الموضة وضحاياها!

وثائقي عن سموم صناعة الملابس
قيس قاسم ـ السويد
من شكوى بسيطة لإمراة فرنسية، عانت من التهاب في قدميها بسبب حذاء جديد، أشترته قبل مدة قصيرة، إنطلق الوثائقي الألماني "ضحايا الموضة" ليصل الى الهند وبنغلادش، مروراً بالصين، وأوربا منتقلاً من مشكلة شخصية الى أخرى كونية تتعلق بمصير ملايين من الفقراء وجمهور ليس بالقليل من الأغنياء، على حد سواء. لقد تركت مخرجته إنغه أليتمير لموضوعها أن يأخذ مداه، وأن يذهب حيثما تقوده الدروب، ويستدير أينما تطلبت الإستدارة، مثل نهر يجري الى مصبه. الإحساس بسلاسة التتابع زاده دفعاً والمحطات الكثيرة التي مال عندها جعلت منه شريطاً وثائقياً عميقاً ومتشعباً.
من فرنسا
لم يعرف الأطباء أول الأمر ما سبب مرض السيدة الفرنسية لكن إشارة منها الى وجود كيس صغير أبيض مع الحذاء الذي اشرته لفت انتباه أحدهم فقرر عرضه للتحليل. بعد الفحص ظهر انه يحوي حبوباً بيضاء شائعة الاستخدام التجاري تدعى كمياوياً "دي أم اف" ووظيفتها منع الرطوبة التي قد تسبب في تلف الملابس والأحذية الجديدة. لم ينتهي الأمر عند هذا الحد بالنسبة للمخرجة أليتمير فراحت تتحرى عن هذة المادة التي ظهر ان دول الوحدة الأوربية منعت استيرادها منذ مدة طويلة، وحين أرادت اجراء مقابلات صحفية مع مدراء محلات بيع الأخذية في فرنسا رفضوا كلهم ذلك وأكتفوا بإجابات مكتوبة، برروا قبولهم استيرادها بإنعدام وجود نص قانوني يعارض ذلك. كل ما خرجت به من بحثها المضني أن مصدر الأخذية المباعة في الأسواق الأوربية هو الصين وأن الأكياس الصغيرة تأتي معها.

الى الصين
الصين اليوم هي المُصدر الأول للجلود في العالم، وفي شنغهاي يقام أكبر معرض لها وفيها ألاف من المعامل المصنعة للأحذية التي تصدرها الى أوربا وتحمل ماركات مشهورة. حين وصل فريق العمل الى أحد المصانع فيها مُنع من التصوير وشعر الكثير منهم بالغثيان لقوة الأبخرة الكيمياوية المتصاعدة من تلك الجلود. وثق البرنامج حالة العمال داخلها وأساليب العمل البدائية المتبعة فيها وإنعدام وسائل منع تسرب تلك المواد الى أجسادهم وأخطرها مادة تولوين المسرطنة والممنوعة من الإستخدام في الغرب بتاتاً. لقد وجدت ألافاً من العمال يعملون دون واقيات ويعانون من أمراض خطرة مثل؛ التهاب المجاري التنفسية واختلال الجهاز العصبي.
ليس الصين وحدها تصدر الجلود الرخيصة الى العالم فهناك دول أخرى تبيعه أرخص منها كبنغلاديش، لهذا يزداد الطلب على جلودها، فالحصول على مصادر أقل تكلفة هو ما تبحث عنه بالدرجة الأولى شركات صناعة الملابس العملاقة.
دكا عاصمة الجلود القاتلة
بنغلاديش من أفقر دول العالم وفي عاصمتها دكا توجد مناطق كاملة مختصة بدباغة الجلود، معدل أجرة العمال فيها يومياً يورو واحد تقريباً، لايتمتعون بأي حماية اجتماعية أو طبية ويجهلون تماماً نوع المواد الكيمياوية السامة التي يتعاملون معها. الخطر الأكبر يأتي الى أجسادهم من الألوان المضافة وملح الكروم، الذي وفي ظروف الحر الشديد يتحول الى كروم 6 القاتل. العمال ليس لديهم واقيات والدولة ليس عندها مفتشين كيمياويين لهذا يجد أصحاب المدابغ الحرية الكاملة في تجريد عمالهم من كل حقوق، والأمر يتعداهم الى المناطق المحيطة بمدابغهم التي تحولت بسببها الى مستودعات للفضلات السامة وكثيراً ما تسسبب للناس أمراضاً وتحدث حرائق خطرة في أحيائهم.

فحوصات هامبورغ
عاد الوثائقي ليتابع رحلة الجلود الخطيرة الى أوربا، وفي هامبورغ حيث يتم الكشف في الميناء عن نسبة الغازات المتصاعدة منها قبل فتح أبواب الشاحنات الناقلة لها خوفا من حدوث انفجارت تُعرض حياة العاملين فيها للخطر. يكتفي المفتشون في حالة ظهور نسبة عالية من المواد السامة في الحاويات بتوجيه النصح فقط للجهة المستوردة ولا يتخذون أي اجراءات لمنعها لهذا فالكثير منها يجد طريقه الى المستهلك الأوربي، وغيره، بحجة عدم تمتعهم بصلاحيات تجيز الحجز على البضائع المستوردة!. بالمقابل تلعب نقابات العمال الأوربية دوراً حامياً لأعضائها من خلال فحوصاتهم الطبية الدورية الملزمة لعمال تفريغ البضائع القادمة من أسيا، والتي أظهرت أن الغبار المتصاعد منها يسبب لهم أمراضا خطرة، لهذا إشترطت للإستمرار بعملهم توفير أدوات حماية كافية لهم وطالبت في نفس الوقت شركات استيراد الملابس بدفع غرامات تعويضية للمتضريين منهم، فالملابس فيها كمية لا تقل من السموم عن تلك الموجودة في الجلود.
الموضة بأي ثمن
لا تسمع في أروقة شركات صناعة الموضة كلاماً عن مواد كيمياوية سامة، فالحديث الهامس هناك يدور على الدوام حول الجمال والإغراء والمغلف بعوالم رومانسية لا تعبأ بالفقراء ولا بالمستهلكين "الأغنياء" من عامة الغربيين�� ولا حتى بالعاملين في متاجرهم، فقد كشف الوثائقي وعبر تحريات مختبرية شبه سرية قام بها فريق العمل السينمائي وصورها بكاميرات مخفية، بأن حوالي 70 % من العاملين في محلات بيع الملابس الأوربية تظهر عليهم وبعد مدة من الزمن علامات التسمم الكيمياوي وهذا ما يحاول أصحاب الشركات نكرانه بكل ما أوتيوا من قوة وما ملكوا من مال.

"ضحايا الموضة" مضى في طريقة غير عابيء بتبريراتهم فوصل الى نقطة لم يلتفت اليها الناس كثيراً تتعلق ببنطال "الجينز" الممزق والذي استهوى لبسه ملايين من الشباب في العالم. طرحت صاحبة الوثائقي سؤالاً على أحد العاملين في شركة ملابس مشهورة عن الطريقة التي تُزال بها ألوان البنطال ليبدو قديماً؟ وقادها الجواب للذهاب الى تركيا بعد ان عرفت أن كثيراً من معامل خياطتها يستخدم طريقة القذف بالرمال، بواسطة مسدس خاص، لإزالة اللون وطبقة رقيقة من القماش، وأن الحكومة التركية قد منعت استخدامه مؤخراً لتسببه في موت مئات من العمال، لهذا تحولت العملية برمتها الى الهند، وبالتحديد الى مدينة تيروبور، التي وصل عدد المصابين من عمال مصانع الأقمشة فيها بمرض سرطان الرئة الى الضعف عما كان عليه قبل وصول"الرصاص الرملي" من تركيا الى مصابغ مدينتهم الفقيرة. لم تنتهي مهمة فريق العمل في الهند فمضوا في تحريهم لقضية طالما تعكزت عليها شركات صناعة الجمال عند الحديث عن المواد السامة، بإدعائها انها تشجع على استخدام الأقمشة الطبيعية بديلاً لها. الوثائقي بَيَّن أن ضحايا مزارع القطن "الطبيعي" التابعة لهم خطورتها أكبر فهي لا تنحصر بالإنسان وحده بل تمتد للبيئة أيضاً. فالمزارعون الفقراء ومن أجل تأمين القطن للشركات راحوا يستخدمون، وفي الهند بالتحديد، مبيدات كيمياوية تركت أثرها على الأرض والإنسان وشوهت جينياً أنواعاً من نبتات قطن لم يبق فيه من الطبيعية شيء، ولهذا السبب يُعد الحديث عن منتجات أقمشة "نظيفة" ليس أكثر من ثرثرة يعرفها صناع الموضة الأغنياء أنفسهم قبل غيرهم. انهم فقط يستخدمونها لأغراض تجارية بحتة وليس حباً بالمستهلك، فالنسبة اليهم الناس هم "ضحايا موضتهم" يتحكمون بصحتهم وأرواحهم كما يشاؤون.