليست أقل اقناعاً عن تلك التي ضاعت أو ضُيعت لعقود وسكت العالم عنها، لكنها لن تنسى بالكامل مادامت هناك ذاكرة حية متوقدة قادرة على سرد ما جرى ولو بعد عقود.

حكاية الطفل المُغيب
أذكى ما في فيلم "صورة مفقودة" أنه يحاكي الواقع/ الماضي بصوت طفل/شاهد بريء يقول بعفوية كل ما كان يشعر به ويسرد بذات النبرة الحزينة بعض ما كان يسمعه من الأقربين ولهذا جاءت شهادته قوية، مقنعة، لأنها غير محملة بأفكار مسبقة. انه يحكي ما جرى بلغة شعرية عذبة متسلسلة تاريخياً تبيّن الفرق الشاسع بين ما كان معلناً وطموحاً وما آلت اليه الأحداث على الأرض. فالخمير الحمر جاءوا متسلحين برصانة فكرية وبحماسة الاشتراكيين لبناء وطنهم المثالي لكن مسار حكهم قاد الناس الى تعاسات لم يشهد التاريخي البشرية المعاصر مثلها إلا ما ندر، وبحكم ديماغوجيتهم سيمضون بالبلاد الى فقر متقع واستبداد سلطوي منفلت راح ضحيته أكثر من مليون مواطن. لقد صنع الخمير الحمر تاريخهم الدموي الخاص بتفوق حتى على ملهميهم الماويين، ويشهد التاريخ لقائدهم بول بوت بأنه من أكثر الديكتاتوريين قسوة، نتلمسها حية أمامنا ونحن نتابع ما صنعه مخرج من تلك البلاد هُرب الى خارجها طفلاً ليعيش في فرنسا ويدرس السينما فيها وليعود وقد بلغ سنوات الحكمة ويستخدمها وسيلة ابداعية يسهم عبرها في كتابة جزء من تاريخ بلاده بمهارة نادرة استحق عليها جائزة مسابقة فئة "نطرة ما" في كان 66 لتميزه الملهم لصناع السينما الوثائقية في كل مكان، ولإرتكانه وقبل كل شيء على جماليات الصنعة التي استثمرت البساطة النحتية ليستمد منها أفكاراً نقدية عميقة خالية من الانفعال عوضت جزئياً عن تلك "الصورة المفقودة" بل ربما تجاوزتها الى أبعد بكثير.