سينما 2012 : "أرجو": بين التاريخ والفيلم

لو كان فيلم "أرجو" Argo فيلما خياليا بالكامل، أي مصنوعا من الخيال ولا علاقة له بالواقع، لكان قد أثار الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول مدى مصداقيته، وما إذا كان يعكس رغبة الإدارة الأمريكية، التي يتخيل البعض أنها تملك التحكم المباشر في هوليوود وكل ما يصدر عنها من أفلام، في الانتقام من النظام الإيراني وتحقيق نصرا زائفا عليه ولو (على الشاشة)!
أما أن الفيلم يستند في معظم تفاصيله وبنيته على وقائع حقيقية، هنا تثار تساؤلات من نوع آخر ربما يكمن فيها بعض السخرية والطرافة مثل: هل كانت السينما ستكون مخلصة للواقع لو لم يكن الواقع أكثر إخلاصا على هذا النحو، للسينما!
نعم فيلم "أرجو" الذي أخرجه وقام ببطولته بن أفليك، يبدو سينمائيا كما لو كان أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. لكن هذه القصة التي يرويها أصبحت حاليا معروفة على نطاق واسع بعد أن نشرت في الصحف بل وصدر عنها كتاب من تأليف أنطونيو مينديز، ضابط المخابرات الأمريكية الذي كان البطل الرئيسي للقصة، وعن هذه المواد المنشورة كلها وفي مقدمتها أيضا، كتاب "سيد التخفي: حياتي السرية في السي أي إيه"" The Master of Disguise، أعد سيناريو الفيلم.
ليس من الممكن هنا عرض قصة الفيلم بالتفصيل، بل وليس هذا مطلوبا فمتعة الفيلم أن تشاهده لا أن تقرأ قصته، لكن يكفي القول إنه يجسد كيف تمكن ضابط المخابرات الأمريكية "مينديز" من إقناع رؤسائه عام 1979 بخطة غريبة وضعها لإنقاذ ستة من الرهائن الأمريكيين الذين تمكنوا من الفرار من السفارة الأمريكية في طهران بعد ان حاصرها ثم اقتحمها الطلاب الموالون لآية الله الخميني في أعقاب نجاح الثورة الإسلامية على الشاه، واتخذوا 52 موظفا ودبلوماسيا أمريكيا رهائن لمدة 444 يوما. وقد تمكن الأمريكيون الستة من اللجوء إلى استراحة السفير الكندي في طهران الذي رحب بهم وآواهم بل وساهم فيما بعد، في تهريبهم خارج إيران بعد تزويدهم بجوازات سفر كندية. وتلخصت خطة انقاذهم في تخفي مينديز مع مجموعة من الرجال، يحملون جوازات سفر كندية، كفريق كندي يرغب في معاينة أماكن تصوير فيلم خيالي في إيران. ومن أجل جعل الإيرانيين يبتلعون هذه القصة الوهمية والفيلم الوهمي، قام مينديز بكل ما يمكن عمله، من توظيف سينمائيين محترفين في السيناريو والانتاج والماكياج في هوليوود وبما يستلزمه هذا من طبع سيناريو تفصيلي مصور ونشر إعلانات وتقارير إخبارية في مجلة فاريتي الشهيرة المتخصصة في صناعة السينما، وغير ذلك.. حول مشروع الفيلم (الوهمي) المعتزم تصويره في إيران.
نجاح الفيلم
المهم هنا السؤال، ليس عن نجاح العملية، فقد نجحت وأمكن إخراج الأمريكيين الستة وتهريبهم من إيران على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية السويسرية، في حين فشل الإيرانيون في اكتشاف العملية التي لم يكشف الستار عنها بشكل رسمي إلا في عام 2007.

أما الأهم فهو السؤال التالي: ما الذي يجعل فيلم "أرجو" يحقق كل ما حققه من نجاح حتى أصبح أحد أفضل أفلام العام 2012 إن لم يكن أفضلها جميعا؟ وما الذي يجعله- فنيا- يرقى إلى مستوى كلاسيكيات هوليوود من "السينما السياسية" مثل "عام العيش الخطر" The Year of Living dangerously لبيتر وير، و"مفقود" Missing لكوستا جافراس، و"السلفادور" Salvador لأوليفر ستون، و"تحت النار" Under Fire لروجر سبوتسوود؟ وكلها على ما أتذكر أفلام ظهرت في الثمانينيات.
هنا يعتمد المخرج بن أفليك على سيناريو جيد، كتبه كريس تيريو، يبدأ بعرض نحو عشرة دقائق من اللقطات (الأبيض والأسود) المأخوذة بدقة من الأرشيف، تعرض لتطورات أحداث الثورة الإيرانية في بدايتها من خلال إيقاع سريع لاهث يتناسب تماما مع المشاهد التالية التي تدخلنا مباشرة إلى جوهر موضوع الفيلم، أي تلك المشاهد المتعلقة باقتحام الطلاب الإيرانيين السفارة الأمريكية في طهران بحيث لا تفلت تفصيلة إنسانية واحدة من عين المخرج، ويقوم المونتير وليم جولدبرج ببراعة، بتوليف اللقطات معا لتوليد أكبر شحنة عاطفية ممكنة تجذب انتباه المشاهد وتأسره.
من الممكن بالطبع أن يقول البعض، أن هناك نوعا من "النمطية" في تقديم الإيرانيين. لكن المقارنة بين اللقطات الحقيقية (التسجيلية) التي يبدأ بها الفيلم وبين ما نراه في مشهد اقتحام السفارة واعتقال الرهائن، كفيلة بالرد على هذا الاتهام المسبق. فالإيرانيون من الممثلين الثانويين، يقومون بكل واقعية بإعادة تجسيد ما وقع، بكل ما يتضمنه من عنف وقسوة وجرأة وتصميم .. كان ولايزال هو طابع تلك الحشود الموجهة عقائديا في إيران.
مشاهد المناقشات التي تدور في منزل السفير الكندي فيما بعد، بين السفير والأمريكيين الستة اللاجئين، تجسد أيضا بكل واقعية، أجواء الرعب والقلق والتوتر والشعور بالاختناق، كما تجسد التناقض بين هذه الشخصيات في لهاثها لمحاولة العثور على تفسير لما حدث أو عن أي مخرج ممكن منه.
كل التفاصيل هنا تراعى بدقة من أول دخان السجائر الذي لا ينقطع إلى تلك النظارات الكبيرة التي تغطي معظم وجوه الرجال حسب النمط الذي كان شائعا في تلك الفترة من أواخر السبعينيات.. بل إن المخرج يمزج في تعارض مقصود، بين الصور الفوتوغرافية للشخصيات الحقيقية من الماضي، مع لقطات لوجوه الممثلين الذين يؤدون أدوارهم في الفيلم.
استراتيجية الخداع
بطلنا مينديز ينجح في "سبك" الحبكة التي يبتكرها بعبقرية لإقناع رجال هوليوود أولا بالتعاون عن طريق "خلق الوهم" بإقناع، ثم إقناع الإيرانيين بعد ذلك، بأنه يقود فريقا فنيا للبحث عن مواقع لتصوير الفيلم (داخل الفيلم).
في إيران يتجول فريق الفيلم "المفتعل" الذي يقوم مينديز بتحفيظ أفراده أدوارهم بدقة شديدة ويراجعها معهم يوميا إلى أن يصبح مطمئنا تماما إلى دقة "الأداء". يرافق أفراد الفريق موظفون إيرانيون تابعون للأمن والمخابرات، يراقبون كل صغيرة وكبيرة، في الشوارع كما في البازار الكبير في طهران. لكن الشكوك تظل قائمة حتى اللحظة الأخيرة عندما يذهب رجال الأمن لاستجواب الخادمة "المسلمة" في منزل السفير الكندي التي تتستر على الموجودين (كانت في الحقيقة باكستانية جعلها الفيلم كردية).
ويستمر الفيلم في مساراته المثيرة التي يستخدم فيها بن أفليك أقدم وسيلة عرفت من وسائل مونتاج الإثارة (وليس مونتاج الصدمة) أي المونتاج المتوازي على طريقة جريفيث، ثم طريقة "الإنقاذ في آخر لحظة" الشهيرة في الأفلام الأمريكية منذ ظهور الفيلم الروائي الطويل وحتى يومنا هذا.
من ناحية يقوم مينديز باصطحاب الأمريكيين الستة إلى المطار ويمر بهم عبر الإجراءات المعقدة وينجح في تجاوز الشكوك المخيفة للأمن الإيراني، ومن جهة أخرى ومن وقت مبكر في الفيلم، نرى كيف تعكف مجموعة من الشباب والأطفال داخل مبنى السفارة الأمريكية المحتلة، على لصق الوثائق والصور التي قامت أجهزة "الفرم" بالتخلص منها قبيل اقتحام السفارة وهي لطاقم العاملين في السفارة. وتدريجيا تكتشف صورة وراء أخرى للموظفين "المفقودين" أي الذين لم يقعوا في قبضة الطلاب. إلى أن نصل للحظة "اليقين" عندما يكتشف الإيرانيون أخيرا أنهم خدعوا.
هذا الأسلوب السينمائي الذي يمزج بين أسلوب الفيلم المثير thriller الذي يحوي مشاهد مطاردة عادة، وبين الفيلم السياسي الذي يعرض خلفية الحدث بدقة وأمانة كما يشير إلى الكثير من الأحداث والوقائع السياسية التي شهدتها الفترة، هو ما يميز الفيلم ويقرب موضوعه للجمهور.
صحيح أن الجمهور يعلم مقدما كيف انتهت القصة في الواقع، لكن عبقرية بن أفليك وفريقه الفني، تكمن في الإبقاء على شغف الجمهور وتشوقه لمعرفة كيف ستنتهي القصة على الشاشة حتى اللحظة الأخيرة!
من مشاهد التوتر في المطار، إلى مشاهد رجال المخابرات الإيرانية وهم يهرعون إلى منزل السفير الكندي حيث يكتشفون انه غادر وقام بتحطيم أجهزة الاتصال، وأن لا أحد هناك بل وحتى الخادمة تمكنت من الفرار وعبرت الحدود إلى العراق كما نرى في خط ثالث، وصولا إلى تمكن الطائرة السويسرية أخيرا من الإقلاع في آخر لحظة أي قبل ثوان محدودة من وصول فريق المخابرات إلى المطار ومحاولتهم منع الطائرة من الإقلاع. وهذا هو ما ابتكره جريفيث وعرف بـ"طريقة الإنقاذ في آخر لحظة".

ينتقل الفيلم بنجاح كبير من أجواء هوليوود وحفلات المشاهير التي تضفي نوعا من الاسترخاء على الفيلم كما تضفي بعض الأجواء الكوميدية في بعض المشاهد، إلى زحام وفوضى طهران (التي استعيض عنها بنجاح كبير بمدينة اسطنبول في تركيا) وتوتر الأجواء مع تراكم الزخم السياسي في البلاد، دون أن تنسى العين المدربة لقطات المشانق المنصوبة في الشوارع التي تتدلى منها جثث المعارضين لنظام الخميني، وهذه حقيقة موثقة. وما نقصده هنا أن الفيلم يبدو مخلصا لأدق تفاصيل الفترة كما حدثت في إيران، بل ويراعي مطابقة الأزياء والأشكال والسيارات وكل نواحي الحياة في إيران بعد الثورة مباشرة. إننا نرى على سبيل المثال، وزير الخارجية الإيراني وهو يدين العملية، وكان يرتدي وقتها ربطة عنق، فلم يكن قد أصبح ارتداء ربطات العمق بعد، أمرا محظورا على الإيرانيين، كما أننا نلمح في شوارع طهران خليطا من النساء والفتيات: المحجبات وغير المحجبات، قبل صدور تشريع يجرم عدم ارتدائه!
النصر على الشاشة
كنا عادة نقول عن هذا النوع من الأفلام أنه يحقق النصر "الزائف" للأمريكيين على الشاشة، عندما يكون هناك بطل (شبه أسطوري) يسعى لتخليص رهينة (أو أكثر) من بين فكي نظام فاشي. لكن الحقيقة أن هذا القول لا ينطبق على هذا الفيلم. فكما سبق أن قلنا، يبدو الواقع هنا أكثر سينمائية (أو خيالا) من الفيلم نفسه. هذا العامل يضر عادة بكل من الفيلم والواقع، فهو لا يغير الحقيقة، كما لا يضيف إلى السينما، أما في هذه الحالة فلأن ما يرويه فيلم "أرجو" هو ما حدث في الواقع، مع بعض الابتكارات والإضافات الدرامية الضرورية، فإنه يكفل للفيلم النجاح الكبير الذي يحققه لأنه يروي ما خفي من أحداث هزت أمريكا والعالم ولاتزال تلقي بظلالها على المشهد السياسي في تلك المنطقة من العالم حتى يومنا هذا.
و"أرجو" Argo في النهاية هو الإسم الذي أطلقه رجل المخابرات الأمريكية- مينديز على الفيلم الخيالي الذي لم يتحقق أبدا.. ولم يكن يقدر له أن يتحقق، بل لعل الكلمة أصبحت حاليا مرادفا لـ"الخداع"!