سندانس يبدأ بشاشته داكنة

ما شوهد في عروض مسبقة أو على أسطوانات من أفلام تدخل هذا الأسبوع مهرجان سندانس السينمائي، ثم ما يتناقله الحاضرون ويتابعونه، يفي بدورة محمّلة بكل أسباب الغضب الكامن في الصدور: الوضع الاقتصادي الأميركي الرازح على الغالبية من الناس بفعل الأقلية منهم.
إنه غضب أطلقه في الواقع المخرج المقل مايكل مور في سلسلة أفلامه من العام 1989 حين أنجز «روجر وأنا» وحتى فيلمه الأخير «رأسمالية: قصّة حب» (2009). جميع أفلامه، كما يعلم معظمنا تسجيلية باستثناء واحد منها أقدم عليه ثم هرب من الروائي ولم يعد: "الباكون على كندي» (1995)، لكن حتى ذلك الروائي الذي لم يحظ بإعجاب أحد، كان انتقادياً لمجتمع بنى نفسه على غير ما انتهى عليه. من مجتمع محمي بصناعاته الخاصة وبقدرته على التصدير وامتلاك زمام الأمور اقتصادياً، الى آخر يصنع قبّعاته التكساسية (رمز أميركي) في الصين ويبعث بتصاميمه الهندسية إلى تايوان والمكسيك والهند لكي ينجزها هناك بأسعار بخسة متسبباً في المزيد من الاندثار الاقتصادي لملايين الأميركيين القابعين بلا عمل.

مايكل مور

مهرجان سندانس، الذي بدأ يوم الخميس في التاسع عشر من هذا الشهر وينتهي في التاسع والعشرين منه، سيشهد، حسب كل الدلائل ساحات مماثلة في غضبها وانتقادها: البطالة والوضع الاقتصادي والفساد الإداري. وسواء إذا التفت إلى مسابقة الفيلم التسجيلي، أو التزمت بالأفلام الروائية، فإن النتيجة واحدة: العديد من الأفلام (وكلها مستقل ومعظمها لمخرجين جدد) تتحدّث عن هذا الوضع المعيشي الصعب.
طبعاً الوضع ليس جديداً على الشاشات ومايكل مور لم يكن وحده. أحد أهم أفلام العام الماضي كان «نداء جانبي» أو Marginal Call لمخرج لم يسمع به أحد من قبل اسمه س. ج. شاندور استجاب لدعوته عدد جيّد من الممثلين المشهود لهم بالجودة ومنهم: كَ?ن سبايسي، بول بيتاني، جيريمي آيرونز، سايمون بايكر. والقصّة تتمحور حول ?سام روجرز (كَ?ن سبايسي) الذي يعمل مدير مبيعات هذه المؤسسة  منذ أربع وثلاثين سنة ويتمتّع بثقة رئيس مجلس إدارتها (جيريمي آيرونز) الذي يعقد اجتماعاً طارئاً لكبار الموظّفين (وبعض الصغار منهم أيضاً) للوقوف على حجم الأزمة الناتجة عن اكتشاف أن موجودات الشركة بولغ في تقديرها بحيث أنه إذا ما انتشر الخبر تهاوت وفقدت مصداقيّتها. طريقة الخروج من الأزمة هو بيع العقارات والأسهم والممتلكات بأسرع وقت ممكن. بين مطلع دوام العمل وموعد الغداء، كما يوصي الرئيس مدركاً أنه مع حلول الساعة الثانية بعد الظهر تكون مشاكل الشركة انتشرت وبات البيع مستحيلاً.?
تعليق المخرج على الوضع الاقتصادي الأميركي يتم من دون إعلانات، وبلا عناوين كبيرة الأحرف، ولا حتى ذلك القدر من الاستعراض الذي نراه عادة في أفلام كثيرة أخرى تستنجد بالمؤثرات الدرامية المجانية كلما شعرت بأن المطروح لا يكفي. المؤكد أن شاندور واثق من نفسه ووسيلته أنه استمد المزيد من هذه الثقة حال التفاف ممثلين مشهود لهم بالموهبة المتقنة والمتأنية حوله فيما يشبه التأييد لما يريد طرحه وللكيفية التي يريد إيصال هذا الطرح.
السينما التسجيلية حاضرة بقوّة في مهرجان ساندانس وهذا واقعها الدائم في هذا المهرجان فائق الأهمية.  فقد تم إرسال 750 فيلم تسجيلي للجنة اختياره انتقت هذه منها 14 فيلماً للمسابقة مع عدد آخر (نحو خمس وعشرين) في أقسام وأركان أخرى.
نصف الأفلام التسجيلية في المسابقة تتعامل ومواضيع سياسية وعلى نحو أكثر تعاملاً مع مقتضيات وقضايا العصر أكثر من أي وقت مضى. ففيلم «نحن لسنا مفلسين» للمخرجتين كارين هايز وفكتوريا بروس، يتعامل مع تهرّب المؤسسات المالية الضخمة وبالغة الثراء من دفع الضرائب عبر غسل الأموال في مشاريع خارجية بينما ملايين الأميركيين يعانون الفقر الشديد.  
وأحد أكثر الأفلام إثارة للاهتمام «الولايات المتحدة النووية» الذي يفحص فيه مخرجه دون أرغوت الترسانة النووية للولايات المتحدة من خلال متابعة بلدة تعيش على حافة أحد محطّاتها.
ويقدّم كريس موكاربل وفاليري فيتش صورة من الرفض الفردي للنظام في فيلميهما «أنا في حديقة الحيوانات». ويتساءل فيلم «إيجاد الشمال» للوري سيلفربوش وكرستي جاكوبسون عن المجاعة التي تهدد الأميركيين مع استمرار طغيان التباعد بين الأثرياء والفقراء ووجود ذلك الفاصل الاجتماعي الذي احتلّه اليوم القطاع الأكبر من الأميركيين كطبقة وسطى. أما «البيت الذي أعيش فيه» ليوجين جاريكي فيتساءل لماذا، بعد 40 سنة على اندلاع الحرب ضد المخدّرات والقيام بنحو 45 عملية قبض على تجار الآفة، لا زالت التجارة نشطة بل ربما أكثر نشاطاً مما كانت عليه.
هذه الأفلام وسواها تبحث عن إجابات في نطاق ما تطرحه، لكنها تجد على شاشات مهرجان سندانس المنصّة الصحيحة لطرح اسئلتها.
وفي الأسبوع المقبل نتابع الحديث عن الأفلام الروائية التي تتناول الوضع السائد والأخرى التي تبتعد عنه قليلاً.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان