"Psywar " قصة حروب العقول وقوة الوثيقة الفيلية

الصورة التي تحيط بالإنسان ، صورة ازمنة وتحولات تقود الى يقين مختلف، هذا هو الواقع في أزمنة الدعاية "البروباغاندا " وحيث تتطور عقيدة الدعاية الى نوع من البراغماتية التي تحدد بذاتها مساراتها الخاصة.. هذا الجدل وغيره يبرز للسطح لقراءة ما خلف الصورة وما خلف الإعلام وماذا يجري في المطابخ السرية من اعداد للحملات النفسية والدعائية ومن خلال تشفير الصورة والرسالة الإعلامية بمضامين محددة وهو الذي شهدته البشرية عبر حقب الصراعات والمراحل الساخنة .
لا شك أن الحديث عن هذه المعطيات سيحيلنا مباشرة إلى قوة الوثيقة الإعلامية – الدعائية التي تسهم في ترسيخ تلك القناعات التي تم انتاجها مسبقا، قوة الوثيقة بمعنى قوة الصورة كواحدة من مفردات تلك الصناعة الإعلامية الدعائية يناقشها الفيلم الوثائقي المنتج حديثا "الحرب النفسية " أو psywar للمخرج سكوت نوبل .
في مناقشة معمقة للظاهرة يتنقل الفيلم بين العديد من الحقب التاريخية متابعا كيف تغير مفهوم الحرب الدعائية والإعلامية التي تطورت بشكل مذهل مع تطور تكنولوجيا الأعلام والاتصال وتطور نظريات التلقي والنظريات النفسية والأبحاث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، هذه المعارف والعلوم تلتقي جميعا لتمنح الرسالة الإعلامية قوتها بحسب ما يذكر (بيتر فيليب) في استعراضه لفكرة البروباغاندا وكيف تحقق ما يعرف بالاستحواذ القيمي –الاجتماعي للشعوب باستخدام تلك الأداة في إعادة تشكيل العقول.
ومما لا شك فيه أن البحث في تدرج فكرة الحرب النفسية وصراعات المصالح قد أفضت الى ما مؤداه أن استخدام التكنولوجيا في موازاة المسوحات والأبحاث قد أفرزت نتائج عمقت الهدف السياسي – العسكري الاقتصادي في هذه الرحلة ولهذا يستعرض الفيلم وقائع من تحولات الحياة الأمريكية في القرن الثامن عشر وإبان تشكل الطبقة الصناعية وكيف تطورت فكرة الاستحواذ على الآخر من الاستحواذ بالقوة والمال الى الاكتساح بالأقناع والترغيب. هذه الجذور المبكرة يتتبعها الفيلم بالوثائق التاريخية وتقويم المؤرخين وصولا إلى أولى الحروب الكونية التي تجسمت فيها صورة وشكل الدعاية من خلال وقائع الحرب العالمية الأولى التي رسخت ما كان نابوليون يؤمن به في فكرة الصراع بين الفكرة والإرادة وبين السيف فإذا انكسرت الإرادة أصيب السيف بالشلل وتلك الأرضية التي اعتمدتها الدعاية النازية في مقابل دعاية الحلفاء الممنهجة .
وينتقل الفيلم الى محطتين مهمتين في مسار الدعاية المعاصرة ممثلة في حربي العراق وافغانستان ويتوسع كثيرا في تتبع البناء النفسي للدعاية والحرب النفسية التي شهدتها تلكما الحربين ابتداء من رصد المليارات لأغراض العلاقات العامة وبث الأخبار التي تضعف إرادة الخصم وبث القصص المختلقة التي تسهم في تأجيج الرأي العام ويروي شواهد كثيرة جرت وقائعها ابان الاحتلال ومنها عملية انقاذ المجندة الأمريكية (جيسيكا لينش) التي كانت قصتها في اطار حملة دراماتيكية تم اخراجها بعناية فائقة لتسخين الأجواء وتحريك الرأي العام الذي بدأ يتململ مشككا بتلك الحرب ومخرجاتها المدمرة وبدء القصص الملفقة التي سيقت لأيهام الرأي العام الأمريكي بجدوى تلك الحرب .
ومن الجانب الآخر ثمة ابادة عرقية في تيمور الشرقية في اندونيسيا ونيجيريا تعيش على وقع صراعاتها ومواكبة لحملات الجنرال فيديلا في الأرجنتين كل هذا يقع ما بين حقبتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ويكشف جانبا من التداخلات في العلاقات العامة والحرب النفسية التي اعتمدتها طواقم أمريكية متخصصة في تعاطيها مع (عينة) واحدة من الأزمات وكيف تم العزف على وتر الأثنيات وقلب الحقائق واعتماد نظرية الأيهام لغرض الوصول الى ذلك الأنسان المحاصر بأزماته المستحكمة .

ومن النقاط الجوهرية التي يثيرها جون ستوبر الباحث المتخصص في العلاقات العامة هي ظاهرة ادماج العمل الصحافي بحرب الدعاية والحرب النفسية وقد تجلى ذلك بكل ابعاده من خلال احتلال العراق من خلال مواكبة الفرق الصحافية الحربية التي تم اعدادها وتدريبها وتجهيزها لغض ان تعكس وجهة نظر تبدو في الظاهر مختلفة عن وجهة نظر المنغمسين في الحرب بشكل مباشر وتبدو مختلفة مع وجهات نظر السياسيين ولكنها في حقيقة الأمر تقدم قراءة موازية لاتبتعد كثيرا عن النقاط المفصلية التي يعتمدها الخطاب الرسمي والحربي .
لكن قبل ذلك وفي محور الحرب يناقش الفيلم كيف تم تأسيس الأرضية لعسكرة المجتمع في عدد من بلدان العالم في زمن الحروب بمعنى تشكيل وعي جمعي يؤمن بشكل مطلق بجدوى وضرورة العمل العسكري وكمثال : اصدار قانون المواطنة في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش وهو القانون الذي رسخ سلسلة من المفاهيم المرتبطة بذلك الوعي الجمعي ولكن القصة لا تتوقف عند حدود هذه الواقعة اذ ان قانونا مشابها كان قد صدر عشية الحرب العالمية الأولى هيأ الأرضية لتسيد منطق الحرب والدفاع عن وجهة النظر الجمعية التي تحكم القرار .
ويقدم الفيلم كما كثيفا من المشاهد من اجواء احتلال العراق وكيفية مواكبة الطواقم الصحافية الأمريكية لمجريات تلك الحرب ويومياتها ووقائعها لغرض تحقيق قدر اكبر من الأقناع والواقعية في انظار الرأي العام .
ويعالج الفيلم من خلال المقابلات مع الخبراء مسألة شائكة وهي التي تلخص ذلك الشكل التداولي لأمريكا وهي تسير نحو صعودها وذلك في مطلع القرن الماضي، الحريات أولا ثم التلاحم الاجتماعي ، الأنثوية وادماج المرأة ة، التصديق بما يقوله الأعلام والساسة، هذه (التركيبة الخاصة او الفورمولا ) هي التي منحت مفهوم العلاقات العامة الأمريكية منحى مميزا مختلفا ما لبث أن وجد دعمه الكامل في أوساط صناع القرار ومراكز المال الأمريكية ..
ولعل مما يلفت النظر هي طريقة معالجة ما يعرف بقوة الدولة في اوقات الأزمات انطلاقا من اعتصام النقابات في الولايات المتحدة في مطلع القرن الماضي وكيف تم التعاطي مع المتظاهرين أو المحرضين على الإضرابات وصولا الى العصر الحديث وهو ما يناقشه الفيلسوف المعروف "نعوم تشومسكي" الذي يذهب بعيدا في قراءته لقوة الدولة الإمبريالية القائمة على الهيمنة وهو الشكل الحديث لتغول طبقة الأثرياء والصناعيين وإنتاج السلاح فضلا عن الصراع على مراكز النفوذ .
يعلق المخرج سكوت نوبل على منجزه قائلا : إنه فيلم عن المعركة الحقيقية التي تجري وقائعها في داخل العقول انه تطور متسارع عاشه العالم وخاصة امريكا في مجال الدعاية والعلاقات العامة وبما يخدم المصالح والاستراتيجيات ويمضي إلى القول أنه تتبع قصص أناس كانوا في صلب عملية انتاج الخطاب الدعائي والبروباغاندا وهو الذي أثاره ليس من جهة الموضوع بل من ناحية الخزين الصوري لكي لا يعلو صراخ الخطاب السياسي على الحقيقة الفيلمية الوثائقية.
ويذهب وليم روبنسون رئيس تحرير مجلة "دراسات في نقد العولمة" الى القول إن الحديث عن الدكتاتورية قد يبدو مستغربا في أنظمة تنهج الديمقراطية ولكن دراسة واقع الحال تثبت شكلا آخر هو الدكتاتورية الاقتصادية واستحواذ أصحاب رؤوس الأموال والخلل في اسس العدالة الاجتماعية وصولا الى الشكل التقليدي للانتخاب الذي يفضي إلى عنصرين : هما الناخب الذي يدلي بصوته ثم ينصرف والسياسي الذي يبدأ رحلته في الاستحواذ على الرأي العام يهذه الطريقة او تلك .
يجمع الفيلم حصيلة غزيرة ومتنوعة في رسم مسارات العلاقات العامة تاريخا وتطبيقا وارتباطها بثقافة الصورة الوثائقية وتدفقها وانتشارها على مستوى العالم .