" من خلال النار ": الوثائقي يصنع جغرافيته

حفظ

1

صورة ما، غير مقيدة بجغرافيتها الخاصة، لأنها صورة إنسان وقد تحول إلى قاسم مشترك لتلك الحياة المجهولة  والمتوارية عن انظارنا، إنسان يصنع فضاءه الحيوي ويمضي فيه معبرا عن ذاته. قصة تلك الجغرافيا الوثائقية  تبدأ منذ بواكير الفيلم الوثائقي من " نانوك ابن الشمال " لفلاهيرتي، في تلك المساحة الإنسانية لتحولات رجل الشمال ويومياته صار الفيلم الوثائقي  ينسج خيوط جغرافيته وحدوده منطلقا من الإنسان، الإنسان غير المعني بتلك الجغرافيا الافتراضية بقدر عنايته بمن هو وما هي إرادته وتحولاته .إنسان ينغرس في قلب دائرة الطبيعة لا يحيد عنها، ربما يدرك أنه أصبح قطبا اساسيا فيها او يشعر انه الهامش المنسي ازاء ضخامة ما حوله، في حالة نانوك، البيئة البيضاء القاحلة الممتدة الى النهايات فيما هو كائن يمارس يومياته غير عابئ بما هو حوله.
هذا الانشداد الصامت للمكان يعبر عنه "إدوارد هال" وهو من أوائل من نظروا لهذا الأمر على انه التكوين الحسي للمكان الإنساني اذ لكل كائن حي دورته وفضاؤه المكاني . لكن القصة مع بيئة نانوك انها صنعت الأرضية التي لا نقرأ من خلالها الفيلم الوئائقي بل نقرأ  جدلية الجغرافيا فيه. ولعله من الملفت للنظر ان تمضي هذه الدائرة قدما على مر تاريخ الوثائقيات،  تصنع جغرافيتها، يحصل ذلك في تجربة الرائد جريرسون كما عند بول روثا لكن بالموازاة سوف نبحث عن البيئة الغفل والإنسان الذي ينحت وجوده في قرارتها .

2

في اطار متعة الاكتشاف المكاني التي يؤسسها الوثائقي سنمضي مع المخرجين غيرنوت ستادلير وليان ويتني في فيلمهما "من خلال النار"، فهما يؤسسان متعة الاكتشاف من خلال سرد وثائقي  متداخل من خلال عيني المصور الفوتوغرافي النمساوي (جانيوت كلايس)

المخرجة ليان ويتني                       المخرج ستادلير

ومساعدته وزميلته (شيري لي توب)، والمكان بقعة مجهولة لمجموعة اثنية مجهولة، أقلية التوفنس غير المرئية وسط العملاقين الروسي والصيني وعلى الحدود بينهما وفي هامش رعوي من هوامش منغوليا. هذا العالم البكر والمجهول الذي يقطنه بضعة الاف إنسان يشكلون هذه العرقية المنسية هو الذي يرسم جغرافية الوثائقي ويؤسسها على ان متعة الاكتشاف تتجلى على ثلاثة مستويات: مستوى الفيلم الوثائقي ذاته كموضوع وبناء اولا، مستوى الصورة الفوتوغرافية التي تقوم بتجميد الواقع المكاني وتجميد الإنسان لكي نمعن في قراءته والمستوى الثالث هو ان يكون للبضعة الاف إنسان الصامتين، ان يكون لهم صوت ناطق من بينهم ثالثا .
من هذا المستوى الثالث سنرى متغيرا في هذا الفضاء الوثائقي، فالفرد هنا لا يشبه نانوك في اندماجه بالواقع والمكان وذوبانه في دورة الطبيعة بل انه بالإضافة الى ذلك يمثل دور الشاهد والمؤرخ، انه (كازان تشيناك)، أحد من افراد تلك العرقية وهو  لسانها الناطق وهو مرجعها الروحي والطبيب الوحيد والمؤلف باللغة الألمانية والذي ترجمت كتبه التي وصلت الى اكثر من 30 كتابا الى العديد من اللغات  وهو الذي عاش في اوربا والف كتاب عن بني قومه ثم ليعود اليهم منغمسا في صيرورة حياتهم وها هو وفي ثنايا هذا الفيلم ينهمك في تأليف كتاب عن مجموعته وبني قومه مرة اخرى ولكن بعدسة المصور النمساوي الشهير جانيوت كلايس .
ثلاث  قوميات وثلاثة اعراق وثلاثة تجمعات بشرية تجتمع من خلال عرقية التوفنس وهم المنغول والكازاك المسلمين والتوفان، ومجموعة التوفان هي محور الفيلم، فهم لا يمتلكون مرجعية ثقافية كالكازاخستانيين المسلمين ولا المنغوليين، بل هم مجموعة مهددة بالانقراض لا تملك لغة مكتوبة ولهذا يبرز تشيناك كصوت ناطق ولغة مكتوبة ممثلة في فرد .

إعلان

3

العالم الذي يصنع دورته ويؤسس لجغرافيته هو ذلك الذي تدور في فلكه جماعة التوفنس، وتراقبهم كاميرا كلايس الفوتوغرافية، هو معهم في كل طقوسهم وعاداتهم الزراعية والرعوية وصولا الى شعوذاتهم وأشكال طعامهم وهم في تلك الحياة الأقرب الى البدائية يؤسسون لتلك الجغرافيا التي يحتفي بها الفيلم.
هاهي الطبيعة تصنع اصواتها وصورها متحولة بين الفصول التي تنعكس على عادات تلك المجاميع التي لا تعرف أن تعيش خارج الخيم التي تصنعها لنفسها، الأدخنة الخارجة من هنا وهناك هي للتوفنس وهم يمارسون طقوسهم الروحانية وتشيناك هو الذي يداويهم بالأعشاب والتعاويذ ثم يطوف معهم في الفضاء الجغرافي ليمارسوا سعاداتهم المخبأة ممثلة في الأعياد وسباق الخيل السنوي في مهرجان يحتفي فيه الجميع مرتدين أزياءهم التقليديه ومنغمرين في ذللك الفضاء الجغرافي المنسي وحيث  تمتزج جماليات الصورة السينمائية بجمالية الأبيض والأسود حيث الصورة الفوتوغرافية تلاحق تفاصيل تلك الحياة .
لكن هذا الشكل شبه السياحي الذي يحرك الفضول لاكتشاف هذه المجموعة  العرقية سرعان ما ينقلب الى نوع من المعاناة القاسية على مدار العام فالتوفنس هم قوم رحل يحرصون على البحث المتواصل عن أماكن الرعي لماشيتهم وخيولهم وبغالهم حيثما كانت، وهم والطبيعة يندمجون في دائرة واحدة فريدة ومشبعة بالحياة، الطبيعة التي لا يملكون الا التعاطي معها والرضا بتحولاتها، تقسو عليهم وتنحدر درجة الحرارة الى ما دون التجمد بأربعين درجة ولهذا سيلوذون بالجبال لدرء خطر العواصف الثلجية القاسية .

4

ثمانية الاف صورة في خلال 21 يوما هي حصيلة المصور " كلايس" وهو يغوص عميقا في تحولات مجموعة التوفنس التي لاتعرف غير الابتسام لغة وحيث البساطة هي سيدة الموقف وهاهم ينشدون ترانيمهم التي تُسمع أصداؤها على امتداد طبيعة بكر تفتح اذرعها لهم

كازان تشينك

عبر مواسمها .
في هذه الدائرة الغزيرة بالتفاصيل تتضح ملامح الجغرافيا الوثائقية في تراكم صوري يسند بعضه بعضا لكي ندرك أين نحن وفي أي اتجاه نسير وهو السؤال الذي يطرحه كلايس وهو يصحب كاميرته ملاحقا طقوس المجموعة وهي تعبر الأنهار بقوافلها لتتفاعل مع جغرافيا مكانية أخرى تصنعها لنفسها ولننتقل الى اكتشاف مكاني آخر تتبعه الترانيم وحكايا الليل بين أفراد التوفنس الرائعين .
الوثائقي وهو ينحت الصورة ويتفاعل مع قوة الفوتوغراف فإنه يمضي في تأسيس تلك الجغرافيا المكانية التي تطرح أسئلتها على وجوه التوفنس الباحثين عن حدود لحياتهم، حدود جغرافية ما، لكن تشيناك هو الوحيد الذي يرسم لهم على الأرض أين هم في هذا الفضاء  الأرضي الفسيح، انهم اصدقاء الجبال والتلال والأنهار والسهوب وحيث يحاطون يالعملاقين الروسي والصيني وحيث النزوح لا ينتهي للتوفنس وهم يرحلون الى الحواضر التي توفر لهم حياة افضل وتخلصا من قسوة الطبيعة وانتزاع فرصة افضل للعيش. على ان هذا النزوع الى الهجرة لم ولن يوقف تلك الحياة النابضة وحيث للمجموعة "تقويمها" الخاص الذي يفصح عن عقيدتها وعاداتها وأعيادها وتعاويذها وأغانيها وطقوسها الخاصة .
هذه الجغرافيا الفريدة التي يؤسسها الوثائقي لا تتخبط في فضاء من العشوائية في إجراء مقابلات وما شابه مما صار مثل كليشيهات السينما الوثائقية بل إن العبقرية في أن تكون الكاميرا – العين هي جزء من دورة الطبيعة وامتدادا لها، ترصد وتتحقق وفي نفس الوقت ترسم اطارا جماليا  لحياة ومكان يلذ لنا كمشاهدين اكتشافه والتفاعل معه .
وبموازة ذلك سيكون للصورة الوثائقية في هذا الفيلم وظيفتها الأخرى خارج مساحة التوثيق إلى مساحة التفاعل مع المكان والشخصيات والحصيلة هي عالم مشترك تتبادل فيه الصورة الفوتوغرافية وكاميرا الوثائقي الأدوار مع اصوات الطبيعة والشخصيات التي تؤسس مساراتها في كنف الطبيعة وكل ذلك في متعة متكاملة تؤسس لجغرافيا الوثائقي من جهة وتكشف عن جمايات المكان من جهة اخرى.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان