"البطلة" وقفة سينمائية لحوريات العشرية السوداء

يقال إن المخرج ابن بيئته ومن خلال الأفلام التي باتت تنتج في السنوات الأخيرة يتأكد من جديد أن عقدة العشرية السوداء لا تزال تحكم قبضتها على نفوس الجزائريين، على غرار صناع السينما الجزائرية الذين يعودون في كل مرة لسرد ذلك الماضي المؤلم الذي اختلط فيه الحابل بالنابل وأصبح الصالح طالحا، وبما أن السينما في أحد وجوهها هي سرد للواقع واستعراض للتاريخ برؤى وزوايا مختلفة يوحدها الموضوع، اختار "شريف عقون" تلك الفترة السوداء ليستنسخ من إحدى قصصها الواقعية موضوعا يلج به تجربة الأفلام الروائية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن القول إن فيلم "البطلة" يضاف إلى سلسلة الأعمال السينمائية التي نقلت جانبا مما عاشه شعب ظن أن دماءه سوف لن تنزف ثانية بعد الاستقلال أو بالأحرى بعد ويلات الاستعمار كفيلم "رشيدة" ليمينة بشير شويخ، و"عطور الجزائر" لرشيد بن حاج، و"باب الواد سيتي" لمرزاق علواش وأفلام أخرى أدانت الإرهاب على طريقتها وبلغتها السينمائية، فبعد أن كرّم بعض المخرجين المرأة الجزائرية نظير ما قدمته إبان الثورة التحريرية وعلى فترات متقطعة، انطلق "شريف عقون" من هذه النقطة جاعلا إياها مبدأ للتأكيد من جديد أن المرأة الجزائرية لا يليق بها اسم سوى "البطلة" فاختاره عنوانا لأول عمل روائي طويل له، ملخصا ذلك في شخصية حورية التي تمثل حوريات الجزائر المدافعات عن الوطن، العائلة، والشرف، وكانت اللقطات الأولى التي انطلق منها العمل على وقع الرصاصات الطائشة التي لا تهدأ ليلة دالة على ما كان يحدث في جزائر التسعينيات من القرن الماضي، وبمشهد القميص الذي كانت ترتديه حورية وبه كلمة "الجزائر" بدأ المخرج قصته في محاولة لإظهار العلاقة التي تربط المرأة بوطنها، ليتعمق فيما بعد في سرد حكايتها مع الزمن.. حكاية وقعت على بعد بضع كيلومترات من العاصمة الجزائر لم يرد أن يحدد أي الجهات كانت مسرحا لتلك الجريمة.

عاشور (خالد بن عيسى) إطار سابق في أحد البنوك بالعاصمة الذي يتحول إلى مزارع بحكم تعلقه بالأرض التي يسترزق منها وعائلته، حورية (سامية مزيان) البطلة الرياضة التي تهوى التصوير الفوتوغرافي. كلاهما تركا عيشة الرفاهية بالمدينة وشدا الرحال إلى حياة الريف وصفاء الطبيعة للاستثمار في الفلاحة، وفي عز أيام عشرية التسعينات يقرر الاثنان العودة مجددا للمدينة بعد تردي الأوضاع الأمنية وهذا ما لم يحدث فعلا بعد اغتيال عاشور ذات صباح على يد إحدى الجماعات الإرهابية التي تهدد سكان المنطقة باستمرار وتأخذ مالهم غصبا. وبعد أيام تقوم باقتحام بيته وتقوم بتصفية أهله واختطاف امرأتين من نفس العائلة بعد رفض هذه الأخيرة منحهم المال في كل مرة لاقتناء الأسلحة، فكانت ليلة لا تختلف عن سابقاتها ولم يتضح خيطها الأبيض من الأسود إلا بعد هدر دماء الأبرياء، ليلة نجت منها حورية التي وصفها أحد الضباط بالبطلة بعد انتصارها على أحد الإرهابيين، وأنقذت ابنيها وكذا الرضيعة (ابنة أخ عاشور) التي كانت أول من قاموا بإخفائها. وفي ذلك دلالة على أنهم إن اغتالوا البراءة فقد اغتالوا المستقبل، وهنا تمكن المخرج من نقل الحالة النفسية لمن تفصله عن الموت دقائق وتنجيه منها قدرة الله وحده.
لقد نجح المخرج في ملامسة أحاسيس الجمهور. ساعد على ذلك أن الكاميرا كانت تتعامل مع ممثلة محترفة وأداء عال للبطلة سامية مزيان التي يتأكد في كل مرة أنها ورثت الفن من الوالدين المخضرمين الفنان الكبير في أدائه سيد أحمد أقومي وابنة الخشبة الفنانة القديرة صونيا، وفي حديثه للجزيرة الوثائقية أكد المخرج أن تلك اللقطة كانت الأصعب من ناحية التصوير فلو صورت في أستوديو لكانت أسهل، لكن لكل عمل، لقطة تظل الأكثر قوة. ولكن الموضوع أيضا له زواياه التي يجب أن يصور منها. كما أشاد عقون بأداء الممثلين الشباب الذين أعطوا للعمل روحا جديدة، كسامية مزيان أو خالد بن عيسى ونجيب أولبصير وأكرم جغيم وسهيلة معلم.. الذين يمتلكون طاقات فنية كبيرة وعالية المستوى تحتاج فقط الفرصة المناسبة لإثبات ما يمكن أن يقدموه لأي عمل وللسينما والفن عموما.
مع مرور الأيام وتطور الأحداث تنتقل كاميرا المخرج لموضوع آخر وهو العلاقات الأسرية المبنية على المادة، حيث يظهر وضعية حورية بعد عودتها إلى بيت أهلها وتغير معاملة والدتها لها وهي التي تفضل الابن على البنت في مجتمع ما يزال ذكوريا، من خلال تحسيسها بأنها وأبناءها عبء عليهم، عندئذ تقرر البحث عن عمل والاستقرار ببيت منفرد بعد أن استولى شقيقها على ميراثها وسخره لتجسيد مشروع أحد أبنائه. ورغم الصدمة التي نزلت عليها لم يرد المخرج إظهارها منهارة القوى في مبالغة لا تعكس الواقع لأن الإنسان لا يمكن أن يتجرد من أحاسيسه وماضيه، وبالمقابل تواصل الشخصية الرئيسية رحلة البحث عما تبقى من عائلة زوجها -الفتاتين المختطفتين- لكن دون جدوى. وهنا لمّح شريف عقون لموضوع المفقودين. وهو الملف الذي ما يكاد يطوى حتى يفتح من جديد فلا يزال من المواضيع المثيرة للجدل التي لم يتوقف عندها كثيرا ولم يعطها حقها، فكان مروره على بعض الأحداث الهامة متسارعا رغم أن القصة واقعية وتتوفر على كل التفاصيل الضرورية لبناء درامي سليم، وقد أرجع السبب لضعف الميزانية التي حالت دون الإلمام بجوانب عدة من الموضوع.

من خلال هذا العمل يتأكد أن هم المخرج وهدفه كان منصبا أكثر على تكريم المرأة الجزائرية وإبراز التضحيات التي قامت بها في سبيل الأرض والعرض، لأنه لم يقدم أي جديد في الموضوع بل اكتفى بنقل قصة حقيقية ووضع مجددا الإصبع على الجرح الذي لم نشف منه بعد ولم يغادر ذاكرة الجزائريين مثقفين كانوا أم مخرجين، ولم يقدم إجابة لأي سؤال طرح ليترك في الأخير النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات دون أن يشير للحل الذي عرفته الأزمة في تلك الفترة من خلال الوئام المدني أو المصالحة الوطنية، ربما لعدم رغبته إبداء رأيه في القضية…
للإشارة فإن فيلم البطلة لشريف عقون الذي أنتجته سيليا فيلم والوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي سيكون ضمن الأفلام التي رافق هذه الأخيرة بالقرية الدولية لمهرجان كان السينمائي في دورته 66 رفقة فيلم "الكاذب" لعلي موزاوي، "تيتي" لخالد بركات، "أيام الرماد" لعمار سي فوضيل، "من حكاية لأخرى" لرابيا بن مختار وأفلام أخرى.
شـريـف عـقـون فـي سـطـور :
شريف عقون متحصل على شهادة ليسانس في الفيزياء، بدأ دراسة السينما بمدرسة التعليم العالي للفيلم بباريس سنة 1978 ، وفي سنة 1981 عاد إلى الجزائر واشتغل بالتلفزيون كمساعد مخرج أول، بينما قام بإخراج أول فيلم له بالأمازيغية سنة 1990، وفي العام الموالي اختير هذا الفيلم القصير في المهرجان الدولي للفيلم القصير بكليرمون فيران، واليوم فيلم "البطلة" يعد أول فيلم روائي مطول له، بعد الفيلم الوثائقي الذي أنجزه عن النوبة الأندلسية في إطار تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2012.