فرانك جاردنر يعود الى السعودية

عَمِل فرانك جاردنر في السعودية لسنوات كمراسل متخصص في الشؤون الأمنية لصالح هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). في عام 2004، وبينما كان مع رفيقه المصور التلفزيوني سايمون كامبرز، يقومان بجولة مسائية في إحدى ضواحي العاصمة السعودية الرياض، فتحت مجموعة مسلحة، يُعتقد بأنها تنتمي لتنظيم القاعدة، النار على البريطانيين. إحدى عشرة طلقة أصابت فرانك غاردنر، وتركته مطروحاً في الشارع هناك، يصارع للبقاء على الحياة، فيما قتل الاعتداء في الحال رفيقه المصور البريطاني. فرانك جاردنر، عاد للسعودية هذا العام، ولأول مرة منذ الحادثة، لينجز فيلماً تسجيلياً عن المملكة. الفيلم عرضته القناة الثانية في "بي بي سي" وحمل عنوان " فرانك جاردنر يعود الى السعودية".
للذين لا يعرفون فرانك جاردنر ولم يسمعوا عن الحادثة، ستحمل المشاهد الأولى من الفيلم التسجيلي التلفزيوني صدمة ما، فبعد أن افتتح المراسل البريطاني الدقائق الأولى من الفيلم بصوته فقط، ليتحدث عن البلد الذي عرفه جيداً، وسيمر في تعليقه على الاعتداء الإرهابي الذي نجا منه بمعجزة، يظهر بعدها على الشاشة، في نصفه الأعلى فقط، والذي بدأ سليماً وممتلئاً بالحياة والطاقة، لكن عندما تبتعد الكاميرا لتصور فرانك جاردنر عن بعد، سيتكشف إن الحادثة خلفت أثاراً في جسده ستبقى معه حياته كلها، فهو عاد الى السعودية على كرسي متحرك، بسبب الشلل الذي أصاب نصفه الأسفل بفعل تلك الطلقات.
لكننا بالكاد سنلاحظ الكرسي المتحرك في الفيلم، فالمراسل البريطاني سيتحرك بمرونة وحماس شاب في مقتبل حياته، وسيزور مع كرسيه مناطق نائية جغرافيا في السعودية، كما سيصل مراراً الى الصحراء، لمقابلة شباب وكهول، من السعوديين، في محاولة لرصد المناخ الإجتماعي والنفسي في البلد، والبحث عن أي تأثيرات لثورات الربيع العربي، كما سيسجل سابقة إعلامية لفيلم أوربي في مقابلة أمير سعودي، لوضع مجموعة من الأسئلة الملحة والجدليّة عن بلده، والتي أجاب عنها الأمير بشفافية لافتة.
الفيلم سيبدأ بالحديث عن ظاهرة الإنترنيت ومواقع التواصل الإجتماعي في السعودية، وكيف نقلت هذه الوسائط النقاش الإجتماعي والسياسي في السعودية من خلف الابواب المغلقة الى فضاء الشبكة العنكبوتية. يلتقي الفيلم شبابا ناشطيين على "توتير"، والذين تحدثوا عن مستوى الحريات المرتفع على موقع التواصل الاجتماعي للرسائل القصيرة، والتي لا يوجد مثيل لها على وسائل الإعلام التقليدية السعودية من صحف ومحطات تلفزيون. البرنامج سيوجه الانتباه لظاهرة توجه مجموعة من المبدعين السعوديين لإنجاز أفلام (أغلبها ساخرة) على موقع "اليوتوب"، تلاقي منذ سنوات رواجاً كبيراً. الهوة بين هذه الأفلام، وما ينتج ويعرض على القنوات التلفزيونية السعودية من جهة المواضيع المقدمة والحريات الممنوحة، جعلت أفلام اليوتوب تحظى بشعبية جارفة (أحدها شاهده 15 مليون سعودي )، حوّلت السعودية الى ثالث دولة بنسبة عدد المشاهدين لموقع اليوتوب في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل.

"الحرية المتوفرة على الإنترنيت، لا يوجد مثيلها في الشارع او في الحياة اليومية للناس"، هكذا عبر الناشط السياسي السعودي وليد أبو الخير، وزوج الناشطة السعودية سمر بدوي، في لقاء لهما في الفيلم. ثم يتوجه فرانك جاردنر الى مناطق مختلفة من المملكة، ويقابل سعوديون سيشكون من إهمال الدولة لهم لدرجة التفرقة بسبب إختلافهم الطائفي، وهو الأمر الذي اعترف به ضمنيا الامير السعودي عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز وأضاف أن بلده تحتاج إلى أن تعيد النظر في بعض سياساتها الداخلية وتحسن تعاملها مع كل أطياف المجتمع السعودي.
ولأن المجتمع السعودي مكون بثلثيه من الشباب تحت الخامسة والعشرين عاما، سيتجه كثير من وقت الفيلم لهم، فيذهب المراسل البريطاني الى الصحراء ليقابل شباب وهم يمارسون هوايات التسابق بالدرّاجات النارية، كما سيصوّر رقصة جماعية لمجموعة من الفتية خارج أحد مراكز التسوق. لكن الحياة ليست حفلة طويلة للشاب السعودي، فهناك من حَذر من أزمة إقتصادية قادمة، بدأت بعض ملامحها تتجسد في الواقع، وحذّر آخرون في الفيلم، من مشاكل الشباب السعودي، ووضعه الهش، خاصة أن الرخاء الاقتصادي الحالي مرتبط بعائدات النفط، والتي يمكن أن تتضاءل بالمستقبل، كما أفرد الفيلم مساحة لمشكلة البطالة التي يعاني منها سعوديون شباب، والذين ترفض بعض الشركات السعودية تشغليهم، بسبب ارتفاع رواتبهم، وعدم جديّة بعضهم، كما وصف رئيس شركة سعودي شاب.
تنظيم القاعدة الذي كان ينهي حياة فرانك جاردنر في عام 2004، يتجه في السعودية لأن يكون حكاية من الماضي، فالأجهزة الأمنية السعودية قضت تقريبا على كل وجود له، وجففت منابع تمويله الإقتصادية والمعنوي في المملكة، لكن التحديات الأمنية مازالت ماثلة، فاليمن التي تغلب عليها الفوضى اليوم، ومنذ ثورتها قبل عامين، تحولت الى مصدر قلق للأمن السعودي، لذلك يقابل الفيلم مسؤولين سعوديون سيكشفون عن أبعاد الانفلات الأمني عند الجارة اليمن في بلادهم، والذي يتمثل في تهريب السلاح للسعودية.
وإذا كانت أسلوبية التحقيق التلفزيوني هي التي تهمين على " فرانك جاردنر يعود الى السعودية "، إلا أن هناك لحظات تجاوز فيها خطاب التلفزيون وحلق في فضاء الوثيقة التسجيلية السينمائية التي ستدوم لسنوات، كما ساهم التوليف الذكي في ربط موضوعات الفيلم العديدة في وحدة سينمائية لا ينقصها القوى ومحملة دائما بطاقة لافتة، والقادمة في معظمها من المقدم نفسه وحماسه الكبير. الفيلم الذي قدم صورة بدت متكاملة عن المملكة العربية السعودية اليوم بدأ وكأنه إحدى نتائج سياسية الإنفتاح للمملكة، فالسماح بتصوير الفيلم يعد لوحده خطوة بالإتجاه الصحيح، هذا وإن إشتكى المراسل البريطاني من حضور الأمن السعودي معه، والذي أعاق بعضا من خططه للفيلم.
يعود فرانك جاردنر الى غرفة المستشفى السعودي، والتي قضى فيها قبل سبع سنوات شهر تقريبا بين الحياة والموت، كما يقابل مدير المستشفى ويتجول على كرسيه في الغرفة، يتذكر عندما صرخ بزوجته، بعد أن فاق من غيبوبته بإنه لا يشعر بالأمان في هذا البلد، ويرغب بمغادرته حالاً، تنفجر دموع فرانك جاردنر، عندما يستعيد ذكرى صديقه المصور البريطاني سايمون كامبرز الذي قُتل في حادثة الاغتيال تلك. لكن المراسل البريطاني لا يرغب أن يشارك حميمة تلك الذكرى مع مشاهديه،هي لحظات خاصة له، لا يريد حتى للكاميرا أن تكون شاهدة عليها، فيلتفت مع كرسيه الحديدي للوراء ليواصل البكاء..