عبد الإله الجوهري : الحرية في المغرب طورت السينما

حفظ

 من الوجوه السينمائية التي اعتادت زيارة الجزائر والمشاركة في لقاءاتها السينمائية ومهرجاناتها السنوية الناقد والمخرج السينمائي المغربي عبد الإله الجوهري، واحد من المخرجين المغاربة الشباب الذين شغفهم حب السينما فكانوا أحسن السفراء في الخارج و الداخل، بإنتاجات جعلت السينما المغربية من السينمات الرائدة اقليميا و دوليا، فالحديث عن السينما المغربية يجرنا للحديث عن تفوقها الذي اشتمل على عدة عوامل أبرزها تشجيع الدولة، التكوين السينمائي الجيد و كذا العمل والاحتكاك بأكبر المخرجين العالميين، في حين تبقى ندرة صالات العرض احدى نقاط ضعف السينما المغربية، هذه الأفكار  وأخرى سنفصل فيها من خلال هذا الحوار الذي جمع الجزيرة الوثائقية بالناقد والمخرج المغربي عبد الاله الجوهري، صاحب الفيلم القصير  "كليك و دكليك" المتوج مؤخرا بالجائزة الكبرى لأحسن فيلم قصير بالدورة الثانية لمهرجان نابل الدولي للفيلم العربي.

عبد الإله الجوهري

السينما المغربية اليوم تحتل مكانة متقدمة عربيا، فإلى أي مدى ساهمت الحرية التي منحتها الدولة للمبدع في الوصول الى هذه المكانة، ما جعلها في المرتبة الثانية بعد السينما المصرية عربيا؟
إلى حد الساعة تعتبر السينما المغربية من السينمات العالمية و ليس العربية فقط الأكثر حرية، نحن لم نسمع و منذ أكثر من عشرين سنة أن فيلما مغربيا تم منعه أو مشاهد من فيلم ما حذفت، نحن إبداعيا على الأقل نتمتع بحرية مطلقة، وفي اعتقادي هذا هو السر الذي أعطى هذه القوة للسينما المغربية، فقد أنتجنا السنة الماضية أكثر من 80 فيلما قصيرا و أزيد من 23 فيلما روائيا طويلا، وعشرات الأفلام الوثائقية، و أظن أن هذا رقم ضخم و مشرف، و على أرض المغرب تصور عشرات الأفلام الأجنبية، و هذا دليل على أننا نتمتع بحرية مطلقة في ملامسة كل المواضيع حتى المحرمة منها كالجنس، السلطة و الدين، نتمنى أن لا يظل هذا الجو الديمقراطي في المغرب فقط بل نتمنى أن يصل إلى دول عربية أخرى بما فيها الجزائر، لأنها تتوفر على مخرجين كبار ولا بد أن تعطى لهم حرية مطلقة في التعبير السينمائي، كما يجب ألا يحاكم الفن بمقاييس أخلاقية لأن كل فن له أهله و قوانينه التي تضبطه، فأتمنى أن يبقى هذا الجو بالمغرب و ألا تمس حرية المبدع المغربي، فالإبداع السينمائي و الإبداع عامة ليس له حدود.

إعلان

من النقاط التي تثار في كل اللقاءات السينمائية "الجرأة" فهناك من يرفض هذه الجرأة التي يقدمها المخرج في أفلامه، بينما يدافع بعض المخرجين عن أفلامهم بحجة أن بعض المواضيع تتطلب تلك الجرأة ما تعليقكم، خاصة وأن في الدول العربية جمهور لم يتقبل نوعا ما هذا الأمر ؟ 
أن يكون هناك الرأي و الرأي المضاد يعني ذلك أننا نعيش في وسط فيه نقاش ديمقراطي، أنا أحترم من مع و من ضد، و لكن حتى لو كان موقفي ضد فلن أقف في وجه الإبداع، فلا يمكن أن نقف في وجه الإبداع، بل يجب أن يواجه الإبداع بالإبداع، فإذا كنت أرى أن الآخر يقدم لي صورة مشوهة عن مجتمعي و يتمادى في توظيف الجنس مثلا وإذا كان هذا موقفي فعليا في هذه الحالة أن أنتج أفلاما أخلاقية، السينما ليست كالتلفزيون عندما أنتج و أصور فيلما للتلفزيون سأدخل بذلك العمل إلى بيوت المشاهدين وبالتالي يجب أن أحترم المشاهد في منزله بينما الفيلم السينمائي عكس ذلك تماما، فهو يعرض في السينما والجمهور هو من يذهب لمشاهدة العرض بمحض إرادته، و بالتالي لا يفرض عليه في هذه الحالة فإذا أردت أن تشاهد فيلما فلتذهب إلى السينما و إن لم يعجبك الفيلم أو الموضوع الذي يطرحه المخرج فلا تذهب إلى السينما، و مع ذلك يبقى الموضوع محل نقاش.
 
يقال أن الإرادة السياسية بالمغرب ساهمت و بشكل كبير في تطوير الفعل السينمائي مقارنة بدول أخري التي لا تزال تفرض الرقابة على الاعمال السينمائية من مرحلة كتاب السيناريو الى أن يصبح الفيلم جاهزا للعرض  ؟
صحيح فكل شيء يتوقف على الارادة السياسية، عندما تكون هناك ارادة سياسية في أي بلد و في أي مجال من المجالات فأكيد أن هذا المجال سيتطور، و هذا هو العامل الذي تمتلكه السينما المغربية، و أنا أقارن ما يجري الآن في المغرب بما كان يجري في الجزائر في الستينات من القرن الماضي، فبعد الثورة الجزائرية وبعد خروج الشعب منتصرا بعد مواجهته وتصديه للاستعمار الفرنسي كان هناك نوع من الحركية في المجتمع الجزائري وبالتالي هذه الحركية والإرادة السياسية شجعت المخرجين والسينمائيين على تصوير أفلام تمجد بطولات الشعب الجزائري وثورة الجزائر المظفرة، فأنتجوا أفلاما سينمائية كبيرة ك"وقائع سنين الجمر" للمخرج الكبير محمد لخضر حامينة، و "دورية نحو الشرق" لعمار العسكري وغيرهم من المخرجين الجزائريين الذين قدموا أفلاما قيمة أو حتى المخرجين الأجانب ك"جيلو بونتيكورفو"  الذين استلهموا من ثورة مليون و نصف المليون شهيد، فالجزائر كانت في موقع الريادة. للأسف الآن لا أدري ما يجري داخل الوسط الفني الجزائري، لكن أقول إن هناك تراجع أتمنى أن لا يدوم طويلا، فالمغرب الآن في الريادة لأن هناك إرادة سياسية و السينما اليوم مدعّمة من أعلى سلطة في البلاد.. ثانيا عامل الحرية التي يتمتع بها المبدع المغربي ففي المغرب ممكن أن تصور أي موضوع تريده ولا أحد يتدخل ويقول لك ممنوع أن تصور هذا أو ذاك.. المقياس هو لمّا ينزل الفيلم الى السوق فيتم انتقاده أو إن كان سيقبل عليه الجمهور أم لا، فالاستقرار الذي نعرفه دفع بالعديد من السينمائيين لتصوير أفلامهم بالمغرب، مثلا لما يأتي "ريدلي سكوت" و يصور في المغرب فهذه دعاية لبلادنا، مثلا لما زار المخرج الأمريكي "أوليفر ستون" الجزائر العام الماضي رغم أن مروره في مهرجان الفيلم الملتزم كان سريعا، الا أن الأنظار اتجهت للجزائر، نحن مثلا في المغرب سمعنا بالخبر والكل التفت الى الجزائر وبالتالي هنا تتجلى أهمية الانفتاح على الأسماء العالمية الكبيرة من أمثال "أوليفر ستون" و "ريدلي سكوت" وآخرون فذلك يساهم في تطور السينما في أي بلد من البلدان.
    
اتخاد أرض المغرب مكانا لتصوير أعمال سينمائية عالمية ربما أكسبها مكانة و خبرة أثرى الرصيد السينمائي المغربي أليس كذلك ؟
 بالطبع، فبفضل هذا الاحتكاك يوجد اليوم في المغرب أحسن التقنيين، منذ أشهر حضرت ندوة مع مجموعة من المخرجين الأجانب والممثلين المغاربين، فأحد المخرجين الفرنسيين قال في معرض حديثه أنه لما صور فيلمه بالمغرب كان يظن أنه سيأتي بتقنيين من الخارج لكنه لما جاء للتصوير وجد أن التقنيين المغاربة أكثر احترافية من التقنيين الفرنسيين، فسألناه لماذا قال وبكل بساطة لأن التقنيين المغاربة تعودوا على الاشتغال مع مخرجين عالميين وكبار ك"أوليفر ستون" الذي صور بالمغرب فيلمه "ألكسندر الأكبر" و بالتالي هؤلاء التقيين المغربيين اكتسبوا مهارة وخبرة عالية في الصناعة السينمائية،  وهذا ساهم في تطوير الفعل السينمائي بالمغرب.

من فيلم "كليك ودكليك" المتحصل على جائزة مهرجان نابل

اذن كيف يمكن للسينما المغربية أن تحافظ على هذا النجاح المستحق، و كيف يمكن لدول الجوار الاستفادة من خبرتها في هذا المجال ؟
كل شيء يتوقف على الإرادة السياسية، فلو توفرت الإرادة السياسية من قبل المسؤولين في كل البلدان المغاربية أكيد ستكون هناك سينما مغاربية يجب أولا أن نفتح الحدود، أنا كمغربي يجب أن أتنقل و بكل حرية بين الجزائر و تونس وغيرها من دول المغرب العربي، و للجزائري أيضا حق مثلما لي أنا حق في المغرب، فأنت بلدك ليس الجزائر فقط بلدك ليبيا تونس و المغرب و موريتانيا … اذن يجب أن نتمتع بهذه الحرية وإذا ما تمتعنا بهذه الحرية فأكيد أن التعاون السينمائي سيكون له أثر والدليل الحرية التي يتمتع بها سينمائيو المغرب سمحت الآن للمخرجين المغاربة أن ينجزوا أفلاما مشتركة، ويستعينون بخبرات إما تونسية أو جزائرية مثلا في المغرب هذه السنة هناك فيلم المخرج محمد نطيف "الأندلس مونامور" الذي يشارك فيه الجزائري "هشام مصباح"، هناك أيضا فيلم سينمائي مغربي أخر يلعب فيه دور البطولة الممثل الجزائري خالد بن عيسى، و قد سبق ذلك تعاون الكثير من التقنيين سواء الجزائريين أو التونسيين ك "فوزي ثابث" الذي يشتغل الآن بشكل متواصل بالمغرب، و من الجزائر المخرج "رشيد بن علال" الذي أخرج عشرات الأفلام المغاربية، فالإرادة السياسية و الحرية تسمحان بهذا التعاون الفني، على صعيد أخر أتمنى أن الفيلم مثلا لما ينزل بصالات العرض بالمغرب بدل أن يكون له ثلاثين مليون متفرج مغربي لو فتحت أمامه السوق الجزائرية سيكون عنده سبعين مليون متفرج بدل ثلاثين مليون، و العكس كذلك، الفيلم الجزائري بدل أن يخرج فقط في صالات العرض الجزائرية لا بد أن تفتح له الحدود ليعرض مثلا في تونس و المغرب و بعرضه يصبح لديه سبعين مليون مشاهد أو أكثر لما لا، إذن لا بد أن تتحقق الارادة السياسية و هذا نداء أرفعه من هذا المنبر فالجزائر رائدة في أكثر من مجال، كما كانت رائدة أيام الثورة التحريرية في الكفاح ورائدة في الانفتاح على الآخر أتمنى من الجزائر ومن كل الإخوان في الجزائر أن يتواصل هذا التعاون الفني والثقافي في المسرح والسينما وسائر الفنون، فالمغرب والجزائر بلد واحد.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان