في مرثية نهاية أغريقية: ثيو أنجيليبولوس

محمد رُضا
رحيل من بقي من كبار السينمائيين الذين وهبونا هذا الحب المفعم للسينما مستمر: تاركوفسكي، هيتشكوك، الشيخ، فيلليني، أنطونيوني، أبوسيف، برغمن، بن، راسل، كوبريك، شاهين، شيبتكو، غونيه وسواهم الكثيرين. وقبل أيام انضم للركب المخرج اليوناني الكبير فعلاً ثيو أنجيليبولوس.
في زمن عربي أفضل، كان يمكن التوجّـه إلى قراء شاهدوا أفلامه على الشاشة الكبيرة كما كان الحال متاحاً في الستينات والسبعينات حين كانت أفلام فيلليني، بازوليني، برغمن، مل?يل، جيرمي، رنوار، روسيلليني، رتشردسون، أندرسون والآخرين تعرض جنباً إلى جنب أفلام هركل وماشيست واسماعيل يس. لكننا لسنا في ذلك الزمن الأفضل والكتابة عن سينما مخرج من وزن الراحل اليوناني أنجيليبولوس لغالبية كبيرة لم تشاهد أعماله تختلف تبعاً لذلك. ما يشعر به هذا الناقد من إعجاب، ما يحاول أن ينقله من جماليات ويسعى لبثّه من ضروريات عليه أن يعتمد على قدرة القاريء على التخيّل. وأول ما عليه أن يتخيّله هو لقطة عامّة لمركب في البحر يرحل بعيداً عن الساحل اليوناني وفوقه عجوز وزوجته كل منهما هو كل ما تبقّى له من هذه الحياة. أرض المركب مبللة بماء المطر وهما جالسان عليه…. المركب يبتعد والمخرج يمعن ويمعن ويمعن. إمعانه روح تنقلها الكاميرا إلى الشاشة ويستقبلها المشاهد وهو جالس أمامها.
"ألكسندر" … هي الكلمة الأولى التي ينطق بها أول فيلم قدّم أنجيليبولوس للعالم (الثاني له في الترتيب) وعنوانه «رحلة إلى سينثيا». الصوت صوت إمرأة تنادي على ابنها. الإبن صبي صغير يتسلل في شوارع أثينا إلى حيث يقف جندي ألماني أدار ظهره ويضربه ثم يهرب. فعل ولاّدي من صبي لا يعرف تبعات ما يقوم به. الجندي يلحقه والصبي يهرب أمامه. ثم ألكسندر يستيقظ من نومه رجلاً.

إذا ما كانت الذكرى تدخل حياة ألكسندر رجلاً، فإن الجدار الذي بين الماضي والأمس يتهاوى مجدداً ومعه يتيح المخرج لنا الانتقال من الفيلم الذي نراه إلى فيلم آخر يتم صنعه. الجداران لا يقويان على منع المزج المكاني والزماني وهذا هو المقصود. لذلك يبقى السؤال عما إذا كان ألكسندر بعد نحو ربع ساعة من الفيلم لا زال في فيلمنا او في فيلم من بطولته هو يتحدّث فيه عنه ينتظر عودة والده الشيوعي الذي كان أمضى نحو اثنين وثلاثين سنة في الهجرة (هذه المرّة في روسيا). عودته تحفل برغبة ?أنجيليبولوس? تحيّة جيل بطله العجوز (أسمه سبيروس ويؤدّيه مانوس كاتراكيس الممثل الذي رحل في العام ذاته بعد 85 فيلماً من العام 1929 ما جعل هذا الفيلم عمله الأخير). ها هو سبيروس يقف عند مقابر رفاقه الشيوعيين يزورهم ويتحدّث، صمتاً ونطقاً، إليهم. في اليوم التالي يكمن مشهد بالغ الأهمية. القرية التي يزورها سبيروس بصحبة ابنه ألكسندر وزوجته كاترينا وابنته ?ولا، تحث الخطى لبيع الأراضي الجبيلة لشركة تبغي بناء منتجع شتوي. كل من فيها يريد الخلاص من إرثه وأرضه و- بالتالي- تاريخه، لكن الشركة لا تستطيع أن تشتري شيئاً الا إذا وافق كل المالكين على البيع. سبيروس وحده لا يوافق والمشروع يتوقّف والناس تتركه وحده على قمّة ذلك الجبل وتمضي غير راضية ولو أنها ستحاول لاحقاً ثنيه عن عزمه.
بعد أحداث تنتقل ما بين تلك القرية وبين أثينا، ما بين سبيروس وزوجته وابنه ألكسندر وعشيقته، وبين الفيلم الذي نراه والفيلم المرتسم داخله، وقيام السلطات بترحيل سبيروس كشخص غير مرغوب فيه، ينتهي الفيلم به وقد جلس سيروس على أرض تلك المركبة التي تبحر باتجاهه البحر الواسع…. باتجاه البحر الذي عاد إليه ?أنجيليبولوس? في فيلمه الجديد غير المكتمل «بحر آخر»، الفيلم الذي مات قبل أن ينجزه.
أنجيليبولوس الذي وُلد سنة 1935 وتوفّي في السابع والعشرين من الشهر الأول من العام الحالي، فنّان سينما مرّ هو وبلاده تحت سُلطات متعاقبة. في البداية، في الثلاثينات، كانت اليونان ثم هي اليونان تحت الاحتلال النازي، ثم اليونان تحت نيران الحرب الأهلية في النصف الثاني من الأربعينات، ثم يونان المعافاة في الخمسينات، ثم الرازحة تحت حكم العسكر في الستينات ثم الخلاص من العسكر في السبعينات وفترة ازدهار في الثمانينات والتسعينات وانكباب اقتصادي في العقد الأول من القرن الجديد وأزمة كبيرة اليوم. أنجيليبولوس في أفلامه راقب التاريخ ورصد المتغيّرات وتحدّث عن أحوال وطنه في شتّى الظروف. أبطاله شخصيات تبحث عن نفسها وسط المتغيّرات المعمولة. تكاد لا تتبيّن الطريق الذي اعتقدت أنها تسير عليه (مشاهده الضبابية فوق طرق ريفية مفتوحة هي خير تعبير). ليس أمامها سوى البحر الذي يلعب دوراً بالغ الأهمية في سينماه. في «خلود ويوم» (1988) قصّـة رجل في أواخر أيام حياته وماض يرفض أن يموت وحاضر متلاش. هذا أحد أكثر أفلام المخرج إشباعاً عاطفياً. سينما من الرماديات التي تعكس حياة المخرج ونـظرته إلى العالم وليس فقط بطله الآيل إلى النهاية الأحزن. بعض أفضل مشاهد تلك الفيلم تقع على شاطئ البحر.
وفي حين عنى البحر تجدداً وانتعاشاً بالنسبة للمخرج الإيطالي فديريكو فيلليني، وصمتاً مقبضاً لمواطنه مايكلأنجلو أنطونيوني، ورمز الماء (كل نوع من الماء) إلى حياة قيد التجدد في أفلام تاركوفسكي، فإن البحر حمل الأفق البعيد لرحلة لم تنته.
في الأساس درس القانون وأمضى سنوات في الخدمة العسكرية ثم دخل السوربون ثم تركها وانضم إلى مدرسة IDHEC الفرنسية لدراسة السينما. كتب النقد حال عودته إلى اليونان في صحيفة يومية. الصحيفة كانت يسارية وحين تمكّن اليمين العسكري من حكم البلاد سنة 1967 تم إغلاقها. رغم ذلك الحكم حقق المخرج عمله الأول «إعادة بناء» في العام 1970 وهو فيلم مغلّـف من حيث أنه يبدو شيئاً وبعده يقترح شيئاً آخر. فحسب قصّـته هو فيلم عن جريمة قتل: مهاجر يوناني إلى ألمانيا يعود إلى زوجته اليونانية غير مدرك أنها تخونه مع عشيقها وتخطط معه لقتله. أما حسب بعده، فإن الفيلم يتناول في صياغته ما يخرج عن الوضع العاطفي القائم ويتعامل مع الطموحات المجهضة. بطل أنجيليبولوس يموت في النهاية والخاتمة الحزينة سوف تحيا من هناك لتحيط بكل فيلم ينجزه المخرج. لكن، ليس النهاية هي الحزينة وحدها، بل كذلك، وأساساً، الفيلم نفسه. عالم أنجيليبولوس هو، كما حال معظم المخرجين التأمليين هواة السينما البطيئة في فتح أوراقها، هو الذي لابد أن ينتابك إذا ما تركت الأنا وأمعنت في الحياة الحاضرة.

كسواه من المخرجين الكبار، معظم منهجه وأسلوبه موجود في ذلك الفيلم: في مطلع الفيلم يصل المهاجر اليوناني إلى القرية التي هاجر منها بحافلة. الكاميرا في لقطة طويلة للحافلة. تتوقّف عند محطّتها، ينزل رجال ونساء منها بينهم المهاجر. تتلقّفه الكاميرا برصد متأن.
من بين العناصر الأخرى، مفهوم الرحلة لدى أنجيليبولوس. في أفلامه الناس ترحل في اتجاهين: التاريخ والجغرافيا. بعض أفلامه تدور في عهد حديث وأخرى في عهد سابق لكنها جميعاً تعبّر عن أهم صفة يمكن لمخرج أن يتحلّى بها: البحث. في «مناظر في الضباب» انتقل من بحث الرجل عن مصيره الى بحث فتاتين صغيرتين عما يربطهما بالحاضر. لكنهما، وفي رحلة تستمر طوال الفيلم، يسبر المخرج حاضر اليونان من خلالهما.
في مطلع كتابه «أفلام ثيو أنجيليبولوس: سينما التأمل» كتب المؤلّف أندرو هورتون قائلاً: "أفلام ثيو أنجيليبولوس مهمة. مهمّة لأنها تجتاز عدداً من نقاط الحدود. تتداخل بين الأمم، بين التاريخ والأسطورة، بين الماضي والحاضر وبين الرحلات والركود وبين الخداع وحس الجماعة، بين الحظ والقدر الفردي وبين ما هو مرئي وبين ما هو متوارى. وبين ما هو يوناني وبين ما هو غير ذلك. أنجيليبولوس هو واحد من قلة من المخرجين السينمائيين في المئة سنة الأولى (من تاريخ السينما) الذين يحفزوننا على إعادة تحديد ما نعتبر السينما عليه وما تستطيع فعله".
أكثر من هذا التحديد الملهم الذي صدر عن كتاب تم وضعه سنة 1999، لا أعتقد أن أحداً يستطيع فعلياً أن يُضيف شيئاً كثيراً. فقط يستطيع أن يعيد مشاهدة هذه الأفلام ليقرأها مرّة أخرى، او -إذا لم يشاهدها من قبل- أن يقرأها ثم يعيد قراءتها لما تحويه من عمق الدلالات ورقي في الفن.