مهرجان كان 2013 : قراءة في فيلمين عربيين

حفظ

 الجزائري يعود الى وطنه فرنسا والفلسطيني يقتل الشيطان
كان ـ قيس قاسم

لا هاني أبو أسعد ولا محمد حميدي خرج عن مألوف القضايا التي طبعت أفلاماً كثيرة أُنجزت تحت خيمة "القضية الفلسطينية" و"الهجرة"، لكنهما تميزا عن غيرهما بالاشتغال أكثر على الصنعة  والتفكير سينمائياً حين خاضا في نفس الهموم التي شغلت بال كل واحد منهما منفرداً. فالفلسطيني جرب الابتعاد عن "كليشهات" المشكلة الفلسطينية، في حين سار الجزائري من حيث الموضوع نحو الهجرة وما تؤسسه من مشكلات إنسانية تدعو لسعتها لتكرار تجربة كتابتها سينمائياً وعلى طول الوقت، مع اختلاف موضوعي في شكل المعالجات التي يقاس بها القرب أو البعد من مركز العلاقة بالسينما نفسها وفي مهرجان مثل كان يتوجس المعنيون بالمشاركات العربية من خشية الابتعاد عن مقاييس فن تتجلى أعلى درجاتها وبسطوع كبير خلال أيامه ما يفوت فرصة تطبيق "معايير" نقدية تراعي الظروف الجغرافية والسياسية لكل فيلم فهنا تخضع كل العملية الابداعية السينمائية ل"مسطرة " واحدة عنوانها الجودة ولا شيء آخر إلا ما ندر ومن هنا يطمئن مشاهد فيلم "عمر" الفلسطيني والجزائري "مولود في مكان ما" الى انهما خضعا لاختبار دولي حقيقي وخرجا منه بقبول يكفي للتفكير بأن ثمة مسعى وهاجسا على لعمل السينمائي بذاته  أكثر من التعكز على "الموضوعات" المعالجة داخلها.

هاني أبو أسعد يتوسط فريق الفيلم في افتتاح كان

"عمر" الفلسطيني يقتل الشيطان
في فيلمه "عمر"، يروض المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد صراع شعبه مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية ومحاولتها كسر شوكته عبر خرقها الممنهج لصفوف المنظمات السياسية الناشطة والمتخذة من العمل المسلح وسيلة مواجهة، ومن هنا يضع أبو أسعد حكاية فيلمه المكتوبة بنص جيد على طاولة النقد حين يعرض أساليب الطرفين في تجنيد أعضائهم وتكليفهم بمهمات تفيد أجنداتهم السياسية، وبشكل خاص المنظمات المسلحة الاسلامية، تقابلها أجهزة المخابرات الاسرائيلية التي تتخذ أساليب عمل شيطانية تتجسد هذه المرة في شخصية المحقق الذي يظهر مثل "شيطان" متستر بهيئة إنسان يتحث العربية ليسقط خصومه في شباكه في حين نرى شبابا فلسطينيين عاديين، ما يعانونه يومياً من صعاب يدفع أشد "الملائكة" بينهم الى أن يتخذوا من العنف وسيلة انتقام.   في "عمر" نتلمس محاولة جادة للتفكير في الهاجس السياسي سينمائياً، دون نكران وجود هنات في جوانب فنية لكنه في المحصلة عمل جيد مخلص لسينمائيته يميل الى محاكاة الواقع بصرياً عبر رؤية راهنت على محاججات سياسية  مقياسها الشاشة.

إعلان

مع الجزائري محمد حميدي لا يختلف الأمر كثيراً فهو يعيد إنتاج حكاية المهجر برؤية سينمائية فيها الواقع نفسه غرائبي الهيئة فالجزائري الشاب الذي يقول لأصحابه في فرنسا التي ولد فيها بأنه "جزائري الأصل رغم أنه لم يزرها قط  ولم يولد فيها" لكنه سيعود اليها يومياً  ككائن موزع على مساحة كبيرة من كلمة "وطن". الحكاية تقريباً تكررت في أفلام كثيرة من المغرب العربي ولكنها في القرية التي عاد اليها ستشكل المقهى الشعبي اختلافاً محبباً ينقل روح بلاد موزعة هي الآخرى بين رغبة في التقدم وقوى اجتماعية تقليدية تجرها الى الوراء خالقة صراعاً مختلف الأشكال يظهر على السطح بدرجات متفاوتة، وإن أخذ في فيلم "مولود في مكان ما" بعداً درامياً لذوات تريد الاستقرار في أماكان تؤمن لها كرامتها أو مثل حالة الشاب الفرنسي فريد تمثل استقراراً ينطلق منه لبناء تفاصيل حياته القادمة. الحكاية ستتوزع بين مغامرات الوصول الى الساحل الفرنسي والبحث عن الجذور والأمل في جزائر أحسن فيما تبقى في النهاية كتجربة شخصية متنت هشاشة داخلية مبعثها البحث المضني عن الهوية.

محمد حميدي أثناء تصوير فيلمه

وما يشتغل عليه محمد حميدي يمثل نزوعاً نحو إنجاز سينمائي يركن الى الحكاية ولا يخضع لمسار تطورها التقليدي بمعنى أن الحكاية في فيلمه لا تجر صاحبها الى ما تريد بقدر ما تخضع لرؤية واضحة تجعل من الفيلم منجزاً بصريا أكثر من مقبول على مقياس مساطر مهرجان كانّ، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الصلة الداخلية الرابطة لأبطاله هي فرنسا التي ستتعامل بقسوة مع مهاجريها وحتى مع الذين ولدوا فيها من أصول أجنبية ما يعد خرقاً لقيم العدالة والمساواة التي انطلقت تاريخياً الكثير من أرضها وبتجاوزها تضع القيم الأخلاقية لها موضع نقاش نقدي لا يختلف عن النقاش المطروح في الجهة الثانية من البحر حيث تدفع الدول مواطنيها الى الهرب لأراضٍ ثانية أو بلاد أخرى تتفاعل فيها حيوات مختلفة الجذور أو مثل حالة  الشاب فريد تجره تلك الجذور إلى التربة التي انغرست بها وبالتالي نحن أمام أسئلة تتعلق بالمهاجر والبلاد التي جاء منها والعائد اليها وفي الحالة الجزائرية سيصبح طرحها بالمنظور الذي قدمه محمد حميدي استفزازيا فكيف للجزائري أن يعود لموطنه الأصلي فرنسا، بخاصة وهو لا يعرف غيرها وهذا السؤال سيحيلنا بدوره الى سؤال مشابه عن الفرنسيين الذين ولدوا في الجزائر وخرجوا منها الى وطنهم الثاني فرنسا والتي لا يعرفون عنها الكثير مثل فريد الذي عاد مثل فرنسي إلى وطن سبق لوالده وأن غادره ولكنه ومثل مريض بداء الحنين يريد العودة اليه عبر ولده ليغذي عنده الشعور بنمو الجذور في شجرة لا أحد يعرف من يطلق عليها لقب "بلاد" وهل ستبقى بلاداً لمن ترك بلاده؟          

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان