الإضطراب التدريجي للمعاني

حوار : رافائيل باسان
ترجمة : صلاح سرميني
من المُؤكد بأنّ "دومنيك لانج" مهدّ لواحدةٍ من الخطوات الأكثر تفرداً في السينما التجريبية، إنه يلتقط موتيفاته من أماكن مهجورة (حدائق على سبيل المثال)، وبتطويعٍ تشكيليّ عن طريق الكاميرا، يُحوّلها إلى لوحاتٍ تجريدية، وغنائية حيّة (يمكن القول بأنه يعجن الصور كما الصلصال)، وبدون اللجوء أبداً إلى تقنيات التحريك، أو الرسم يتمكن من الوصول إلى ما حصل عليه "أوسكار فيشينجر"، أو "دوغلاس كروكويل" بدءاً من نماذج تصميميّة، أو مرسومة.
في أعماله، نلاحظ غالباً حالةً من الصعود نحو الضوء، فهو ينطلق من أماكن مُعتمة، سميكة، ومزدحمة بأشكالٍ عنكبوتية، ويصعد نحو السماء، الوضوح.
ـ "دومنيك لانج"، أنتَ بدوركَ تهتمّ بالعمل حول معاني التشكيل، والتشويه، ولكن بطريقةٍ أكثر "غريزية" من "فيليب كوت"، وأجدكَ تنطلق من عناصر طبيعية، ش
كلية، وعن طريق التصوير فقط، والسرعات المختلفة تصل إلى تشكيل عالم خاص،"رواسب بركانية" لا تشبه أيّ صور أخرى….
ـ المُمارسات التي تخيّرتها هي أيضاً تلامسية جداً(أيّ مشاركة السينمائيّ جسدياً في موضوعه)، وتلقائية، يمكن إعتبار عملي إستمرارية، أكان ذلك في داخل كلّ فيلم، أو في عموم الأفلام التي أنجزتها.
قبل أن أنجز أفلاماً، مارستُ التصوير الفوتوغرافي، والرسم، وكنت أهتمّ أيضاً بالموسيقى، أبحث دائماً عن توازنٍ بين الجدارة التقنية، وفوضى من نوعٍ ما، وأكشف عن كونية مواد نجدها في الأماكن المهجورة، الصناعية الخربة، والأراضي المليئة بالأعشاب البرية.
بالنسبة لي، الشكل، والمحتوى مرتبطان إلى حدٍّ يُرجعني إلى تجربتي الخاصة، عاطفية، حانية، غريزية، وهي لا تفترض أبداً قواعد مسبقة، حيث لا يوجد أيّ لقطة تمّ التفكير فيها من قبل، كما الحال في سيناريو، او مقطوعة موسيقية على سبيل المثال، وبشكلٍ عامّ أعمل بطريقة التصوير المُمنتج لحظياً عن طريق الكاميرا.
لا أنطلق في عملي بناءَ على بعدٍ مفهوميٍّ كحال "بيتر كوبلكا"، بداية أفلامي مرتكزة، وراسيّة بدنياً في مكانٍ، أو أكثر بشكلٍ خاص، إنها أراضٍ مهجورة، وخربة أجعلها مأهولة بأشكالٍ ناتجة عن حساسيتي.
لا يرى الزائرون أبداً الزجاجيات كما أُظهرها في Soupir d’écume I (2000-2002)، ألتقط دائماً مكاناً يشهد على حكايةٍ ما، أو إنتقالاً من عالمٍ إلى آخر، تتحقق أفلامي من خلال البحث عن هذه الأماكن، عندما يُثير إنتباهي مكاناً ما، أقول لنفسي : يجب العودة إليه لتصوير فيلماً.
إنها فرصٌ جغرافية، قصصٌ موجودة مسبقاً ناتجة عن مناظر طبيعية، أو من خيالي، وفيما بعد تتحول تشكيلياً عن طريق إستعاراتٍ تشبه قليلاً تجارب "هيرمان رورشا" (المُستخدمة في التشخيص النفسي) .
في بداية تخلق أفلامي، أشاهد مسبقاً حركات بانورامية في ثنايا الأشياء المصنوعة من الخشب، وعُقد الأشجار، تتمفصل أفلامي إنطلاقاً من هذه الأشكال المُتناظرة والتي أجعلها مرئية، ومحسوسة.
ـ إلى جانب هذه الأفلام الغنائية الكبيرة، من بين أعمالك هناك أيضاً أفلاماً تسجيلية حول مواضيع عديدة، ومنها على سبيل المثال، أفلاماً عن مؤسّسات السينما التجريبية :
Light Cone
Collectif Jeune Cinéma
Braquage ……..
ـ فيما يتعلق بمُصطلح التسجيليّ، أعتقد بأنها مسألة ثقافة، عندما نشاهد شخصياتٍ في فيلم ما، نعتقد فوراً بأنه تسجيليّ، بالنسبة لي، لا يوجد فيلم روائي، أو تسجيلي، ولا يهمّني هذا التصنيف، حيث أجد بأنّ تدفقاً إبداعيّاً يسقي أعمالي المختلفة.
بالتأكيد، هذه الأفلام، بالنسبة للمتفرجين الذين يتعرّفون على الأشخاص، تمتلك قيمةً تسجيلية لا يمكن إنكارها، ولكن، ما أقدمه يتجاوز دائماً ما هو أبعد من التسجيلي.
في الواقع، تتغذى أعمالي من تسجيلٍ مزدوج يتقاطع فيه اللاوعي الجماعيّ، وإنشغالاتٍ إجتماعية،
وبعدم قدرتي على تغيّير العالم الذي أعيش فيه، أحوّله دلالياً في أفلامي، تتواجد الصور هنا كي تحاول قيادة المتفرجين نحو وجهات نظر أخرى، ننطلق من أفكار، من شيئٍٍ ما خيالي من أجل التوجه نحو المُحدد، إنها عملية ذهاب، وإياب متواصلة بين الخيال، والواقع.
في أفلامي، تشغلني الأمور المتعلقة بنظام الخلق، التحوّل، الميثولوجيا، وكلّ ما يرتبط بنشأة الكون، ويُعيد إلى الأصول، والبدايات.
درست البيولوجيا أيضاً، مبدأ "الحركة التراجعية" في السينما هو الذي جعلني أتطرق إلى هذا الشكل من التعبير الذي يعتبر بمثابة خلاصة ثقافتي.
ـ في ثلاثيتكَ
Soupir d’écume
(Soupir d’écume I، Vagues tourments، Au-delà du néant)
فكرتُ بأنني إلتقطتُ إختلافاً في المنهج مع أعمالك الأخرى التي تنفتح عن طريق معاينات أماكن تمّ تصويرها وُفق الحركة التعبيرية في الفنّ، ومن ثمّ، تدريجياً، تبدأ في تحديد الموتيفات، وتشدّها نحو التجريد، بينما هنا، من الوهلة الأولى، تبدأ أفلامك عن طريق التجريد ثم تنفتح على عناصر محددة، وتُظهر المواد التي أوصلتك إلى هذه النتيجة…….

ـ في أفلامي، لا يوجد معنى متسلسلاً زمنياً، بالإمكان عرض معظمها من النهاية إلى البداية، أو بطريقةٍ معكوسة، وهذا الأمر لا يُغير شيئاً في إتجاه القراءة، أفلامي ليس لها بداية، أو نهاية، ولا عناوين، إنها مثل دورة في حالة تحوّل دائم.
إنني مشغول برغبةٍ مُتعاكسة، السينما مثل آلة لإكتشاف الزمن، إنها رؤية الحتميّ، التحطيم، العدم، الإبادة القادمة.
تمتلك السينما رغبة عارمة جداً بالإستحواذ حتى على حلم، أو جزء من القدر، لا يمكن إعادة بناء العالم إلاّ من خلال الفنّ، حيث الخداع، والمُصطنع…
ـ تمّ إجراء المُقابلة في عام 2005، ونُشرت في مجلة BREF رقم 67 (يوليو- أغسطس 2005)
هوامش المُترجم :
Raphaël Bassan
وُلد "رافائيل باسان" عام 1948 في بلغاريا، وهو مخرجٌ، وناقدٌ سينمائيٌّ فرنسيّ، متخصصٌ في السينما التجريبية.
في البداية، توجهت إهتماماته نحو مسيرة أدبية، حيث أصدر مع "هوبير حداد" عام 1970 مجلة متخصصة بالشعر (Point d’être)، بينما أخرج أول أفلامه القصيرة في عام 1969.
"جان بول بورر"، وكان واحداً من أعضاء المجلة الشعرية، إستعاد ذكريات تلك السنوات في صفحات سيرته الذاتية (محاربو الحلم)، وأشار إلى "رافائيل باسان" بصفته شاعراً، وسينمائياً.
منذ ذلك الحين، بدأ "رافائيل باسان" يكرسّ نشاطه للكتابة عن السينما بشكلٍ عام، والتجريبية خاصةً، تلك التي كان يتجاهلها معظم زملائه، وكتب مقالاته السينمائية في صحفٍ، ومجلاتٍ متعددة، وأصبح صحفياً محترفاً.
من جهةٍ أخرى، يعتبر واحداً من المجموعة التي أسّست في عام 1971 تعاونية التوزيع المُستقلة المُسمّاة "جماعة السينما الشابة" التي تُواصل نشاطها حتى اليوم.
خلال الفترة 2000-2010 تعاون "رافائيل باسان" كناقد سينمائي مع مجلاتٍ أخرى، ومواقع فرنسية، وأوسترالية متخصصة، وشارك في تحرير بعض المقالات في "الأنسكلوبيديا العالمية"(من موقع ويكيبيديا).