الموسيقى، والسينما، زواج العصر

صلاح سرميني ـ باريس
يبدو بأنّ عام 2013 مخصصٌ للإحتفاء بالموسيقى، والسينما في فرنسا، إذّ حالما إنتهت حلقةٌ أكاديميةٌ حول هذا الموضوع إنعقدت في "المكتبة الوطنية فرانسوا ميتيران" خلال الفترة من 17 يناير، وحتى 24 أبريل حتى تداخل معها تظاهرةٌ أخرى في "ملتقى الصور" بعنوان "موسيقى، ومجتمع" بدأت في 6 مارس، وإنتهت في 21 أبريل، ولم تنسَ "السينماتيك الفرنسية" هذه التيمة، حيث بدأت في قاعاتها عروض إستعادية بعنوان "السينما الفرنسية، والأغاني" منذ 10 أبريل، وسوف تستمر حتى 3 يونيو،…بدون أن ننسَ أيضاً الإشارة إلى المعرض الإحتفائيّ بالمخرج الفرنسيّ "جاك دومي"، والذي تداخل معه أيضاً معرض آخر في "مدينة الموسيقى" بدأ في 19 مارس، وسوف ينتهي في 18 أغسطس، أشرف على تنظيمه الناقد، والمخرج السينمائي، والأكاديميّ "إنغوين ترونغ بين" الذي نظمّ سابقاً معارض كثيرة عن السينما، ومنها : "باريس في السينما، ومبانيها الأثرية"، و"نجوم الفن السابع"،….

اليوم سوف نتوقف عند هذا المعرض الذي يطمح إلى إكتشاف علاقة جمعت السينما، والموسيقى منذ أكثر من قرن.
منذ البدايات نشأت بينهما علاقات تكاملية، واضحة، ومتواصلة، وكانت في بعض الأحيان متعارضة، ومتناقضة.
بالنسبة للمتفرجين، الموسيقى في السينما هي غالباً ما يسمعونه عن طريق شريط الصوت في الأفلام، أكانت تصويرية "أصلية"، أو أغاني، وهذا الأمر ليس خاطئاً تماماً.
إنّ كلّ فيلم يؤسّس علاقته الخاصة مع الفضاء الصوتيّ، موسيقاه، ويهدف المعرض إلى إظهار صلاتهما الوثيقة، والمُتقاربة، بالإضافة إلى ثراء، وتنوّع علاقتهما الحميمة، والتي يكشفها من خلال قراءاتٍ متعددة تعليميّة، تاريخية، توضيحيّة، وتفاعلية :
ـ مكانة الموسيقى في كلّ مراحل صناعة الفيلم، وتقديم الكثير من الأمثلة عن علاقتها مع الصورة.
ـ شهادات سينمائيين، ومؤلفي الموسيقى التصويرية، تمّ إنجاز البعض منها خصيصاً للمعرض.
ـ عروضٌ مقتطفاتٍ من الأفلام على شاشاتٍ كبيرة، مشاهد أسطورية ساهمت الموسيقى فيها بمُضاعفة قوة الصورة، وتأثيرها.
ـ مختارات من موسيقى الأفلام.
ـ وثائق موسيقية خاصة (نوطات أصلية، مخطوطات مؤلفين، رسومات، ستوري بورد،.. ).
ـ صورٌ فوتوغرافية، وملصقات أفلام.
ـ آلات موسيقية دالة.
ـ ملابس "ريجريرو روماندي" في الفيلم الفرنسي "دون جيوفاني" 1979 لمخرجه "جوزيف لوزي".
وفي بعض الأقسام التفاعلية من المعرض، يمكن للزائر المٌشاركة في إنجاز شريطاً صوتياً وُفق رؤيته الخاصة، أن يستبدل، على سبيل المثال، موسيقى موجودة مسبقاً في الفيلم بأخرى لم يستخدمها السينمائيّ، أو حذفها، أو على العكس تماماً، أن يحتفظ بها، ويستغني عن كلّ العناصر الصوتية المُرافقة، هذا القسم بالتحديد لفت إنتباه، وإهتمام الأطفال، والمراهقين بشكلٍ خاص، والمعرض يكتظّ بهم، فرصة لم يتذوقها أيّ واحدٍ منا في طفولته، أو مراهقته.
أحد التساؤلات التي يطرحها المعرض، ويقدم أمثلة عنها ليست مجهولة بالنسبة للمتفرج، أو هاوي السينما :
ـ كيف يمكن أن تتواجد موسيقى فيلم قبل أن تدور الكاميرا ؟
نعرف بأنّ هذه الحالة شائعة أكثر مما نعتقد.
هناك أفلامٌ تعتبر الموسيقى فيها عنصراً أساسياً، يتضح دورها منذ كتابة السيناريو، وفي بعض الأحيان عند تبلور فكرة الفيلم، وبعض أحداثه، وبغضّ النظر عن الأفلام التي تعتمد أساساً على الموضوعات الموسيقية، والمُرتبطة بأنواعٍ معروفة (الكوميديا الموسيقية، أفلام الرقص، أفلام عن الموسيقى،…)، يمكن أن تتجسّد هذه الميزة في الخطوة الأصيلة لسينمائيّ ما، والعلاقات المُتميزة التي يرتبط بها مع المؤلف الموسيقي، وهكذا، كان التواطئ الذي حدث بين "جاك دومي" مع "ميشيل لوغران" جوهرياً في إنجاز "مظلات شيربورغ"، وفي هذا الصدد، تتذكر "كاترين دونوف" هذا الفيلم غير المألوف بمقاييس تلك الفترة، والذي جعل منها نجمة :

ـ كان الفيلم حقاً مثل أوبرا، غنائيّ من أوله إلى آخره، وأدى ذلك إلى مشاكل إعتقدنا بأنه لا يمكن التغلب عليها، ماهو مدهشٌ، السحر الذي بفضله أنجزنا كلّ شئ، فقد تمّ تصوير الفيلم كاملاً عن طريق الـ play-back (الصوت الخلفي المُصاحب)، وإرتكز الإخراج على تدقيقٍ زمنيّ مُسبق، لم نكن نعرف في أيّ ديكور، أو مكانٍ سوف نُصور في تلك اللحظة، كانت الموسيقى مسجلة كلها، تمّ طبعها على أسطوانةٍ قبل تصوير الفيلم، لقد كان الأمر غريباً جداً".
وفي نفس السياق، يتحدث "إنيّو موريكوني" عن اللحظات الأولى من إبداع موسيقى فيلم "حدث ذات مرة في أمريكا" :
ـ بدأ "سرجيو ليوني" يحكي لي الفيلم، فكرتُ، ومن ثم كتبتُ الموسيقى، وأسمعتُها له، وبما أنه أحبها، سجلتها قبل أن يعطي الإشارة الأولى للتصوير، لا أعرف إلى أيّ مدى موسيقايّ التي كان "سيرجيو" يكنّ لها كل الإحترام، أثرت على العموم، ولكن، وُفق ما قيل لي، كان المونتير "نينو باراغلي" حريصاً على متابعة إيقاع مقطوعاتي".
هذه الأمثلة، وغيرها، تؤكد، بأنه، وبرغبةٍ من المؤلف، يمكن أن تكون الموسيقى حاضرة منذ لحظات صياغة الفيلم، وترافق كلّ المراحل اللاحقة للإخراج.
وفي ختام هذه القراءة، نستعير نصّ الكلمة التعريفية المُشتركة التي كتبها "لوران بييل" المدير العام لمدينة الموسيقى، و"إيريك دو فيسشير" مدير متحف الموسيقى :
"إذا كانت السينما وُلدت في القرن العشرين، فقد فرضت نفسها تدريجياً كواحدةٍ من الفنون الأكثر شعبيةً في العالم، بدورها، وخلال هذه الفترة، عرفت الموسيقى تطوراً هائلاً، وبشكلٍ خاصّ ما يتعلق بطريقة بثها، وإعادة إنتاجها، واقع أنّ الموسيقى، والسينما أصبحتا بسرعةٍ "صناعتين ثقافيتين" يكفي للتأكيد بأنّ علاقتهما، هي بالآن ذاته، قديمة، ومعقدة.
في "زواج العصر" هذا، كان هناك الكثير من التواصل كما القطيعة، النجاح كما الفشل، وبلا شكّ أيضاً، الإعجاب كما "الإحتقار" إستيحاءً من عنوان فيلم كانت الموسيقى فيه مرجعاً.
وهكذا، يجد المعرض مكانه في قلب "مدينة الموسيقى"، كما هو صحيحٌ بالنسبة للمؤلفن أنفسهم، بأنّ "سحر الشاشة حافزٌ للخيال، وتحديّ لإمكانيات الموسيقى" كما قال يوماً الموسيقيّ النمساويّ"إيريش فولفغانغ كورنغولد".
في فرنسا، ينقسم الوسط الموسيقيّ عادةُ حول مشاركتهم في السينما، ولكنّ أمثلة غريبة تشهد على نفاذية أكبر بكثير بين هذين العالميّن، يكفي التفكير، على سبيل المثال، بشوستاكوفيتش، وبروكفييف اللذان كتبا للسينما في روسيا السوفييتية، أو "ميكائيل نايمان" للسينما البريطانية، وحتى الأمريكية، و"فيليب جلاس" للسينما الأمريكية، والفرنسية أيضاً.

وقد نسينا سريعاً جداً، بأنّ أول موسيقى تصويرية كتبها المؤلف الموسيقي الفرنسي "كامييّ سان ـ سايينز" لفيلم بعنوان "إغتيال دوق غويز"(تُشير مصادر أخرى إلى عام 1908).
وفي الوقت الذي "إستخدمت" السينما فنّ الموسيقى، فقد دفعتها بالتأكيد إلى الأمام،..حيث نجد غالباً، وبفضلها، اكتشف الجمهور أعمالاً تُعتبر علاماتٍ بارزة في تاريخها، وهنا يمكن إستعادة صور إفتتاحية "2001 أوديسا الفضاء" لستانلي كوبريك، أو "مانهاتان" لوودي آلين.
في المقابل، تجدر الإشارة، بأنّ بعض "الأغنيات" المُقتطعة من موسيقى فيلم ما ساهمت في نجاحه التجاري.
بمعنى، أو بآخر، أكانت الموسيقى التصويرية أصلية، أو مقطوعاتٍ مستعارة، فإنّ مقولة "ميشيل لوغران" بأنّ "الموسيقى الجيدة، يجب أن تخدم الفيلم أكثر من الموسيقى نفسها" تبقى دائماً صحيحة.
ولكن، لا يقتصر المعرض على موسيقى السينما فقط، حيث يسعى أيضاً إلى إظهار دور الموسيقى في السينما، وسوف نكتشف إذاً، بأنّ البعد الموسيقيّ يتدخل في كلّ مراحل إخراج الفيلم، منذ اللحظات الأولى لكتابة السيناريو، حيث تلعب الموسيقى دور المُلهم للموضوع، وحتى العمليات الفنية ما بعد التصوير، ومن ثمّ الإستثمار التجاريّ لأغاني الفيلم، هذا الخط المُتكوّن من لحظاتٍ متعددة، ومختلفة من السلسلة السينمائية هو الذي ينظمّ مسيرة المعرض الذي تمّت صياغته بمساعدة مستشارين، وتقارير خبراء، ومحترفي السينما، والموسيقي التصويرية، ويُظهر إلى أيّ حدّ كانت مساهمات الموسيقى في السينما عميقة، وبناءة في أشكال متعددة".