«يوميات» للمخرجة مي عودة

غزة التي تعيش بأعجوبة
بشار إبراهيم
عندما اختار مهرجان أبوظبي السينمائي فيلم «يوميات» للمخرجة الفلسطينية مي عودة، ليكون ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية، على رغم أن هذه المسابقة اقتصرت عربياً على أربعة أفلام وثائقية، فقط، (من أصل 12 فيلماً مشاركاً)، فقد كان ذلك بمثابة إشارة إلى أن ثمة أمراً ما في هذا الفيلم استرعى انتباه المبرمجين، وجعلهم يحرصون على منحه فرصة المشاركة الرسمية، على ضيق الفرص وكثرة الخيارات البديلة.
فيلم «يوميات» للمخرجة الفلسطينية مي عودة، هو فيلم وثائقي متوسط الطول (مدته 53 دقيقة)، إنتاج عام 2010، وهو أقرب ما يكون إلى مشروع جامعي، إذ أن بطاقة الفيلم تشير إلى أنه إنتاج مشترك فيما بين فلسطين والنرويج، وإذا كانت المخرجة هي الجهة الفلسطينية، فإن المعهد الذي تدرس فيه المخرجة مي عودة، هو الطرف النرويجي.
تنتقل المخرجة مي عودة من الضفة الغربية إلى قطاع غزة لتحقيق فيلمها هذا. ثمة نوايا تتوضّح منذ البداية تتمثّل في أنها تزمع اللقاء بصديقات لها، والتجوّل برفقتهن في أنحاء قطاع غزة، لاستكشاف واقع الحال الذي يعيشه القطاع، وربما تناول ما لم يُقَل بعد بصدد هذا المكان الفلسطيني الذي بات أشهر من أن يُعرَّف.
فيلم «يوميات» مي عودة»، هو فيلم طريق إذاً. رحلة من الضفة الغربية إلى قطاع غزة. رحلة داخل قطاع غزة، وتجوال بين مدنه وبلداته وقراه ومخيماته. ورحلة بين الشخصيات التي سيقوم الفيلم عليها. إنه فيلم طريق على أكثر من مستوى، ففي المستوى الأول يرحل في «المكان»، وفي المستوى الثاني يرحل في «الإنسان»، وما بينهما هو رحلة وتجربة شخصية للمخرجة، ليس لتجرّب وتتعرّف فقط، بل أيضاً للحصول على هذا الفيلم، والعودة به إلى مدرستها في النرويج، قبل أن يجد سبيله للمشاركة في مهرجان أبوظبي السينمائي.
سيبدو من الطبيعي، والمألوف، هنا وكذلك في غالبية الأفلام التي صيغت عن غزة، خلال العقد الأخير من السنوات، أن تتمّ الرحلة في المكان؛ غزة. لا فرق إن كان من الشمال إلى الجنوب، أو من الجنوب إلى الشمال، ولكنها حتماً ستكون الرحلة التي ستمرّ على مدينة غزة، وعلى مدن حدودية، ومخيمات لاجئين، وتقف عند معابر، وتمرّ في أنفاق. كل هذا سيكون في فيلم «يوميات»، ولن يكون هناك الجديد مما هو غير معروف أو متداول. ولكن الرحلة في الشخصيات، هو الجديد، والمتميز. ولا أدري مدى الصدفة، أو العناية والترتيب في أن ينتقل الفيلم من صديقة حقيقية؛ «صفاء جودة»، تعرفها المخرجة شخصياً منذ أيام الدراسة، إلى صديقة افتراضية؛ «أسماء شاكر»، كانت تتعامل وتتعاون معها عبر الانترنيت، دون أن تلتقيها شخصياً من قبل، إلى صديقة جديدة تماماً؛ «أسماء الغول»، تتعرّف إليها المخرجة للمرة الأولى، وتنعقد بينهما صداقة!..
مع المخرجة، وصديقاتها الثلاث، سيغدو الصوت النسوي هو الحاضر الأساس. لن يتقصَّد الفيلم ذلك، ولكنه الاختيار الذي قاد إلى هذه الحالة، على الرغم من أن كلّ ما في قطاع غزة يفيض ذكورية!.. صحيح أنه سيكون ثمة ظهورات لشباب، هنا وهناك، ولكن لن يكون لهم الحضور الموازي للفتيات اللواتي يظهرن وكأنهن يتوزّعن دروب الحياة، والنشاط، والفاعلية، في قطاع غزة!..
تتقاسم الصديقات الثلاث مساحة الفيلم. بل يبدو كأن ثمة حرص على أن تأخذ كل منهن نصيبها الوافر. فالصديقة الحقيقية؛ «صفاء جوده»، والتي تخرَّجت مع المخرجة من الجامعة نفسها، في العام 2003، تحتل قرابة 15 دقيقة في بداية الفيلم، أ] بما يقارب ثلث مدة الفيلم كاملة (53 دقيقة)، ثم تترك للصديقتين ما تبقى تتوزّعانه بالقسط بينهما، مع استطرادات ذات علاقة بهذه أو تلك، أو تمهيد واختتام. هذا التناسب فيما بين ظهورات الصديقات الثلاث يحيل إلى أن المخرجة أرادت أن تجعل من كل واحدة منهن نافذةً تطلّ عبرها على جانب من غزة.
ثلاث نوافد إذاً. كان من المفترض للمخرجة أن تطلّ عبرها على مشاهد مختلفة من واقع قطاع غزة. ربما لم يتحقق ذلك تماماً لأن الصديقات الثلاث يعملن في المجال الإعلامي ذاته. أو ربما لأنهن ينتمين إلى اتجاه فكري وسياسي متقارب فيما بينهن. لا نفور، ولا اختلاف حاد، ولا تصادم. لا رأي آخر. لا فرق هنا بين فتاة محجبة، وأخرى ارتدته وخلعته أكثر من مرة. هذا ما سيجعل الفيلم نقدياً باتجاه واحد، ويجعل كلام الصديقات الثلاث يأتي في الإطار ذاته، دون أيّ تنويعات تتوازى مع غنى وتنوّع المجتمع الغزّي.

كل ما في الفيلم يسير على سكته المعهودة؛ والصور المكررة: غزة سجن. محاصرة. نقص المواد. شؤون الحياة. تدمير البيوت. المهجرين عام 1948، عادوا بلا بيوت مرة أخرى عام 2010. المزارعون لا يستطيعون تصدير لا الفراولة، ولا الورد، ولا الخضار.. غزة تعيش كأعجوبة!.. مأساة على قائمة الانتظار.. ما يهمّ الآن هو المساعدات الإغاثية الطارئة، وتراجع التصعيد، وتحرير غزة، ورفع الحصار.. أما بقية الأمور فتحتمل التأجيل. هذه العناوين التي تتناولها قراءات من دفتر يوميات صفاء.
ومن غزة إلى رفح، يظهر موضوع «الأنفاق»، الموجودة ما بين رفح الفلسطينية والمصرية. ولابد من الحديث عن الأثر الاقتصادي والاجتماعي للأنفاق، لينتهي من يتحدث إلى أنها لم تحلّ الموضوع الاقتصادي في غزة، ولم تفكّ الحصار، بمقدار ما خلقت تموضعات اقتصادية اجتماعية في المجتمع الغزّي. الفيلم، أو من يتحدث فيه، يرى أن الجميع مستفيد من مسألة «الأنفاق»: إسرائيل بالحصار، مصر اقتصادياً، حماس بضرائب الأنفاق، والشعب بـ«تسليك الحال».
وفي غمرة هذا، يبرز الغمز من الواقع والسلوكيات الاجتماعية الصارمة. الحديث عن ألف دبوس من أجل ضبط الحجاب. وعدم التفكير بمسألة التحقق الذاتي، أو تغيير الواقع الاجتماعي. التكيّف مع واقع الحال الموجود على صعيد الأفكار، والعادات، والتقاليد، والضوابط.. المسموح والممنوع.. وما تراه «حماس»!.. ما تقبله، وما ترفضه، إلى درجة أن «رمز البلد بدو ترخيص»، كما تقول إحدى الشخصيات.
يمنح الفيلم مساحات منه للحديث عن القيود الاجتماعية التي تحكم غزة. خاصة منع الاختلاط. منع التدخين. منع النارجيلة. ولابد من الحديث المطوّل حول الحجاب، باعتباره فرضاً اجتماعياً.. وحول الأفكار التي تزاوج بين الفضيلة والزيّ، وما تسميه أسماء الغول «ظلم الناس باسم الدين»، وتوجيه سهام النقد ضد حكومة حماس أولاً، دون نسيان حكومة رام الله، بل وكل حكم شمولي على حد تعبيرها!..

تعترف المخرجة أنها، في البداية، لم تكن تريد الحديث عن الوضع الداخلي في غزة، ولكن يبدو أنها لم تستطع الوفاء لنفسها بالتزامها. سترى منظر صرح الجندي المجهول، الذي تمّ تحطيمه لأن التماثيل حرام!.. وستدرك أن الاحتلال أدى إلى جعل الناس أكثر تطرفاً. وما بين هذا وذاك، ترى أن نكوصاً فكرياً وثقافياً يجد له محلاً. يكفي حكاية الصديقة أسماء شاكر مع كتاب عن حياة غيفارا، وموقف أهلها غير المحبذ لاقتناء وقراءة هكذا كتاب، حتى ندرك مدى هذا النكوص، في مكان كان له أن يعتزّ بتجربة «غيفارا غزة»، قبل نحو أربعين عاماً!.. ولينتهي الحوار إلى أن ثمة خوف من التفكير، لأنه يؤدي إلى القدرة على القرار، هذه القدرة التي تخيف كل سلطة!..
لاشك بأن الفيلم أراد ممارسة دور تنويري. لقد تجاوز مهمة الرصد والاستطلاع التقليدية والمألوفة في كثير من الأفلام التي حقّقها مخرجون فلسطينيون وعرب وأجانب، على السواء، وذهب نحو ممارسة أشياء من النقد تجاه ما هو مسكوت عنه في الواقع الغزّي، وما يمكن أن يتهدد سلامة التكوين الاجتماعي، بل والفكري الثقافي في مكان كان من قدره أن يكون واجهة أساسية في الصراع ضد الاحتلال، وأن يقع بين فكي أكثر من كماشة!..
وأن يكون الفيلم طافحاً بذاتية المخرجة، من حيث اعتماد طريقة الإفصاح عن الغاية والهدف من الرحلة، وأن يأتي التعليق بصوت المخرجة نفسها، وبصيغة المتكلم، مع إفساح المجال في مقاطع من الفيلم للتعبير عن مشاعرها وهواجسها، خلال الرحلة، فهو مما يجعل ما أتى به الفيلم من مواقف نقدية، بمثابة الموقف الشخصي للمخرجة، كما شخصياته جميعاً، دون أن تترك فسحة لصوت آخر، يدحض أو يفنّد أو يرى من زواية أخرى.
يتمتع الفيلم باشتغال بصري مناسب، تجوال وحركة، وكاميرا حيوية، والأهم من ذلك العفوية التي تتمتع بها الصديقات الثلاث أمام الكاميرا، والكشف عن طراز خاص من الفتيات الفلسطينيات اللواتي يمكن أن يكنّ نماذج مستقبلية رائعة لشعب يعف كيف يخترع معجزاته، ويحيا بين أنياب الموت.
الموت في غزة ليس مفاجئاً.. الحياة هي المفاجئة.