جديد الوثائقي في الصالات الأوروبية

مازال التعثر يواجه توزيع الأفلام التسجيلية على الصالات السينمائية الأوربية لعام 2013، فنحن نقترب من منتصف السنة، ولا أثر بعد للأفلام التسجيلية الناجحة، من التي تحصد كل عام على شهرة عالمية، و تعرض في عدة دول في التوقيت نفسه، كما تواجه الأفلام التسجيلية، من ذات الموضوعات المحلية او الأوربية، صعوبات توزيع جمّة، بسبب وفرة الأفلام الروائية الجيدة في الأشهر الست الأخيرة، والتي تزاحم الأفلام التسجيلية على الصالات القليلة التي تعرض "الأفلام الفنية". فبعد أن انتهى عرض أفلام الأوسكار الأخير، والتي جذبت بمجملها جمهوراً جيداً وعرضت لأوقات طويلة نسبيا في الصالات، حلّت محلها مجموعة جديدة من الأفلام الأوربية الإنتاج والآسيوية، والتي كانت تنتظر دورها للعرض الجماهيري، ووجدت السينما التسجيلية نفسها مجدداً ضحية المنافسة.
رغم ذلك واصلت صالات سينمائية قليلة (مقارنة بالعام الماضي)عرض الفيلم التسجيلي، فبعد أن كان متوسط عدد الصالات للفيلم التسجيلي الواحد في هولندا او بلجيكيا هو خمسة عشر صالة، تراجع الرقم في الأشهر الأولى من هذا العام الى خمس صالات للفيلم، فيعرض في الخصوص فيلم "أكثر من عسل"، وهو تسجيلي ألماني عن حال العسل والنحل اليوم. الفيلم يختلف بأسلوبيته عن أفلام الطبيعة الشهيرة السائدة، التي يهمين على صناعتها البريطانيون، من جهة بحثه التفصيلي ( طول الفيلم من ساعة ونصف)، وأيضا من جانب الصورة المقدمة والتي قدمت بشكل أقل احتفالي من ذلك الذي تقدم به على شاشات هيئة الإذاعة البريطانية ( بي بي سي). الفيلم التسجيلي الألماني الذي أخرجه ماركوس امهووف، يحذر إن إنقراض أنواع معينة من النحل في العقود الاخيرة، مؤشر خطير على تغيير مناخي كان للإنسان دور فيه، وإن هذا التغيير ربما مؤشر على نهاية ما للأرض كما نعرفها.
كما يعرض في هولندا أيضا، فيلم "شباب في القلب" للمخرج البريطاني ستيفن ولكير، والذي رافق لمدة سبعة أسابيع مجموعة من المسنين الأمريكيين، وهم يحضرون لحفلة لموسيقى الروك، كجزء من مشروع تشرف عليه منذ سنوات مؤسسة فنية في مدينة نورثامبتون الأمريكية، ويهدف لإشراك مسنين بمعدل أعمار يقترب من الثمانين عاما في نشاطات موسيقية تقدم في معظمها موسيقى الروك، والجاز وأنواع إخرى من الموسيقى. وعن الموسيقى، لكن هذه المرة الكلاسيكية، وبالتحديد الإوبرا، يدور فيلم "أن تصبح ترافياتا" للمخرج فيليب بيزات، الذي يرافق تحضيرات فرقة فرنسية لتقديم أوبرا "لا ترافياتا" للموسيقار الإيطالي المعروف جوزيبي فيردي. على طوال ساعتين كاملتين سيسجل الفيلم كواليس تقديم نسخة حديثة من الاوبرا الشهيرة، كاشفاً الجهود الكبيرة لفريق العمل ولأشهر عديدة لإنتاج اوبرا جديدة.
وكذلك يتواصل في هولندا وبضعة دول أوربية اخرى، عرض فيلما : " شيمبانزي " للمخرجيين ألاستير فوثيرجيل ومارك لينفيلد، وفيلم "البحث عن شوغر مان" للمخرج السويدي مالك بن جلول، اذ أدى فوز الفيلم الأخير بجائزة الاوسكار للعام الحالي في فئة أفضل فيلم تسجيلي، الى توزيع سينمائي أوربي جيد، كما واصل القرد "أوسكار" ( الفيلم هو الذي أطلق الاسم على القرد الصغير) في فيلم " شيمبانزي "، جذب الجمهور، وخاصة العوائل، بسبب قصته المؤثرة والتي تتبع يوميات قرد صغير في الغابة، بعد فقد أمه ومحاولاته الانضمام لقطيع من القردة.
لا يختلف الحال في بريطانيا من جهة حصة الأفلام التسجيلية في خارطة البرمجة للصالات السينمائية الفنية، ففيلم تسجيلي مهم وبموضوعة بريطانية مثل "روح 45" للمخرج الإنكيليزي المعروف كين لوتش يعرض في ثلاث صالات في بريطانيا كلها، وكذا الحال لأفلام مثل "انتبه من السيد بيكر" للمخرج جاي بولجر، عن عازف الطبل البريطاني المعروف جنجر بيكر، والذي يعرض في صالة سينمائية واحدة في لندن.
ويعرض فيلم "قرية في نهاية العالم" للمخرجة سارة غافرون في أربع صالات بريطانية، وتسجل المخرجة يوميات قرية على حافة القطب المتجمد في الدنمارك، قريبا من كندا، إذ تركز الانتباه على الحياة في القرية الصغيرة التي لا يزيد عدد سكانها عن 69 شخصا، والتفاصيل اليومية الروتينية التي تواجه سكان تلك القرية الفريدة بموقعها، وظروفها المناخية.
الضرب ثم البكاء
بعد أن نال اهتماماً عالمياً كبيراً عند ترشيحه في القائمة القصيرة للأفلام المتنافسة على جائزة الاوسكار في فئة السينما التسجيلية، وصل الفيلم الإسرائيلي "حراس البوابة" الى الصالات الأوربية، إذ يعرض تجاريا الآن في بريطانيا. يقدم الفيلم مجموعة شهادات لأعضاء سابقين في جهاز "شاباك" الأمني الإسرائيلي، والذي يختص بالأمن المحلي لإسرائيل، لذلك لا يحظى ربما بالشهرة نفسها التي يملكها "الموساد"، رغم أنه لا يقل عنفاً وجدليّة.
لا يُفصح مخرج الفيلم درور موريه، عن "السّر" الذي جعل المسؤوليين الأمنيين السابقيين يتحدثون بهذه الصراحة لكاميراته، رغم أنه من المعروف أن الأجهزة الأمنية في إسرائيل وغيرها تشترط غالبا على منتسبيها الحفاظ على سرية المعلومات، حتى بعد تعاقد هؤلاء أو تركهم للخدمة. مجموعة الشهادات تلك، هي من تمنح هذه الوثيقة التسجيلية قيمة تاريخية مهمة، فهي المرة الأولى التي يتم الكشف عن آليات عمل جهاز الأمن الإسرائيلي، والصراع الطويل الذي تخوضه مع الأحزاب الفلسطينية المسلحة في داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية.
تعود المقابلات الطويلة التي أجراها الفيلم التسجيلي لعقدين الى الوراء، والصراع الذي كان دائراً وقتها، لكنها ستركز كثيرا على فترة سطوع الحركات الإسلامية، وبالخصوص حركة حماس، والعمليات التي بدأت تضرب إسرائيل منذ بداية التسعينات من القرن الماضي. يكشف مسؤولون أمنيون سابقون عن عمليات شهيرة لهم لتصفية زعماء تلك السنوات من الفلسطينيين، منها تلك التي قتلت يحيى عياش في غزة، وكيف رتب هذا الجهاز عودة زوجة الناشط الى المدينة الفلسطينية للقاء زوجها. تلمع عينا المسؤول الإسرائيلي السابق وهو يشرح اللحظات الاخيرة لمقتل عياش، قبل أن ينتقل الفيلم لمشاهد أرشيفية من جنازة الفلسطيني الشاب المهيبة.
المرة الوحيدة التي قاطع فيها المخرج شخوص فيلمه، كانت عندما رغب أن يسأل إذا كان للجهاز الأمني الإسرائيلي أي حسابات للتقليل من قتل المدنيين الفلسطينين في العمليات التي كان يقوم بها، والتي كانت تنفذ بأغلبها من الجو او عبر صورايخ ذكية. الأجوبة جاءت في مجملها مراوغة وغير واضحة بالشكل الكافي، فبسبب "الحذر" الإسرائيلي المفترض من قتل مدنيين أبرياء، وبحسب أحد الذين تحدثوا في الفيلم، نجا قائد حركة حماس الرمزي الشيخ ياسين من محاولة اغتيال، بسبب تقليل حجم القنبلة التي القيت على مقره وقتها، لكن الفيلم لم يتعرض للعملية الأخرى والتي قتلت ياسين في وقت لاحق، والدمار الذي ألحقته العملية، والمدنيين الذين قتلوا مع الشيخ ياسين وقتها.
يكشف معظم الذين تحدثوا في الفيلم، أن تجربة العمل في "شاباك" قد غيرتهم، بل حولت أغلبهم الى صف اليسار الفكري. يغلب التأثر على بعضهم وهو يتذكر لحظات القبض على "إرهابيين"، والرعب الذي أثاره حضور الجهاز الأمني عند الأطفال والنساء من أهل الذين قبض عليهم. رغم القيمة الإنسانية لشهادة "الندم" هذه، إلا أنها تُثير أيضا أسئلة وشكوك، خاصة إن الجهاز الذي كان ينتمي اليه هؤلاء الرجال، مازال يواصل عمله بالهمة نفسها، ويقتل بشكل دوري فلسطينيين في أفرشتهم أحيانا. لم يتغير شيء في الواقع الفلسطيني، سوى إن هؤلاء الإسرائليين، والذين ضربوا بكل قسوة أهدافهم في الماضي، يُظهرون اليوم بعض الندم.
الشيء اللافت إنه ومع تراجع نفوذ شركات التوزيع السينمائية الكبيرة، والتي كانت تحدد في الماضي سياسية البرمجة في الصالات السينمائية، وتحرص على عرض أفلام معينة بعدة دول في الوقت نفسه، أصبح من الممكن أن يعرض فيلم مثل "حراس البوابة" تجاريا في بريطانيا، في الوقت نفسه، الذي يتم فيه عرض الفيلم تلفزيونيا في هولندا وبلجيكيا والمانيا. الامر الذي يشير الى الإستقلالية التي صارت تُميز عمل الصالات السينمائية الاوربية الصغيرة، بسبب تغيير التكنولوجيا، وسهولة عرض فيلم الديجتل اليوم، على أجهزة العرض في الصالات، والتي تحولت في معظمها الى النظام الرقمي، كما لا يمكن إنكار شهية التلفزيون الكبيرة للفيلم التسجيلي، والمساحة الثابتة التي تخصصها القنوات التلفزيونية لهذا الشكل الفني.