أهمية الغرابة والإدهاش في الفلم الوثائقي

قراءة في فلم "الزواج الكبير" لفيصل العتيبي

دبي / عدنان حسين أحمد
يتميّز المخرج السعودي فيصل العتيبي بدقته في اختيار موضوعات أفلامه الوثائقية، فهو يلتقط كل ما هو طريف وغامض ومجهول إلى حدٍ ما. وربما تكون رحلته إلى جزر القمر هي محاولة جديّة للإمساك بالثيمة المدهشة التي تأخذ بتلابيب المتلقي، وتُضفي له في نهاية المطاف معلوماتٍ جديدةً لم يكن يعرفها من قبل، أو أنها ترفع من رصيده المعرفي والثقافي في أضعف الأحوال. يمتلك العتيبي قدرة استشعارية فائقة في التقاط الموضوعات الغريبة التي تنطوي على قدر كبير من الجمال والغواية المعرفية. فثيمة فلم "الزواج الكبير" استقاها من كلام أحد أصدقائه الذي زار جزر القمر قبل سنتين فشعر أن فكرة "الزواج الكبير" تصلح أن تكون مادة لفلم وثائقي ناجح لا يخلو من مغريات عديدة على الأصعدة السياسية والثقافية والاجتماعية، هذا إضافة إلى السحر الكامن في هذه الجزر الخمس التي تكوّنت بفعل الأنشطة البركانية التي سوف تظل تهددها إلى أجلٍ غير مسمّى. لقد أفلح العتيبي في أن ينتقي موضوعاً محدداً وهو "الزواج الكبير" الذي يُعدُّ ظاهرة "قمرية" بامتياز، وهو تقليد اجتماعي صارم قد لا يتزعزع في المستقبل القريب على الرغم من تكاليفه الباهضة التي تُثقل كاهل الشخص الذي يريد أن ينهض بأعباء هذا الزواج التقليدي الذي يقع ضمن أبرز الأعراف الاجتماعية السائدة في الجزر القمرية الأربع "نجازيجيو، موهيلي، أنزواني وماهوري" التي تتألف من غالبية مسلمة، فنسبة المسلمين في الجزر الخمس هي "98%"، أما جزيرة "مايوت" المتنازع عليها، ففيها كاثوليك يتحدرّون من أصول فرنسية وهم يعتبرون هذه الجزيرة مستعمرة فرنسية عبر البحار وقد صوّت سكانها ضد الاستقلال الذي حصلت عليه الجزر الأربع عام 1975م. لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن التعداد السكاني لهذه الجزر الخمس هو "798.000" نسمة، وهو عدد ضئيل من دون شك، لكن هذه الجزر تعتبر الأعلى كثافة سكانية، إذ يعيش "275" مواطن في الكيلو متر المربع الواحد، أي أن التواصل الاجتماعي حميم وربما تفرضه هذه الكثافة السكانية المشار إليها سلفا.

فيصل لعيبي

زواج العادة
إنَّ منْ يسمع بـ "الزواج الكبير" لابد أن يخطر بباله "الزواج الصغير"، فهذا الأخير هو زواج شرعي يقوم به الإنسان القمري بأقل التكاليف لأنه محصور بين الزوج وزوجته وما يتبع هذا الزواج من تكاليف بسيطة يستطيع أن يتحملها غالبية المواطنين القمريين، ولكن يظل هذا الزواج خاضعاً لتسمية "زواج العفّة" الذي يضع المتزوج في خانق ضيّق لا يُحسد عليه. ركزّ العتيبي في فلمه على جملة من القضايا التي لا يستطيع أن يفعلها المتزوج بـ "الزواج الصغير" فقط من بينها: لا يحق له الصلاة في الصف الأول يوم الجمعة، ولا يتصدر المجالس في المناسبات الاجتماعية والدينية كالزواج والوفاة وما إلى ذلك، كما لا يحق إبداء الرأي إن لم يكن من طلبه العلم الذين يحق لهم أن يبدوا آراءهم في العديد من القضايا، ويجب عليه أن يطيع المشايخ الذين تزوجوا زواجاً كبيراً، ولا يحق له لبس الجُبة أو الشال الأخضر على وجه التحديد، وأكثر من ذلك فلا يحصل على أي سهم من المغانم، لكن يتوجب عليه الاشتراك في المغارم".
زوّدنا المخرج بالعديد من المعلومات عن "الزواج الكبير" فهو يكلف الشخص المتزوج ما بين "20 إلى 30" ألف يورو وربما أكثر من هذا المبلغ، فلا يمكن للمتزوج أن يضبط تكاليف الزواج الذي تستمر مراسيمه لمدة "14" يوم تبدأ غالبا بمجلس الذِكر يوم الخميس وتستمر هذه المراسيم حتى اليوم الأخير الذي توزَّع فيه هدايا الزوج لزوجته في موكب كبير من النساء يحملن مئات الهدايا للزوجة وهي في الأعم الأغلب شالات نسائية، وعباءات، وفساتين ذهبية اللون، وملابس داخلية، وأحذية، وصنادل وما إلى ذلك من مستلزمات المرأة المتزوجة بالزواج الكبير أو زواج العادة كما يُطلق عليه القمريون.
اختار العتيبي شخصيات مهمة في فلمه لعل أبرزها الدكتور يحيى محمد الياس الذي شغل مناصب رسمية رفيعة من بينها وزيراً للتربية والتعليم، والعدل، والدولة للشؤون الخارجية، ومستشاراً لرئيس الجمهورية. لقد أراد المخرج القول بأن هذه المناصب المهمة كلها قد لا تشفع لصاحبها ما لم يتزوج "الزواج الكبير" الذي يتيح له أن يبدي رأيه، وأن يصلي في الصف الأمامي في صلاة الجمعة، و أن يضع الجبة والشال الأخضر وغيرها من الامتيازات التي أشرنا إليها سلفاً فهذا الزواج هو زواج ترقية ينقل المتزوج إلى مكانة اجتماعية عالية تتيح له أن يكون عنصراً فاعلاً في المجتمع القمري. الأمر نفسه ينسحب على المرأة القمرية وقد قدّم لنا فيصل العتيبي نماذجَ من الزوجات القمريات فزكية يوسف كانت زوجة أولى في الفلم وتريد أن تستريح من مسيرة الزواج، وزليخة عبد الرحمن كانت زوجة ثانية وكلتاهما تؤكدان على الأخوة والصداقة والمحبة وهي مفهومات يعتز بها الإنسان القمري ويتباهى بها أمام الآخرين الذين يفدون إلى جزر القمر. ثمة طقوس كثيرة توقف عندها مخرج الفلم لعل أهمها طقس "الجاليكو" وقد يكون هذا الطقس نسائياً أو رجالياً، كما يمكن أن يكون مختلطاً.

أما طقس الذكر فغالباً ما يكون كبيراً وقد يصل العدد إلى أكثر من ألفي شخص يجتمعون في ملعب كرة قدم كي يسعهم ثم يشرعون بقراءة الذكر والتماهي في الأصوات الدينية العميقة التي تقترب من بعض المناقب الصوفية. نخلص إلى القول بأن الزواج الكبير يحقق للإنسان القمري شخصيته، ويثبت هويته الاجتماعية الرفيعة التي تتيح له التواجد في مختلف الشعائر والطقوس الاجتماعية والدينية.
لا بد من الإشارة إلى بعض تصريحات مخرج الفلم فيصل العتيبي غبَّ الانتهاء من عرض فلمه في الدورة السادسة لمهرجان الخليج السينمائي حيث قال بأن تصوير هذا الفلم قد استغرقه "11" يوماً وقد تعطلت كاميرته الرئيسة فاضطر للتصوير بكاميرا احتياطية ومع ذلك فإن الفلم امتلك شروط نجاحه من حيث جمالية التصوير ونوعيته. كما أجاب العتيبي على تساؤلات الجمهور الذي حضر وعبّر عن إعجابه بالأفكار والموضوعات الأساسية التي تمحور عليها الفلم. ورداً على أحد السائلين الذين استفسروا عن إمكانية بقاء "الزواج الكبير" كظاهرة اجتماعية راسخة أم أنه سوف يتهدد لاحقاً بالضمور أو الزوال بسبب التغيّر الكبير الذي قد يجتاح حتى الأماكن المنقطعة مثل الجزر القمرية الخمس أو غيرها من الأماكن النائية والمعزولة في العالم فأجاب: هناك من يريد لهذه العادة أن تنتهي، ولكن غالبية المواطنين يعتبروها ظاهرة قمرية بامتياز وطقساً يجب الحفاظ عليه من الزوال.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان