"تابلويد" و " أحلام حياة".. نساء عاديات في الواجهة

 يعود فيلمان تسجيليان، يعرضان منذ أسابيع في الصالات السينمائية البريطانية، لحادثتين حقيقتين حظيتا، ولأسباب مختلفة، باهتمام كبير من الصحف البريطانية قبل سنوات. ما يميز هذين الفيلمان، عن أفلام مشابهه، انشغلت بتسجيل مسار "الاستقصاء"  لقصص تنطلق  بالعادة من على  برامج الأخبار التلفزيونية والصحافة المكتوبة. إن أحداثهما وقعا وانتهيا في الماضي، وانقطع بالتالي التفاعل الإعلامي الذي توفره استمرارية الحدث الظاهرية، خاصة أن بطلتي الحادثتين انسحبتا من الحياة العامة تماما، بل إن إحداهما، رحلت عن العالم في عام 2003. وإن ظروف ما بعد موتها، هو الذي دفع بها إلى الواجهة الإعلامية وقتها ( ولأيام قليلة فقط). في حين تعيش بطلة الفيلم الآخر، عزلة مختارة في بلدها أمريكا، وبعيدا عن صحفيي الإثارة البريطانيين، الذين افسدوا سنوات طويلة من حياتها، وكما ستكشف في حوارها الطويل مع المخرج الأمريكي إيرول موريس في فيلم "تابلويد".

لم العودة للحادثتين إذن؟ الأسباب ربما تكون خاصة جدا للمخرجة البريطانية كارول مورلي، والتي تذكر في البيان الصحفي الذي وزع قبل العرض الصحفي لفيلمها (أحلام حياة)، بأنها عندما قرأت قصة "جويس فنسيت" في الصحف البريطانية قبل سبعة أعوام، عرفت حينها بأنها ستنجز فيلما عن هذه المراة الغامضة، والتي وجد هيكلها العظمي بعد ثلاثة أعوام من موتها المفاجئ في شقتها اللندنية. المخرجة البريطانية التي كانت وقتها بعمر مقارب لعمر " جويس " هزتها الحادثة بعمق، لكنها فضلت الانتظار سنوات طويلة قبل ان تحقق فيلمها التسجيلي هذا، والذي لا يسير إلى هدف "كشف الحقائق"(غاية الفيلم التسجيلي التحقيقي)، بل يسعى أن يكون مرآة متعددة الأوجه لـ "جويس"، لكن أيضا وبالمقدار نفسه لأصدقاء وعشاق الراحلة السابقين، ليقترب الفيلم من البحث النفسي عن راهن العلاقات الاجتماعية في المدن الكبرى والطبقات المتعددة للشخصيات الإنسانية المعقدة.

أحلام حياة

لذلك لا يهتم فيلم ( أحلام حياة) كثيرا بجمع قطع الصورة المكسرة لبطلته، ليقربنا من المرأة وقصة حياتها، والتي تهيج ظروف موتها العديد من الأسئلة مثل: لماذا لم تفتقد عائلة جويس وأصدقائها غيابها لثلاثة أعوام، ولم يقوموا بإبلاغ
الشرطة مثلا ؟ وكيف يمكن ان يسقط شخص ما من شبكة العلاقات اليومية، ولا يثير غيابه الأسئلة لدى المقربين منه؟ وحتى الذين كانت جويس تغلف هداياهم المعدة لموسم أعياد رأس السنة، قبل أن يهاجمها الموت، لم يلحظوا غيابها، لتترك محنية، ولثلاث سنوات طويلة، على واحدة من  تلك الهدايا، في مقابل التلفزيون في غرفة المعيشة، والذي تنقل الجريدة الانكليزية،التي نقلت خبر موتها، بأنه كان مفتوحا على نفس المحطة التلفزيونية التي كانت تتفرج عليه جويس، وإن عمال البناية الذي تعيش فيها الشابة التي لم تتجاوز الثلاثون، والذين دخلوا الشقة لأول مرة، وبعد تجمعت الرسائل البريدية كجبل صغير في ممر الشقة، هم من أطفأ جهاز التلفزيون، ومصباح غرفة الجلوس المشتعل..

إعلان

ترفض عائلة جويس الحديث للمخرجة، فيتجه الفيلم إلى أصدقائها، وللذين ربطتهم علاقات عاطفية سابقة مع الراحلة، للحديث عن "جويس" التي عرفوها. دون أن تهمين النهاية المأساوية للشابة على تلك الحوارات، فاتجه الحديث عن سنوات صداقتهم معها، الأشياء التي كانت تحبها. تكشف تلك اللقاءات عن صور مختلفة ل "جويس"، كأن كل من عرفها، اطلع على وجه مختلف لها. ليس لأنها تقصدت ذلك أثناء حياتها، لكنه يعود أيضا إلى الأصدقاء ذاتهم، والذين كانوا أحيانا يصفون ذواتهم عند الحديث عن صديقتهم الراحلة. تغيب صور  "جويس" الحقيقية عن الفيلم، وكأن تلك الصور ستعكر سلاسة البوتريت الحزين الذي انشغل عليه الفيلم، بل ان المخرجة استعانت بممثلة محترفة، لتعيد ترتيب أحداث الليلة الأخيرة من حياة "جويس". والذي يصل الى ذورته، عندما تقف جويس وحيدة تحدق بغموض بليل مدينة لندن، وموسيقى أعياد الميلاد الشعبية  تصدح في الخلفية.

تابلويد
صادف عرض فيلم " تابلويد" للمخرج الأمريكي المعروف إيرول موريس، والذي بدأ قبل نهاية العام الماضي، مع نهاية سنة عصيبة لصحافة الإثارة البريطانية، حيث أغلقت فيه واحدة من أشهر الصحف البريطانية ( إخبار العالم)، بعد فضيحة التجسس على فنانين وناس عاديين، والتي قام بها عاملون خاصون في تلك الجريدة. فيلم (تابلويد) يعود بدوره إلى فصل من سيرة الصحافة الصفراء البريطانية، وقعت أحداثه قبل حوالي 33 عاما، والتي وجدت في حادثة من  حياة "جويس ماكيني"، المرآة الأمريكية القادمة من جنوب الولايات المتحدة الأمريكية، مادة مثيرة تملأ بها صفحاتها لأسابيع، بل إنها لم تكتف بذلك، لتقوم بعد أشهر من الحادثة بنبش تاريخ المرأة، وتكشفه لقراء متعطشين للفضائح، بخاصة تلك التي تتضمن الجنس.

تابلويد

لا يمكن إنكار غرابة قصة " جويس ماكيني "، فالشابة الأمريكية تسافر الى بريطانيا في عام 1977، للبحث عن خطيبها الامريكي، الذي تركها لينضم الى طائفة دينية غريبة. جويس الأمريكية لن تكون وحدها، فهي ستستعين بتحري خاص، لمساعدتها في إيجاد الخطيب. جنون الحكاية يبدأ بعد أن يلتقي الخطيبان في عطلة نهاية أسبوع طويلة، ليعود الشاب بعدها إلى طائفته، يحمل خطة لتركهم والعودة بفتاته إلى بلدهم (وحسب رواية جويس ماكيني). عوضا عن ذلك، يقوم الشاب بالتوجه إلى البوليس البريطاني، متهما خطيبته السابقة بخطفه وإرغامه على ممارسة الجنس معها. تطلق القصة خيال صحافة التابلويد البريطانية، وتتحول أيضا إلى حديث الشارع البريطاني. يقوم القضاء البريطاني بإرسال جويس الأمريكية الى السجن، الذي تقضي فيه أسابيع قليلة، قبل أن تعود إلى بلدها. ما يحدث بعد ذلك سيكون أكثر سوداوية من ليالي السجن البريطانية، فالصحف الصفراء البريطانية ستتبع الشابة الشقراء إلى بلدها، تبحث في سيرتها، تغري أصدقاءها لكشف أسرارها، لتحصل بالنهاية على ملف كامل يتضمن فضائح تتعلق بعمل جويس ماكيني في تجارة الجنس . الأمر الذي تنفيه الأخيرة بالمطلق، متهمة الصحف البريطانية بتلفيق الصور الفضائحية التي نشرتها لها.
يركز الفيلم على شهادة جويس نفسها، والتي تتحدث للإعلام وبعد سنوات طويلة من العزلة. كذلك يقدم الفيلم لقاء مطولا مع احد مصوري التابلويد البريطانيين، من الذين تعقبوا الأمريكية إلى بلدها، وجمع بعض المادة التي ستنشر بعدها في الصحف البريطانية. رغم أن الصورة التي يقدمها الفيلم التسجيلي لجويس ماكيني تثير بعض التساؤلات، بعضها يتعلق بالنضوج العقلي والنفسي للسيدة ، إلا أن تلك الصورة نفسها وعندما توضع مقابل شراسة ولا أخلاقية صحفي التابلويد في الفيلم، تكسب المرأة الأمريكية كل التعاطف.

إعلان

يثير الفيلمان اشكالية "الهدف" للأفلام التسجيلية، والملازم  للتركيبة  الأكثر شيوعا للفيلم التسجيلي (التحقيقي). لتعيق تقبل أشكال مختلفة من المقاربات الفيلمية، لا تتبع الطريق الشائع بالتوصل إلى خلاصات أو كشف ما يمكن الكشف عنه. كما تضيف الحقائق من خارج الأفلام، المزيد من الصعوبات لهذه الأعمال، لجهة تقبلها كوثيقة يعتدّ  بها. فبعد عرض الفيلمين، قامت إحدى أخوات جويس البريطانية بالتوجه إلى الإعلام البريطاني، لتكشف له، بأنها قامت بتعيين تحري خاص للبحث عن أختها، ومنذ العام الأول لاختفائها، وأن المخرجة البريطانية أهملت هذه الحقيقة في بحثها الخاص بفيلمها. كذلك تثير غياب شهادة خطيب جويس الأمريكية (رفض الحديث للمخرج)، وتعثر على أصدقاء قدماء لها، أو إيجاد التحري الذي رافقها إلى بريطانيا، أسئلة عن جدوى إنجاز الفيلم الآن. وحتى الشخصية الرئيسية في الفيلم، والتي منحت الوقت الكافي تماما للدفاع عن نفسها، لم ترق لها صورتها المقدمة، لتقوم برفع دعوى قضائية على المخرج، تتهمه فيه بتشويه الحقائق.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان