حكايات أطفال مدينة لينينغراد

بين تاريخ عرضه العالمي الاول في مهرجان آدفا للسينما التسجيلية في العاصمة الهولندية امستردام في شهر نوفمبر الماضي، وبدء انطلاق العروضه التجارية في الصالات السينمائية الهولندية الذي بدأ الاسبوع الماضي، مر الفيلم التسجيلي (900 يوم) بمحطة مليئة بدلالاتها، اذ عرض وفاز بجائزة تقديرية في مهرجان (آرت دوك فيست) للفيلم التسجيلي في العاصمة الروسية موسكو  في شهر ديسمبر من العام الماضي، رغم اشكالية الموضوعة التي يقدمها، والتي، وكما سنرى في الفيلم، تصنف تحت قائمة المحظورات الروسية الطويلة. بل إن الفيلم يخوض في أكثر تلك المحظورات حساسية: التاريخ والكبرياء الروسيان!

تكشف الدقائق الاولى لفيلم (900 يوم)، بأن مخرجته الهولندية جيسيكا غورتر، لن تكتفي بتقديم حكايات شخصية لروس كانوا هناك، في الثلاث سنوات الطويلة، من حصار مدينة لينينغراد العسكري الشهير، في بداية الحرب العالمية الثانية. فرغم أهمية تلك الحكايات والتجارب الشخصية المؤثرة، الا ان الفيلم بدا مهموما اكثر، بالاسباب التي منعت تلك الحكايات، بصفائها ووحشيتها من أن تصل العالم، وعن تعقيد الشخصية الروسية نفسها وعلاقتها بتاريخها الحديث. لكن المخرجة لن تطرح اسئلة  شائكة، هي تمنح شخصيات فيلمها الزمن الكافي، لرواية ما يرغبون البوح عنه  من (900 يوما) من زمن الحصار النازي، وتبحث ايضا في المشهد المعاصر والخاص للمدينة، والتفاصيل اليومية العادية، والتي ستكشف عن تناقضات صادمة.

تتنقل المخرجة في المشاهد الافتتاحية لفيلمها، بين شاشات تعرض الصور ذاتها، مشاهد لاستعراض سنوي للجيش الروسي، يحتفل بنصره على النازية الألمانية، وبين لقطات مقربة لوجوه شخصيات الفيلم، وهي تجلس امام تلك الشاشات. تتفرج بلا مبالاة احيانا على خطاب الرئيس الروسي دميتري مدفيديف، الذي يشيد بتضحيات الجيل الذي منح روسيا (الاتحاد السوفيتي وقتها) النصر. تتسع المشاهد بعد ذلك، فمن اللقطات المقربة للوجوه، تبتعد الكاميرا لتتفحص غرف الجلوس، باثاثها الذي لم يتغير منذ خمسينات القرن الماضي، الجدران المهترئة. القدم الذي اصاب الروح والمكان. لم يحارب جيل شخصيات الفيلم، الحرب العالمية الثانية، لكن سنوات طفولتهم فيها، كفيلة بمنحهم شيخوخات كريمة. او على الاقل "حياة" تليق بذلك الاستعراض العسكري المغالي في تمجديه للقوة، والذي كانت تنقله الشاشات التلفزيونية الروسية مباشرة الى مشاهديها.

إعلان

من تلك المشاهد التي تسخر من التناقض بين مفهوم "التكريم"، الذي تدعي الدولة الروسية  انها منحته  لجيل الحرب العالمية الثانية، وواقع حياة أبناء الجيل الفعلي، يبدأ الفيلم مجموعة من الحوارات الطويلة مع شخصيات الفيلم. تلك الحوارات لن تبتعد بمجملها كثيرا عن إبراز  التناقض السابق، لكنها ستركز أيضا على ذكرى حصار مدينة لينينغراد. وكيف دخلت تلك الذكرى "سجن" الفكر الشيوعي الشمولي، لتتحول إلى احدى محرمات التاريخ هناك. فتم التلاعب بأرشيف وذكريات تلك السنوات الثلاث (بدأ الحصار في شهر سبتمبر من عام 1941 وانتهى في شهر يناير من عام 1944)، والذي بدأ سريعا جدا بعد توقف المعارك، واندحار الجيش النازي على أعتاب المدينة، وانتصار الشيوعية في الحرب، اذ تم  تغييب عديد من الامور المروعة التي حدثت بتلك السنوات لتبقى على "رواية" رسمية واحدة، هيمنت لعقود طويلة على الاعلام الرسمي. هذه الرواية ستحتفل بالنصر العسكري، غافلة تماما الثمن البشري الذي دفعته المدينة.
نفوذ الرواية الشيوعية الرسمية لما حدث في "لينينغراد"، عرقلت بعض لقاءات الفيلم نفسه. فبعض الذين حاورهم الفيلم وجد صعوبة كبيرة بالحديث عن الجوع الذي قتل ما يقارب مليون روسي في المدينة خلال 3 سنوات فقط، والذي دفع مجموعة من سكان المدينة الى أكل اللحم البشري، بعد أن نفذت كل حيوانات المدينة. وكأن  رواية قصص من هذا النوع لا يصلح أبدا للتلفزيون والاعلام، فهي، أي القصص، غابت لاكثر من ستين عاما، عن اي وسيلة اعلامية روسية رسمية. وتم تصنيف وثائق تلك السنوات، بالسري للغاية. وحفظت بعناية بعيدا عن العالم.

اكثر الشهادات تأثيرا، لم تكن منقولة عن وثائق لأعضاء الحزب الشيوعي في المدينة وقتها، والتي نقل الفيلم جزءا منها، أو شهادات لشهود عيان عن الجثث مرمية في الشوارع، وكما صورتها ايضا افلام سينمائية ارشيفية نادرة، بل كانت لسيدة روسية على اعتاب عقد الثمانين من عمرها ( يخبرنا الفيلم بعد نهايته بانها فارقت الحياة بعد اشهر من نهاية التصوير ). تنقل السيدة الروسية قصة اختها المتفوقة في مدرستها، والتي اهلكها الجوع، وامها التي عادت من دفن الاخت، لتختبي تحت غطاء السرير، هربا من برد قارص، لكنها لن تصحو ابدا، لتنتقل الابنة الوحيدة المتبقة الى منزل الجارة. لكن القصة التي ستخط جروحا عميقة بروح الفتاة، والتي لم يتجاوز عمرها العاشرة وقتها، لم تكن تخص فقدان بشر، بل عن قطتها الصغيرة والتي ذبحتها الجارة لكي تأكلها العائلة. تتذكر الروسية المسنة قطتها والدموع تتساقط من وجهها. هي الآن وحيدة هناك بالمنزل المعتم المتهالك الممتليء بالقطط الصغيرة، والتي تتقافز بكل الاتجاهات، وتحيط احيانا بالسيدة العجوز احيانا في مشاهد تقترب من السريالية.
مع الحوارات التي يقدمها لشخصياته الاساسية، يركز الفيلم على نشاط جمعية نسوية تعتني بما تبقى من جيل الحرب في المدينة. استدعاء الذكريات التي تطلبه المخرجة من نساء الجمعية، يقسمها ايضا، ليس من العسير العثور على اسباب تفسر الانزعاج، الذي تثيره ذكريات سنوات الحصار الشديدة القسوة، أغلبها يتعلق بحال "روسيا "العليلة اليوم، والتي لا يتسابق  ابنائها للبحث في التاريخ عن سنوات سوداء اخرى. رغم ان حدث وقتها في المدينة الروسية  ، يمكن ان يصيب بالقدر نفسه سكان اي مدينة اخرى تعرضت لحصار وحشي، كالذي تعرضت له مدينة لينينغراد.
مجددا تعود المخرجة الهولندية جيسيكا غورتر الى سان بطرسبرغ (اسم المدينة القديم والذي استعادته في عام 1991 وبعد عامين فقط من نهاية الحكم الشيوعي لما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي). فهي تنشغل منذ سنوات طويلة بروسيا ما بعد الشيوعية، فهذا هو فيلمها الثاني عن سكان المدينة، اذ تتبعت في فيلمها السابق (بيتير ، عام 2004) حياة سبع شخصيات من المدينة في حياتهم اليومية. كما انها قدمت عرضا مسرحيا في هولندا عن حصار لينينغراد ، مستندة فيه على شهادات عدد من ابناء المدينة الذي مروا بتلك التجربة.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان