ماهر عبد الرحمان: تجربة مريرة مع الوثائقي

علاقة ماهر عبد الرحمان بالإعلام قديمة، انطلقت في سنّ مبكرة وتحديدا خلال الدراسة الثانوية، وتمّ تكليفه برئاسة تحرير نشرة الأخبار في القناة التونسية في سنّ الثامنة والعشرين. ثمّ وبعد سنوات قليلة شارك في تأسيس أول قناة عربية تبثّ عبر الأقمار الصناعية وكان رئيس تحرير الأخبار فيها..
عاد إلى تونس وأسس أول وكالة أنباء تلفزيونية مستفيدا من تجربة ثرية ومتنوعة بين بريطانيا وأمريكا، هذا فضلا عن عمله كخبير لدى اتحاد إذاعات الدول العربيّة وهيئة الإذاعة البريطـانيّة، ومستشارا لدى عدد من القنوات والجهات الإعلاميّة العربيّة.
أنتج ماهر عبد الرحمان عددا هامّا من البرامج والأفلام الوثائقية وقدم للتلفزيونات العربية أفلاما تسجيلية مهمة.
تجربة طويلة وثرية في مجال الإعلام المرئي.. بين تونس وعدد من العواصم الأوربية والعربية توزعت اهتماماتك المهنية وتنوّعت، من أين يمكن أن نبدأ رحلة التعرّف على بعض ملامح هذه التجربة بعد كل هذه الأعوام؟
التـجربـة بـدأت مبـكّـرة جـدّا. فمـن هـوايـة قـراءة الشـعر في بـرنـامج خـاصّ بالمستـمعيـن في إذاعـة صفـاقس، إلـى تقـديم البـرامج ثم قـراءة النشـرات الإخبـاريّـة الصبـاحيـّة قـبل ذهـابي إلى المعهـد الثـانوي. ثـمّ استـمـرت عـلاقتي بالإذاعـة بـعد دخـولي الجـامعة في تـونس نـظرا للتـجربـة السـابقـة في إذاعـة صفـاقس الجهـويّـة وإثـرهـا كمـذيع أخبـار تلفـزيونيـة في جـانفي 1980 وكنـتُ في بـدايـة سـنّ العشـرين. استمـرّت التـجربـة في التـحـرير والريبـورتـاج إلى حـد تعييني رئيس تحـرير للأخبـار للقنـاة الأولـى، وكـان عمـري 28 عـاما. وبـعـد بـعث القنـاة الـتلفـزيّـة الثـانيـة سـنة 1989 والتـي كانت تُـعرف وقتـها بالقنـاة المـغاربيّـة ، طـُلب منّـي تـأسيس قسم للأخبـار.
اجتـهدتُ في إعـطاء بـعد جـديد للمـادّة الإخبـاريّـة شكـلا ومضـمونـا لأنـنـا جميـعا صـدّقنـا في البـداية وأنّ هنـاك ريـاحا جـديدة من الـتـّغييـر، ومـن الديمقـراطيّـة. وكـانت نشـرة "المـغاربيّـة"، وخـاصّة مع انـدلاع حـرب الخليـج الأولـى أكثـر النشـرات مشـاهدة مقـارنـة بالقنـاة الأولى وقنـاة فـرانس2 التي كـان لـها بثّ أرضي، وقنـاة "راي" الإيطـاليـّة. ووصلت نسب المشـاهـدة حسـب استـطلاع لشـركـة "العمـوري" في ذاك الوقت تفـوق الـ 80 بالمـائة.
لـكن تبيّـن فيمـا بعـد وأنّ المسـألـة كـانت مسـرحيّـة محبـوكـة. فبـعد فتـرة السنـتيـن الأوليين من الحـريـة، عـادت التـعليمـات كمـا كـانت في عهـد بـورقيبـة. فسعيـتُ جـاهـدا أن أغـادر التـّلفـزة إلى أيّ ميـدان آخـر. وكـانت رحمـة ربـك كبيـرة حيـثُ تم الاتصـال بي بـدايـة سنـة 1991 للالتـحاق بلنـدن للمشـاركة في تـأسيس إدارة أخبـار الأم بي سي. ورغـم الاعتـراض على مـغـادرتـي للتـلفـزة التـّونسيّـة والـوعـود، خيـّرتُ الانسحـاب والـدخـول في تـجربـة جـديدة خـارج حـدود الـوطن. وكـان الأمـر مـغـامرة لأنّ الأم بي سي كانت أوّل قنـاة عـربيّـة خـاصّـة تبـث بالأقمـار الصّـناعيـّة، ولا يـُعـرف مـدى إمكـانيـّة نـجاحـها. لكـن كنـتُ في وقت ما مستـعـدّا للالتحـاق بـإحـدى المنـظمـات الـدوليـة للعـمل كمتـطوّع حتـّى أهـجـر التـلفـزة التـّونسيّـة.
كـان لي الشـّرفُ في الأم بي سي، أن أكـون أوّل عـربيّ يتـولّـى رئـاسـة تحـرير الأخبـار. ونـظرا لخـبرتي السّـابقـة، واطـلاعي على التـجـارب الـدوليـة، ودراستـي للإعـلام في تـونس والـولايـات المتـحدة، تمـكّنتُ من إنتـاج أهـم نشـرة إخبـاريّـة عـربيّـة علـى الإطـلاق في وقتـهـا. وكـانت لي زيـارات مكثـفـة لأمـريكـا انـطلاقا من لنـدن، وكـُنتُ، بوصـفي أيـضـا مديـرا للعمليـات الـدوليـة في الأم بي سي، عـضـوا في الجمعيـّة الأمـريكيّـة لمـدراء الأخبـار، وهـي جمعيـة مفتـوحـة أيـضا للمسـؤولين في القنـوات مـن خـارج أمـيركا.
المـرحلـة الأخيـرة كـانت اختيـاري تـأسيس وكـالة أنبـاء تـلفـزيونيّـة انـطلاقـا من تـونس. والحمـد للـّه، ورغـم الصـعوبـات الجمّـة السـّابقـة تمكنّـتُ من العمـل. وكـان غـطائي ارتبـاطي الـوثيق بالقنـوات التـلفـزيونيّـة الـدّوليـة الـذي كـان تـرسـا لي ضـد أيّ تعسّـف، إذ كـان هنـاك في عهـد بن علـي احتيـاط كبيـر في التـّعـامل مع الإعـلام الخـارجي حتـّى لا تقـوم عليـه الحمـلات.
وبالتـّوازي مـع إدارتي للـوكـالـة، أعمـل خبيـرا لـدى اتـحاد إذاعات الدول العـربيّـة وهيئـة الإذاعـة البـريطـانيّـة، ومستشـارا لـدى عـدد من القنـوات والجـهات الإعـلاميّـة الـعربيـّة.
أنتجت عددا من الأعمال الوثائقية التلفزيونية ، كيف تقدم هذه التجربة ؟
أعشـقُ البـرامج الـوثـائقيّـة، لأنها بـاختصـار تختـزل كـلّ المـعارف وتقنيـات الإنتـاج في مـجال الإنتـاج السّـمعـي والبـصري لتقـديم مـادّة تـرسـخُ في ذهـن المتـفـرّج وتُسـاهمُ في تـكوينـه. ونمـا هـذا العشـق لـديّ طيلـة السـنوات العـشر التي قضيـتها في بـريطـانيا حيث كنـتُ أتـابع بشغـف كبيـر إنتـاجات البي بي سي من الوثـائقيـّات، وهـي من أرفـع طـراز مـوجود في العـالم.
لـكـن للأسـف، الـوثـائقي في الـدّول الـعربيّـة هـو آخـر اهتـمام القنـوات العـربيّـة.
وما هي أسباب ذلك في رأيك؟
أسباب عديدة، السّبـب الأوّل هـو أنّ إنـتـاج الوثـائقيّـات يـأخـذ وقتـا طـويلا في الأبـحاث والتـحضيـر ثـمّ التنفيـذ. والتـلفـزيونات العـربيّـة ليـس لـها الصـبـر على الانتـظار الـطـويل لإنـتـاج الوثـائقيّات الحقيقيـة لأنّ هـذا النـّوع من الإنتـاج يفتـرض تخـطيـطا علـى مـدى طـويل. فالبي بي سي مثـلا، لـها كـاتـالوج لمشـاريع إنتـاج الـوثـائقيّـات يمتـدّ علـى خمـس سنـوات. ومثـل هـذا التـخطيط هـو من ضـروب الخيـال في الإعـلام التـلفـزيوني العـربي.
امّـا السبب الثـاني، فـهو مـادي، إذ أن الإمكـانيّـات والأبحـاث المعمّـقـة والـوقت الـطويل للإنتـاج والـذي يتـطلّب أحيـانا سنـوات، مكلفٌ للـغـايـة. فـلائحـة الأسـعار للبي بي سي يمـكنُ أن تقـارب المليـون ونصف المليـون دولار لإنتـاج سـاعـة واحـدة من الوثـائقيـّات المتميـّزة، وهـذا المبـلغ يـوازي ميـزانيـّة مسـلسل رمضـاني في أغلـب القنـوات العربيـّة.
ولـذا، تُخيـّر التـلفـزيونـات العـربيّـة شـراء برامـج وثـائقيّـة مـدبلـجة وجـاهـزة آنيّـا للبـثّ وبأسـعار متـدنّيـة، أي حـوالي ألف دولار للـوثـائقي. وهـي عـادة وثـائقيّـات أنـتجت في دول غيـر عـربيّـة وتـم استـهلاكهـا لسنـوات طويلـة قبـل عـرضـها عـلى البـيـع لشـركات الـدبلـجة.
لهـذا لـم أُوفّـق في الحقيـقة عـلى تـلبيـة طمـوحي في إنـتـاج الـوثـائقيّـات كمـا أُريـدهـا. ففـي السـنـوات الأولـى من محاولاتي في هذا الميدان، أنتـجتُ بـعض الـوثـائقيّـات بميـزانيـّات محـدودة. لـكن لـم أوفّق في تسـويقـها، وعـرضت علـيّ إحـدى القنـوات الـدوليّـة سـعرا لا يغـطّي تكلـفـة الأشـرطـة المسـتـخدمـة لتـصـوير هـذه البـرامج. لـكن اضـطررتُ للتـفـريط فيـها لمـوزّع أوروبّي حتـّى تـرى النـّور، وشـاهدتـها بنفسـي علـى أكثـر من قنـاة، لكـنّ المـوزّع لـم يـدفع قـرشـا واحـدا.
كمـا كـانت لي تجـاربُ أخـرى مـريـرةٌ احيـانا مـع قنـوات عـربيّـة، حيـثُ أنفقـتُ الكثـير من الأمـوال على مشـاريع لم تكتـمـل بسبـب سـوء الإدارة في بـعض القنـوات العـربيّـة، وفسـاد بـعض المسـؤوليـن في أخـرى.
كيف يمكن أن نتحدث عن خصوصية الفيلم الوثائقي التلفزيوني؟ وما هي أهم مقوماته وما الذي يجعله مختلفا عن شقيقه السينمائي؟
أهـمّ اختـلاف بيـن الفلـم الـوثـائقي والفلم السينمائي هـو طبـعا الاختـلاف بيـن الـواقـع والخيـال الدرامـي.
فالوثـائقي ينقـل لـك الحقيقـة كمـا هـي، لكـن باستـخدام أدوات بحـث وتحـليـل تـأخـذ من مختـلف العـلوم الأخـرى سـواء منـها الصحيـحة أو الطبيـعيّـة أو الإنسـانيّـة مثـل علـم النـفس والاجتـماع بمختلـف فـروعـه. فمنـتج ومخـرج الـوثـائقي يـجب أن يـأخـذ في الاعتبار أنـه يقـوم بعـمل يقـتربُ أكثـر مـا يُمـكن للعلميّـة، أي أن يكتـبُ سينمائيا مـع الـتّـقـيـّد بالصـّرامـة العلميـّة. وهنـاك أمثـلـة قُبـلت فيـها بـعض الأفـلام في الجـامعـة كبـحث علـمي. ومثـال عـلى ذلـك، نـيل المـخرج التـونسي فـريد بـوغـدير شهـادة الـدكـتوراه بفلـمه الـذي يـُوثّق للسينـما الإفـريقيّـة.
والـوثـائقي في تقـديري الخـاصّ هـو اختـزال بالصـّورة والصـّوت للأبحـاث العلميّـة في كـلّ مجـالات المعـرفـة بـدون استثنـاء، مـع تبسيـط ضـروريّ حتـّى يفـهم المشـاهـدُ مهمـا كـان مسـتواه الثـّقافـي المـوضوع. وهنـا تكمـُن الصعـوبـة العمـليّـة حيـثُ أنّ التـبسيـط العـلمي عـن طـريق الوثـائقيّـات ليـس دائمـا بالأمر السـّهـل إذ يتـطلّب مقـدرة فـائقـة علـى التـحكّـم بتقنيـات الإنـتاج السينمائي أو التـّلفـزيـوني، وإخضـاعـها لعـمليّـة نشـر المـعلـومـة العلميّـة دون المسـاس بقـواعـد الـدقّـة.
امـّا الكـتـابـة الدراميّـة في السينما فهـذا أمـر آخـر يخضـع فقـط لخـصوبـة الخيـال، وتقنيـات كتـابـة السّينـاريـو.
من بين أهم أعمالكم سلسلة "زمن بورقيبة" والذي بات وثيقة تاريخية مازالت القنوات تتداولها مع كل مناسبة تتعلق بالزعيم الراحل الحبيب بورقيبة فضلا عن الاستشهاد بمقتطفات منه، في رأيك هل أنّ هذا يؤكد نجاح فكرة الفيلم وطريقة إنجازه؟
نجـاحُ وثـائقي "زمـن بـورقيـبـة" بحـلقـاته السـتّ، يكمـُن حسـب اعتـقادي فـي عـدّة أسبـاب:
أوّلـها في شخـص بـورقيبـة نفسـه بـاعتبـاره شخـصيّـة وطنيـّة وتـاريخيّـة، ليس في تـونس فقـط، بـل وفـي العـالم الـعربي، وحتـّى الغـربي. وهـو شخصـيّـة كـاريـزمـاتيّـة لا يـمكـنُ المـرور عليـها بـدون جلـب الانتبـاه لـه، سـواء اتفقـت مـع سيـاسـاتـه أو اختـلفت معـها، اعتبـارا إلـى أنّـه وضـع بصـمـة عميقـة على المـجتـمع التـّونسي، وكـانت لـه مـواقف صـادمـة من قضـايا دوليّـة من ضمنـها القضيـّة الفلسطيـنيـّة.
والسّبـب الثـّاني كـان استـئنـاسي بالعمـل العلـمي في التـّأريـخ. فقـد سعيـتُ جـاهـدا أن اعتـمد أكثـر مـا يمـكنُ من الشـهـادات الحيـّة لمـن عـاصـروا بـورقيبة، واعتـمدتُ الـرّأي والـرّأي الـداعم، والرأي والـرّأي المخـالف، وفـي هـذه الحـالـة الأخيـرة، وعنـد التضـارب، كنـتُ ألـجـأ للمـؤرخيـن للفصـل.
نصّ الحـلقـة الأولـى كتبـهُ الـزميـل الـهادي الحنـّاشي، وهـو صـاحب فـكرة المشـروع لقنـاة العـربيّـة، وأدخلـتُ عليـه تعـديـلات لـخلق نـوع من التـوازن، وإضـافـات لأحـداث مـرّ عليـها النـصّ مـرورا سـريعـا مثـل الصـراع البـورقيبي اليـوسفـي.
وفي الحلقـات الخمـس اللّاحقـة غيّـرتُ تمـاما من أسلـوب الكتـابـة التـي تـولّيتـها بنفسـي، خـاصّـة حلقتـي حـرب بنـزرت والصـراع مـع ديـغـول، ثـمّ حلقـة النـزاع العـربي الإسـرائيلـي ونـزاع بـورقيبـة مـع عبـد النـّاصـر، وبـعـدها التجربة الاشتـراكيّـة ومشـروع الـوحدة مـع ليبيـا. فـكـان النـصّ قليـلا مقـارنـة بالشهـادات لأنّـها الأهـمّ. لـكن كـان مـونتـاج هـذه الشـهادات حسـب خـطّـة تـأخـذ في الاعتبـار طـرح الإشـكاليّـة، ثـمّ البـحث عـن أجـوبتـها مـن خـلال مجـرى الأحـداث مـع غـربلـة الشـهادات، وتـرك مـا هـو غيـر متـأكـد أو مشـكوك فيـه جـانبـا.
أما العنصـر الثـّالث فـهو أن هـذا الـوثـائقي أتـى بـقـراءة مـختـلفـة عـن القـراءة الـرسميّـة لزمـن بـورقيبـة. فالمشـكل الـذي كـان مـطروحـا، ولا يـزال مستمـرّا إلى اليـوم هـو أن تـاريـخ بـورقيبـة ظـلّ مكتـوبـا بطـريقـة دعائيّـة، واستـمرّ تـدريسـه بالمـعاهـد علـى هـذا الأسـاس، حـتى أن بـعض الأسـاتـذة، وإلـى اليـوم، يـطلبـون من طلبـتهـم مشـاهـدة وثـائقي "زمـن بـورقيبـة" باعتبـاره وثيقـة شـاملـة تلـخّص لأهـم محـطات الحكـم للـزعيـم الـراحـل باستقـلاليّـة وحيـاد.
والحمـد للّـه، فـإن هـذا الـوثـائقي ضـرب رقمـا قيـاسيّـا في إعـادة بثـّه سـواء في قنـاة العـربيّـة أو في قنـوات أخـرى، وبيـعت منـه عشـرات الآلاف من النسـخ علـى الأقـراص المضغـوطة سـواء في الخلـيـج أو في تـونس.

بحكم خبرتك في مجال الأخبار من ناحية والوثائقي من ناحية أخرى ما حدود التلاقي بين الوثائقي وبين الربورتاج تلفزيوني.؟ أو إلى أي مدى يمكن اعتبار بعض التحقيقات المصوّرة أفلاما وثائقية؟
الربـورتـاج هـو تغـطيـة لحـدث آنـيّ عـابـر. وعـادة مـا يـكون وصفيّـا ونقـلا للحـدث مـن زاويـة معيـّنـة. ومهمـّتـه الأسـاسيّـة هـي الإخبـار. أما التحقيق فهو الـربـورتـاج الـذي يبـحث في الأسبـاب، ويـحـاول قـراءة النّـتـائج والآثـار المتـرتّبـة عـن الحـدث. وغـايـته عـادة خـدمـة المصـلحة العـامّـة بتـوعيـة المُشـاهـد عن مسـألـة تهُمـّه.
أمّـا الـوثـائقي الحقيـقي، فيـذهب شـوطـا أبـعد، إذ يـجمـعُ بيـن الإخبـار والـتـوعيـة والتـثقيف والتّـعليـم. وهـو مقيـّد أكثـر مـن الأجنـاس الصّـحفيّـة الأخـرى بـضرورات الدقـّة العـلميّـة التـي ذكـرتُـها آنفـا.
وأقـول "وثـائقي حقيـقي" لأنّ أغلـب مـا يُسمّـى وثـائقيّـات في الدّول العـربيّـة، هـو عبـارة عـن ربورتاجات إخبـاريّـة، أو تحقيـقـات ممـطّـطة لا تفـي بالحـاجـة الكـاملـة في الأهـداف المـُراد تحقيقـها من خـلال الـوثـائقـي.
كمـا أنّ تقنيـات الإنتـاج تختـلف بـيـن الـوثـائقيّـات من جهـة والربورتاج من جهـة أخـرى. فالـريبـورتـاج يعتـمد تقنيـة الإنتـاج البسيـطـة من تـصويـر ومـونتـاج وكتـابـة للنـصّ. لـكن الـوثـائقـيّ، وحتـّى يـرقـى لاسمـه ووظيـفـته، فـإنّـه، وحتّـى يشد المشـاهـد إليـه، يـحـاول أن يقتـرب أكثـر من تقنيـات الإنتـاج السينمائي. وهـذه التقنيـات معقـّدة ومكـلفـة. ولـهـذا لا غـرو وانّ اهـم الوثـائقيّـات في العـالم هي التـي أنتـجهـا السّنـمائيـّون.
اليوم بعد ما اصطلح عليه بالربيع العربي، أصبحت الأعمال الوثائقية مثل سيل جارف، الجميع دون استثناء أصبح يصوّر ويقدم مساحات زمنية على أنّها أفلام وثائقية، كيف تنظر لهذا الأمر من وجهة نظر المتخصص؟
الثـوثيق عمـل هـامّ جـدّا سـواء قـام به متخصـّصـون أو حتـى مصـوّرون هـواة. لـكن الفـرق هـو فـي وجـود القصـة من عـدمهـا. والفـرق بيـن المهنـيّ والهـاوي، يكمـنُ في طريقـة حـَبـْك القصّـة، ونقـل الـرؤيـة أو الفـكرة إلى المتـفـرّج، والقـدرة على الكتـابـة بالكـاميـرا.
وحتـّى نُطـلق عـلى أيّ عمـل إنـتـاجي تسمـية وثـائقـي بالفـعل ويـؤّدي وظيـفتـه، أُعيـد التـّأكيـد علـى مـوضـوع العلميّـة في المعـالـجـة.
لكـن التـوثيق مهمـا كـان الطـرف الذي وراءه، فلـه قيـمتـه. فمـا لا تـراه قصـّة اليـوم، قـد يـكون كـذلـك في زمـن قـادم. قـد لا يعنيـك فـِلـم ينـقل لك حـركـة المـرور اليـوم لأنـك تشـاهـدهـا في كـلّ الأوقات، وتـعرف أنـواع السيـارات وأشكـالهـا، والطـرق التي تسيـر عليـها، وتصـرف السـائقين، وهنـدامهم، إلخ…. لكـن هـذا الفلـم الـذي لا قيمـة له اليـوم يصـبح كنـزا من المعـلومات بعـد ثلاثين عـاما لمـعـالجتـه وتحـليـله. بالضبـط مثـلمـا تنـظر بكـلّ حمـاسـة وحنيـن أحيـانـا إلى فلـم أو حتـّى صـورة فتوغرافية لمـدينتـك أو حيـك في الخمسينـات أو الستيـنـات، فتقـرأ في البنـاءات وأشـكالـها، ولبـاس النـّاس ومـا يسـتخـدمـونه… لـذلـك يُصبـح الفلـم الذي لا قيمـة له اليـوم كنـزا معلـومـاتيّـا في المستقـبل.
نعلم جميعا أنّ حظ الأعمال الوثائقية سواء التلفزيونية أو السينمائية قليل من حيث العرض خاصة في القاعات السينمائية، في رأيك ما سبب هذا الغياب أو التغييب؟
المسـألـة ليـست خـاصّـة بقـاعات السينـما في تـونس أو الـدول العـربيّـة، بـل في كـلّ العـالم. قاعات السينـما مخصّـصـة دائمـا للفلـم الـدرامي وليس للتـوثيقي. فـلا يمـكن أن تـذهب في أمـريكـا لمشـاهـدة فلـم وثـائقي في قـاعـة سينمـا رغـم وجـود الآلاف منـها ورغـم إنتـاج مئـات الأفـلام سنـويّا في هوليوود.
هنـاك حـالات نـادرةّ مثـل فلـم "فـاهرنهـايت 9/11" للمخـرج الأمريـكي مـايكـل مـور.
ولأنّ الفلـم الـوثـائقي يلتمـس تفسيـر الوقـائع، فـإنّ الـواقـع ليـس مـرغـوبا دائمـا، ويتـمّ تـجاهلـه في أحيـان كثيـرة أو حتـّى محـاربتـه. لـهـذا لا يمـكنُ أن يـكون لـه انتشـار واسـع كمـا للسّيـنمـا لأنّـها مهمـا صـوّرت الـواقع، فـإنّه يتـمّ اعتبـاره مـن قبـيل الخيـال الأدبـي.
فمـن المفـارقـات، أنّنـا كُنـّا نُمنـَعُ في العـهـد السّـابق من التـصـوير في الأحيـاء الشعبيّـة أو المنـاطق الفقيـرة بـدعـوى أنّ ذلـك يقـدّم صـورة سيئـة عـن تـونس. ولمـّا أتـحجّج أنّ نفـس الأمـاكن يتـمّ اختيـارهـا لمـنـاطق تصـويـر في السينـمـا، مثـل فلـم "السيـدة" لمحمـّد الـزرن، تـكـون الإجـابـة وأن الفلـم هـو "خيـال" وقـد يعتقـد المتفـرج الأجنبـي وأنّ كـلّ المسـرح هـو ديكـور… هكـذا.