المهرجانات السينمائية بالمغرب!!!

كتبتُ مقالا في سنة 2008 بإحدى الصحف المغربية تحت عنوان "… ويسألونك عن المهرجانات السينمائية بالمغرب؟" (عممته أيضا في صفحتي بالفايسبوك قبل شهرين لمن أراد الاطلاع عليه). رصدت في ذلك النص ظاهرة توالد المهرجانات السينمائية بشكل غير طبيعي، وأن أغلبها لا تتوفر فيها الحدود الدنيا بل السفلى للقاء سينمائي يحترم نفسه. ومنها للأسف الكبير مَنْ مَسَّهَا غرور مرضي معتقدة أنها غيرت خريطة الثقافة السينمائية بظهورها ومتوهمة ما لا يتخيله العقل السليم رغم الإجماع على مستواها المتواضع جدا والمشاكل التي خلقتها مع عدد من المخرجين في داخل المغرب وخارجه كعدم تسليم الجوائز المالية المعلنة في نهاية دوراتها. ويُقال أنها تعمل على أن يحصل عادة على تلك الجوائز مخرجون من اقطار بعيدة حتى لا يعلموا بها أصحابها لتبقى في جيوب المنظمين حسب ما داولته بعض الألسن فضلا عن شروط العرض البدائية بأقراص مُقرصنة دون عناء إخبار أصحاب الأفلام إلى حد أن بعض السينمائيين الأجانب استغربوا عند اكتشافهم أن أفلامهم تم عرضها في مهرجان بالمغرب وحصلت على جوائز دون أن يعلموا بذلك إلا شهور أو سنوات بعد ذلك، وغيرها من المشاكل لا تُعَد ولا تُحصى.
يتصل بي بعض المخرجين حين يعلمون بوجودي كمغربي في مهرجانات بالخارج ليعرفوا الحقيقة فيصطدمون حين لا ألبي رغبتهم أو أتظاهر بعدم معرفتي بتلك المهرجانات ولم أسمع بها من قبل. وبعد إلحاحهم بأنهم متأكدون مما يقولونه أحيلهم إلى المركز السينمائي المغربي لمراسلته. وأمام هذا الإشكال الذي "تورط" فيه المركز السينمائي رغما عنه بدون أن يكون له دخل فيه فقد قرر قبل سنوات قليلة بعدم السماح بعرض الأفلام بأي وسيلة كانت إذا لم يتم عرض تلك الأفلام أولا على قسم التأشير بالمؤسسة، مصحوبة بالتزام لصاحب الفيلم يسمح ويوافق بعرضه في ذلك المهرجان مع تحديد تاريخ العرض (كان يُسمى ذلك القسم سابقا بقسم الرقابة). وليس هذا الخلل الوحيد الذي يسود تلك التظاهرات بل كثيرة هي العثرات والمناورات أيضا. وقد كتبتُ عن كثير منها في نصوص بشكل واضح خاصة حين تكون تلك المهرجانات تدعي بما ليس فيها وتصر على تفوقها رغم هامشيتها المطلقة ولم تتطور إطلاقا. كما رفضت في ذات الوقت أن أكتب عن غيرها احتراما لنفسي. وكثير منها تتشابه وكأنها نسخ متكررة بنفس الأفلام ومواضيع الندوات والمتدخلين ونفس "مقدم السهرات" الذي لا نعرف هل هو مُعلم أو موظف أو ناقد أو مخرج أو مُعد برنامج أو مُنَشِّط حيث اختلطت فيه "كل المهن" دون أن يتقن واحدة منها كما يجب، ما دام ينط من واحدة إلى أخرى. وطبعا فذلك مجانا بحب الظهور فقط (تطورت المهن في الغرب لكونهم هناك يؤمنون بالتخصص). لقد أصبح لدى المغاربة تخمة من المهرجانات إلى حد لم يعد الحديث يحلو عنها أو يشجع على متابعتها حتى ولو كانت بجانب الدار. وقد صدق المثل الذي قال "حين يزيد الشيء عن حده ينقلب ضده".
وما زاد في انتشار هذه الظاهرة هو موت الجامعة الوطنية للأندية السينمائية التي كانت لديها نواد تابعة لها في مختلف المدن تنشط على امتداد السنة وتتيح الفرجة السينمائية المتميزة لجمهورها المحلي ففكرت بعضها، التي وجدت نفسها بدون رأس، أن تخلق لنفسها نشاطا محليا سرعان ما حولته إلى ملتقى ثم مهرجان عندما ظهرت "البقرة الحلوب". كما ظهرت جمعيات جديدة ارتمت مباشرة في هذه المعمعة بدون تجربة سابقة لأعضائها. أو بعض الجمعيات الثقافية العامة التي لا تفصل ولا تفرق بين لقاء شعري وآخر غنائي وكأنه يمكنها أن تنظم على نفس المقاس تظاهرة سينمائية التي تتطلب شروطا تقنية وفنية وثقافية لإنجاحها. وقد يكون غياب وجود قاعات سينمائية ببعض المدن له أيضا دوره في ظهور هذه المهرجانات لتقريب السينما إلى جمهورها المحلي لكن تتم بشكل غير سينمائي وعلى هامش السينما التي يريدون ترويجها. وقد تشجع الكثيرون على ذلك لأن الأفلام المُقرصنة أصبحت في متناول الجميع سواء الموجودة في السوق أو التي يتم تحميلها/قرصنتها من الانترنيت. عناصر كثيرة موضوعية وأغلبها ذاتية تتداخل في ما بينها لتمييع أحد الفنون الجميلة.
لقد تم تمييع المهرجانات السينمائية وهذا بشهادة كثير من المهتمين من داخل المغرب ومن خارجه الذين تم استدعاؤهم وتابعوا الكثير منها رغم أن بعض الصحفيين العرب كتبوا العكس في مقالاتهم بعد عودتهم إلى بلدانهم طمعا "في العودة". ومنهم من يكتب عنها قبل أن يصل إليها وتطأ قدماه فضاءها حتى يكتشفها على عين المكان بل يشيد بها وهو جاهل بها لمجرد أنه توصل بدعوة والبرنامج العام الذي قد لا يتحقق ثلثه مع أن بعضهم يدّعون الدفاع عن الحقيقة وحرَسها ولا يوجد غيرهم من يحميها. كما تعمل بعض المهرجانات بإغراء بعض "الأقلام" لتزين صورتها في الإعلام خاصة "المرئي" أو تنشر تغطيات مُنمقة بأسماء مستعارة.
تنظيم الفوضى!!!
تتناسل المهرجانات سنويا فلم يعد المغاربة يفرقون بينها، في أسمائها ومدنها، حيث اختلطت عليهم بتكرارها خاصة وأنها كلها تحولت إلى لقاءات سنوية. فقد تم عقد 52 تظاهرة سينمائية في السنة الماضية (2012) حسب الإحصائيات الرسمية الأخيرة للمركز السينمائي المغربي. ولم يذكر المركز السينمائي في إحصائياته تلك نوعية أخرى من المهرجانات التي تناسلت بدورها كثيرا في السنين الأخيرة وهي المسماة بـ"مهرجانات السينما التربوية" التي ترتبط كلها بأكاديميات ونيابات التعليم بحيث بعض الأفلام المشاركة في هذه النوعية الأخيرة (التي يقولون عنها تربوية) نجدها أيضا في المهرجانات السالفة الذكر أعلاه أو في مهرجانات الهواة إذ أصحابها أنفسهم غير واعين بالنوعية التي يشتغلون عليها فهَمُّهُم هو المشاركة في أكبر عدد من المهرجانات متوهمين أن ذلك يعطيهم الشرعية.
لا عيب في وجود مهرجانات كثيرة لأن ليس هذا هو العيب في ذاته بل في مكوناتها. إن الأقطار الأوروبية كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا على سبيل المثال لا الحصر بها أيضا مهرجانات كثيرة لكنها منظمة واحترافية بما فيها التي يمكننا اعتبراها "صغيرة". لكل تظاهرة مكانتها في فسيفساء الثقافة السينمائية وفنونها.
وأمام هذه التخمة المرضية التي مستنا قررت الوزارة الوصية على السينما في المغرب، وهي وزارة الاتصال، بالتعاون مع المركز السينمائي المغربي الذي ينتمي إلى إدارتها قانونيا "تنظيم هذه الفوضى" غير المُعلنة، والتي قد تبدو من الخارج صورة إيجابية تخفي في الواقع شططا كثيرا، بسن قوانين جديدة تقوم بموجبه تصنيف المهرجانات وتحديد من منطلقها الدعم. وقد صدر القانون المُنظم للمهرجانات في الجريدة الرسمية عدد 6086 بتاريخ 27 أيلول / سبتمبر 2012 بعد موافقة الحكومة عليه. و سيلاحظ القارئ المتمعن لهذا القانون بأنه هو نفسه يعاني من خلل في مقوماته وتفاصيله وأنه تم بعقلية غير احترافية في مجال القانون بل بعيون العمل الجمعوي الهاوي بدور الشباب من عقد السبعينات القرن الماضي. لكن للأسف صدر في نشرة رسمية حكومية تصبح مرجعا يتحكم في صيرورة مجاله ويُحْتَكَمُ إليه أيضا وتمت المصادقة عليه. تجاوزا، سأتعامل معه ودون الوقوف عند تفاصيله لأنه ليس مجالي في هذا النص.
يتكون القانون المتعلق بدعم تنظيم المهرجانات السينمائية من 8 مواد. وإجمالا فإن القانون غلب الجوانب التقنية المحضة بسذاجة وغيب البعد الثقافي في حقل السينما ومتطلباته وكأن مهمة اللجنة هي الحراسة المالية فقط وأين سيُصرف الدعم. ورغم حرصه على الضبط التقني إلا أنه وجد نفسه في ورطة أخرى حول من سيقوم بالمراقبة البعدية؟ اللجنة نفسها أم كتابتها أو المركز السينمائي المغربي كمؤسسة خَوَّلَ لها القانون الإشراف السينمائي أم طرف ثالث محايد؟ لقد حضر رئيس اللجنة نفسه في مهرجان مدينة الداخلة وأحد أعضائها كان عضوا بلجنة التحكيم في أحد المهرجانات وهو نفسه أيضا الذي روج لمهرجان في صفحته بالفايسبوك لأحد المهرجانات الذي دعمه. فهل يحق للجنة أن تكون حكما وهي طرف في تحديد الدعم؟ خاصة وقد تبين بالملموس انحيازها لبعض التظاهرات المتواضعة جدا بشكل فاضح وتحاملت على أخرى لها تاريخ في تأسيس الثقافة السينمائية وشهرة دولية بانتقام غير منطقي وسنسوق ذلك في مستهل حديثنا عن الموضوع الذي أصبح الآن يحتل العنوان الرئيسي عن السينما في المغرب. وخلق نقاشا واسعا بين مختلف الأطراف المعنية وردود فعل متباينة جدا انتقلت إلى المواقع الاجتماعية.
مَنْ يُراقب مَنْ؟؟
وهنا تُطرح قضية أخرى وهي التقارير. لم تنشر اللجنة تقريرها عن اجتماعها الأول للدعم لتقدم فيه تبريراتها للعموم مادامت الوزارة تدعي الشفافية (أو ربما هي نية حسنة فقط في ضميرها وليس للناس) حتى نتعرف على قراراتها ونستوعب أو نفهم دواعيها في توزيع الدعم؟. وهل ستنشرها بعد إتمام الدفعة الأولى من المهرجانات في أفق انعقاد دورتها المقبلة في شهر يوليوز؟ أسئلة أطرحها لنعرف مدى شفافيتها قولا وفعلا. ولا نقصد بهذا السؤال الاكتفاء بنشر قيمة الدعم لكل مهرجان الذي أعلنت عنه بل نريد حيثياتها أساسا.
كما نتساءل عن نقطة عملية أخرى وتتعلق بمصاريف تتبع اللجنة للمهرجانات. قيل بأنها ستكون من الميزانية المخصصة للكتابة. فهل يتحدثون عن النقل وتعويضات العمل خارج الإدارة فقط أم ستشمل أيضا الأكل والمبيت في الفنادق؟ وهل ستقدم بدورها فاتورات عن تحركاتها؟ فقد توصلنا بأخبار تقول عكس ذلك بأن المهرجانات نفسها هي التي تتحمل مصاريفهم كلها خلال وجودهم بها أثناء "المراقبة". علما أن القانون لم يلزم المهرجانات بذلك وهذا الخلل سيجر إلى انحرافات أخرى جديدة لا داعي للمزيد في الشرح في ما يخصها كما يقول المثل "شرح الواضحات من المفضحات". ولا نريد بهذه الإشارة كب الزيت في النار لأن اللجنة تريد أن تكون هي سيدة الموقف وحدها فنتساءل بدورنا عن الشفافية.
إذا عدنا إلى اللجنة نفسها فقد سمعنا عن مداولتها مع ممثلي المهرجانات ومدرائها نكتا حول الجهل السينمائي حيث بها من لا يفرق بين المسابقة الرسمية والعروض الموازية وبين الندوات والورشات. ومن يريد أن يتظاهر بالعارف المتخصص فيسقط في التناقض حين يطالب مهرجانا ما – كحالة مدينة القنيطرة – بضرورة توفير قاعة سينمائية في المدينة للحصول على الدعم حين لا يجد ما يدحض به الملف الموضوع أمامه متناسيا – أو عن جهل كلي – بكون 98 % من المهرجانات لا تتوفر مدنها على القاعات وبالتالي ينبغي حجب عنها الدعم كله واقتصاره على مهرجانين فقط. أو الحد من طموح تظاهرة ما لكي تتطور كما حصل مع مهرجان سَبُو للفيلم القصير بالقنيطرة الذي أراد أن يوسع خريطته نحو الأقطار المغاربية فإذا باللجنة تمنعه بحجة وجود مهرجان آخر بشرق المغرب يشتغل بهذه الخريطة. فهل ستقوم بنفس الموقف تُجاه المهرجانات العديدة حول الفيلم القصير ومهرجانات الأفلام الأمازيغية والوثائقية التي أصبحت موضة جديدة هذه السنة؟ (سننتظر)
أو تجد في اللجنة من يعتمد على الملف المُقدم له الذي يتضمن نصوصا صحفية تم انتقاء نصوصها ب"عناية" لا وجود فيها للنصوص النقدية ودون إلتجاء اللجنة للبحث على هوامش الملفات والمسكوت عنه فيها. وهلم جرا من الأمثلة. لكن تبين أن اللجنة كانت سخية مع بعض "التظاهرات" المحسوبة على "الحزب الحاكم" كما حصل مع تظاهرة لفصيل من طلبة جامعة طنجة دُعاة "السينما النظيفة وفن الحلال" الذين صاغوا ملفا فيه كثير من المغالطات كتقديم أسماء للجنة التحكيم أعضاؤها لم يكونوا على علم إلا حين اتصلت شخصيا بهم وكان وجودهم فيها ل"إيهام" اللجنة فقط. أو مهرجان الذي ادعى استضافة الممثل المصري عادل إمام وقد أخبرني أحد أصدقائي الصحفيين المصريين المقربين من الممثل عندما سألته عن الأمر لأن هذا الصحفي عادة ما يرافق عادل إمام في تنقلاته باعتباره ملحقه الصحفي أن لا علم له بالأمر وأنه بالإمكان رفع دعوة ضد المهرجان. نسوق هذه الأمثلة لأن اللجنة لا تبحث في الملفات الموضوعة أمامها بل تكتفي بأسئلة ساذجة حسب ما وصلني. أتمنى أن ينتبه رئيس اللجنة الأستاذ حسن الصميلي لهذه التفاصيل حتى لا يضع ثقته العمياء في بعض "الأراء" حوله وهو الذي أعرف ذكاءه العلمي والثقافي واستقلاليته الإيديولوجية والسياسية.
ولن يقتصر الدعم على المهرجانات المقيمة في المغرب فقط وإنما يشمل المهرجانات التي ستُقام في الخارج أيضا حول السينما المغربية، جزئيا أو كليا، فهل ستنتقل اللجنة في هذه الحالة إليها لمراقبتها؟ سترتفع ميزانياتها حينها بدون شك؟.