فرقة "بندا بيليلي".. أَبعدُ مما تَراه!

من بؤس شوارع كينشاسا بدأت وفي العالم إنتشرت
قيس قاسم ـ السويد
مُشاهدة الوثائقي "بندا بيليلي" تبعث على الفَرَح، وتُوَّلد إحساساً قوياً بوجود آخرين بيننا، على كل فقرهم وبؤسهم، ما زالوا يطمحون بوجود سَوّي، يُعطي لحيواتهم معنى ولنا فسحة الأمل. أحلى ما فيه عفوية وصدق مُنَجحيه، فلولا إنسيابية حركة أعضاء الفرقة الموسيقية "بندا بيليلي" (معناها التقريبي، أَبعدُ مما تَراه) ما كان لصانِعيّه رونو باريه وفلوران دو لا تولاي، تحقيق فيلم بهذا المستوى من المتانة والتماسك، على كل ما بذلاه من تعب حقيقي ومشاركة شخصية في تحقيق حلم الفرقة بإصدار ألبومها الأول وتوثيق تجربتها. حكاية نجاح الفرقة والفيلم واحدة تقريبا، فحين جاءا المخرجان الفرنسيان الى كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، عام 2004 لم يكن ضمن برنامجهما ولا في ذهنيهما شيء إسمه فرقة موسيقية قوامها عازفين مَعَوقيّن جسدياً.

كانا في الأصل يُعدان برنامجا عن موسيقى الأحياء الأفريقية البائسة، وبمحض الصدفة شاهد أحدهم مجموعة من الرجال المُشردين يُغنون أمام أحد المطاعم الراقية أغنيات كتبوا كلماتها بأنفسهم، فبدأ بتصويرهم، بعدها أتخذ قرارا بمساعدتهم شخصياً على إصدار ألبوم غنائي لهم. لقد وقع المخرج رونو باريه بحُبهم وكان من الصعب عليه تركهم على ما هم عليه من بؤس دون مساعدة ودون توثيق، فكان قراره النهائي صنع فيلم عن فرقة، أُغانيها تَحكي عن حياتهم وفقرهم، عن إتخاذهم ورق مقوى الصناديق سريرا والشارع منزلاً. عن الحب في زمن الحرمان وعن الحياة ومرارتها في كينشاسا، وعن اليوم الآتي ومعه الخلاص. عن الغد القريب، الذي يصرون على وجوده في كل ما يكتبون ويُغنون!. كانوا يغنون جلوساً على دراجاتهم المُحَوَرة يدوياً الى وسائط نقل وكراسي تُخفف من شدة العَوَّق وتمنع غلبته الكاملة.
بابا ريكي
يسبق ظهور عَراب الفرقة ومؤسسها ريكي، بدقائق قليلة، مشهد صِبية مشردين في شوارع عاصمة الكونغو يلتَفون حول نار أوقدوها تفادياً لبرد ليل البلاد، وهم يىحدثون عن المصوريّن الفرنسيين، المتواجدين على مقربة منهم، بوصفهم غنيمة جيدة، غير متظرة، تستحق المغامرة وبخاصة كاميراتهم "الثمينة". بعدها يظهر على الشاشة إسم ريكي، وصورته محاط بأطفال يحاورهم بلطف ويقدم لهم النصيحة والعون، يلحقها ظهور لأعضاء فرقته بدراجاتهم وآلاتهم البسيطة، فهؤلاء يحولون كل ما تقع أياديهم عليه الى آلة عزف حتى الأحذية و"القباقيب".

إنهم صناع لحن بدائي، يوزعه بابا ريكي ويَسمَعه أبناء شوارعهم الخطيرة، فهم وحدهم من يفهم ماذا تعني كلماتها بدقة: "أنا أنام على ورق المقوى، ربما سأشتري حصيرة، لكن السعادة مازالت في نفسي، فلا شيء متأخر في الحياة! أنا متأكد من أني سأنجح يوما ما". إنها موسيقى تذهب دون حواجز الى القلب مباشرة، وتستحق التسجيل ليسمعها الناس. من هنا نبعت حماسة صُناع الفيلم وقد نقلوها الى "بابا ريكي" بعد أن وجدوا فيه فناناً حقيقياً وإنساناً يقدم يد العون الى آخرين، هو اليها أشد حاجة منهم. يتخذ ريكي ولعائلته من مركز مهجور للتأهيل الإجتماعي منزلاً، يتركه كل صباح بحثا عن مُتَعه الموسيقى وحكمتها فهي بالنسبة اليه كل ما يمكن تقديمه الى أبنائه وأقرانهم. أما حديقة الحيوان فهي ساحة نشاطهم وتدريباتهم النهارية، وملتقى كل من يريد سماعهم. من هذة الساحة ينطلقون ليلا الى حانات ونوادي المدينة الليلة، يقفون أمام بواباتها ويغنون للخارجين منها. كانت دوافع رونو باريه وفلوران دو لا تولاي للعمل معهم نبيلة ولكنهما لم يتصورا أن الأمر سيأخذ منهم خمس سنوات عمل، تقريبا، ليظهر "بندا بيليلي" على ما هو عليه كفيلم وثائثقي صاحب صعود فرقة شعبية بسيطة الى العالمية وقدم من خلالها واقع الكونغو السياسي والإجتماعي، وأن ظلا مركزين على مادتهم الأساس متجنبين الإنجرار الى تفاصيل مغرية لكنها قد تضيع بوصلتهم وتفقدهم الإتجاه الصحيح للوصول الى "جوهرتهم" الثمينة.
روجيه لاندو
شَكَل تَعريف الصبي روجيه (13 سنة) على ريكي خطوة مهمة وحاسمة في نجاح الفرقة، بعد تأكد الفرنسيان من إمتلاكه موهبة موسيقية نادرة، ستفيد الفرقة كثيرا، بخاصة آلته الجديدة المبتكرة التي صنعها بنفسه وقوامها: علبة معدنية فارغة مربوطة بغصن شجرة طري وسلك نحاسي قوي. منها كان يُخرج الحاناً رائعة أقنعت الفرقة بضِم مبدعها اليها عضوا رئيساً. في سبتمبر من عام 2005 دعيت الفرقة للعزف والغناء لأول مرة في إذاعة العاصمة وبعد سنتين خَرج ألبومهم الموعود من فرنسا، فصارت أغانيه تبث عبر المذياع بإنتظام مع كيلٍ الكثير من المديح لهم عند تقديمها.

بعد نجاحهم المحلي بسنوات وَصَل اليهم عرض من الخارج يدعوهم للمشاركة في مهرجان الروك الأوربي في مدينة بلفورت. منها أنطلقت سمعتهم العالمية وترسخت أكثر في الرحلة الأوربية الطويلة، التي وَثَقها الفيلم بتفاصيل كرست صورتهم كبشر راهنوا بصدق على أحساسيهم بقرب يوم نجاحهم وبقوة الأمل الذي في داخلهم. تسجيلات الرحلة الأوربية عَرفت المُشاهد على أرواح تواقة للمعرفة ولفهم العالم الآخر. لقد وجدت "بندا بيليلي" في محبة الجمهور الغربي لها دعوة للتكامل البشري وعند الطرف الثاني كان فنها بالنسبة اليهم مثل ريح رفعت أرواحهم نحن آفاق بعيدة، لتتسامى مع عالم جميل بناة روعته بشر عانوا من الفقر، خرجوا أصلاً من البؤس، ولم يستسلموا له، هيئتهم قد تشي بشيء مختلف، أقل ربما من حقيقتهم، ولكن كما اسمها فيها معاني وقيَّم عميقة هي حقاً أَبعدُ مما تراه.