عن السينما التسجيلية.. الدراما والشعر

التعمق في قراءة كتاب الناقد السينمائي الأردني عدنان مدانات الذي يحمل عنوان "السينما التسجيلية.. الدراما والشعر" (الصادر عن مؤسسة عبد الحميد شومان في عمان) يكشف لنا أول ما يكشف، أن السينما التسجيلية ليست "سينما تكميلية" أي نوع من الأفلام يترمم على الفيلم الروائي، كما قد يتصور البعض، بل هي تتمتع باستقلالية كبيرة وتحررا كبيرا من تلك القيود التي يتقيد بها الفيلم الروائي، أي قيود الإنتاج ورغبات المنتج والموزع وأساسا مقتضيات السوق، وتتمتع بالتالي بمساحة حرية تسمح لها بالتعبير من خلال الفن وليس التجارة.
هذا المعنى هو أول ما يصل إليك عندما تتابع المقدمة التي كتبها السينمائي الكبير قيس الزبيدي لهذا الكتاب، وفيها يسعى للتوصل الى استعراض "فكر" الناقد عدنان مدانات الذي كما يقول: "لا يرى في الفيلم مادة فنية للمشاهدة الممتعة وللتسلية فقط، بل مادة للتفكير أيضا، مادة تدفعه (أي المشاهد) للبحث تدريجيا في جوهر آلية تأثير الفيلم على الجمهور..".
أما عدنان فيؤكد في مقدمة كتابه أن الفيلم التسجيلي "ليس مجرد وسيلة إعلامية أو وسيلة للتوثيق المرئي المسموع بل هو "نوع" سينمائي له خصوصيته الفنية والشعرية".
هذا المدخل هو جوهر الكتاب لأن المؤلف يقوم بعد ذلك باختيار عدد من النماذج الفيلمية من العالم العربي والعالم الخارجي، يتوقف خلال استعراضه لها أمام مشهد هنا ومشهد هناك، لتحديد ما يطلق عليه المؤلف "الحل الفني الإبداعي".
الفكرة الثانية المهمة في الكتاب التي يسعى عدنان الى اختبارها، هي فكرة سبر أغوار العلاقة بين المخرج/ المبدع/ السينمائي، (الذي يخرج الأفلام التسجيلية تحديدا) وبين الفيلم الذي يصنعه: ما الذي يدور في رأسه في وقت "إبداعه" الفيلم، وهل هذه العملية عملية واعية تماما، أي أن السينمائي يدرك أبعادها وإشاراتها ومضامينها الخفية أم أنه قد يكون متجها اتجاها آخر لا علاقة له بما يمكن أن يتوصل إليه المشاهد أو الناقد فيما بعد؟
هذه الفكرة هي ما يطلق عليها عدنان "المختبر الإبداعي". وهو يطبق هذا النوع من الفحص داخل "المختبر" على بعض تجاربه الشخصية في اخراج الأفلام التسجيلية، وهي التجربة التي يشير اليها بتواضع كبير عندما يقول إنها لم تقدم له خبرة عملية كافية لأن يطلق على نفسه صفة المخرج.
في حواره الطويل المثير مع المخرج الفلسطيني ميشيل خليفي عن فيلمه "صور من ذكريات خصبة" (1980) أول أفلام ميشيل التي لفتت النظر بقوة إلى موهبته، يسعى عدنان الى تطبيق نظريته في التسلل الى ذات الفنان، إلى عقله، ويتوصل عبر طرح الكثير من التساؤلات الجدلية الى طبيعة علاقة الفنان بأدواته.
إنه مثلا يقول لميشيل إنه ربما أن التفكير بالفيلم لحظة الاخراج هو تفكير شمولي لا ينحصر فقط بموقف معين، وأن هذا التفكير هو جزء من موقف وتأملات الفنان في الحياة.
ميشيل يجيب مؤكدا صحة ذلك، وأن هناك علاقة متبادلة بين الشمولي والفردي، هذه اللعبة موجودة في كل الفيلم تقريبا. وينتقل الى الجمالي لكي يقول ان "بامكانك ان تبني المشهد آخذا بعين الاعتبار كل التجربة الجمالية في العالم، لأنك تعرفها ومن ثم تعطيها ابعادا جديدة "لأنك تعرفها ومن ثم تعطيها أبعادا جديدة".
والحقيقة أن الحوار بين عدنان وميشيل هو نموذج رائع للحوار بين الناقد والمخرج، ليس ذلك الحوار الصحفي الذي يكتفي بتوجيه أسئلة محددة سلفا وتلقي الاجابات الجاهزة عليها.. التبريرية في معظم الأحيان، بل هو حوار تأملي، يميل الى طرح التساؤلات وتبادل الأفكار حول مفهوم السينما، فلسفة صنع الفيلم وليس حل التقنية من أجل فهم استخدامها في تشكيل الأسلوب، أي للتأمل في مغزى الأسلوب نفسه.
يكتب عدنان ذكريات حية ومباشرة وذات قيمة عن فترة دراسته للسينما في موسكو، ويتوقف أمام قيمة اللقطة المبدعة في السياق السينمائي، وكيف يمكن أن يلتقط المخرج موقفا أو حركة أو تصرفا ما بعيدا عن التوقع التقليدي، لكي يستخدمه في اطار فني يضيف أبعادا جديدة أعمق على المشهد.
يرى عدنان ان هناك فروقا كبيرة بين الفيلم التليفزيوني أو الريبورتاج، وبين الفيلم التسجيلي الابداعي، ويحذر مما يسميه بالصحافة السينمائية، ومن هذه الفروق إن الفيلم التسجيلي لا يلهث وراء الحدث الآني بل يسعى لاستخلاص الدلالات العامة منه وبالتالي يكون تركيزه على الموضوع الرئيسي والابتعاد عن الثرثرة والاستطرادات والتفاصيل الثانوية.
يتناول عدنان بالنقد عددا كبيرا من الأفلام "الكلاسيكية" ليست كلها من الأعمال المشهورة في تاريخ السينما، بل منها أفلام لا يلتفت اليها كثيرون.
إنه يتوقف مثلا أمام المشهد الافتتاحي المثير للتأمل في الفيلم السوفيتي الشهير "فاشية عادية" للمخرج ميخائيل روم (ترجم عدنان كتابا له بعنوان أحاديث حول الإخراج السينمائي)، يثبت نظرية عدنان في الإبداع في الفيلم التسجيلي، وأنه ليس شرطا أن تبدأ فيلما عن الفاشية (النازية الألمانية تحديدا وفظائع نظام هتلر) بداية "منطقية" أي مباشرة من داخل الموضوع، ويضرب مثلا بالمشهد الاول الذي يحتوي لقطات متنوعة لأمهات يحملن أطفالهن في عواصم عالمية مختلفة قبل ان يختتمه بلقطة الأم الالمانية التي تحتضن طغلها بقوة ثم الجندي الالماني الذي يصوب بندقيته ويطلق النار عليها!
يتوقف عدنان أيضا أمام فيلم قصير بعنوان "انطباعات من تحت الماء" للسينمائية الألمانية الشهيرة ليني ريفنشتال، ويستعيد مشهدا معينا لسمكة صغيرة جميلة تتسلل وتخرج من فم سمكة متوحشة قبيحة الشكل جدا ولكن دون أن تلتهمها تلك السمكة كدلالة على فكرة الفيلم في التعايش بين الكائنات البحرية وتآلفها في العيش معا.
ميزة الكتاب أن عدنان أنه لا يقدم تحليلا شموليا للأفلام التي يعرض لها، لأنه غير مهتم بإبراز "النقد" الكلاسيكي، بل بفحص فكرة الابداع الفني في الفيلم التسجيلي وهي زاوية جديدة جديرة بالدراسة نتوقف أمامها للمرة الأولى في كتاب من كتب السينما التي تصدر باللغة العربية، وجهد يستحق التقدير والاشادة بسبب رياديته.
وربما يكون من أهم ما يتضمنه الكتاب الجزء الخاص بفحص تأثير السينما التسجيلية على السينما الروائية.

عدنان يستعيد وصف السينمائي الهولندي الأشهر يوريس إيفانز الذي قال ان السينما التسجيلية هي "ضمير السينما"، وأطلق عليها الروسي دريغا فيرتوف "شعر الوقائع"، ثم يعود تفصيلا من خلال التوقف أمام عدد من الأفلام الروائية لكي يدرس تأثير الفيلم التسجيلي على الفيلم الروائي وهو ما يثبت أنه ليس من الممكن أصلا، الفصل التام بين النوعين، فصحيح أن مادة الفيلم التسجيلي (الكلاسيكي على الأقل) هي الواقع، في حين أن مادة الفيلم الروائي (التقليدي) قد تكون الخيال، إلا ان هذا الفارق لم يكن موجودا في بدايات السينما، كما أنه لم يعد قائما اليوم بهذا التحدد الفاصل.
الدليل على ذلك يثبته عدنان عندما يرصد مثلا في فيلم "مولد أمة" رائد الفيلم الأمريكي جريفيث، الذي أخرجه عام 1915، استخدامه الاسلوب التسجيلي في تصوير مشهد اغتيال الرئيس الأمريكي ابراهام لينكولن داخل مسرح، ثم الطابع التسجيلي أو بالأحرى، اعادة صياغة المادة التسجيلية دراميا وروائيا في فيلمي أيزنشتاين "المدمرة بوتيمكين" و"أكتوبر"، ثم كيف امتدت التجربة على استقامتها في أفلام حركة الواقعية الجديدة الايطالية، واكتسبت طابعا شعريا، أي اعادة صياغة الواقع والشخصيات والتوقف أمام بعض التفاصيل الموحية بطبيعة الشخصية والحدث والمكان لكي لا يتحول الفيلم إلى مجرد فيلم إخباري صغير.
ويشير عدنان أيضا الى تجارب السينما الايطالية في مجال الفيلم السياسي في الستنيات والسبعينيات من القرن الماضي خاصة افلام المخرج فرنشيسكو روزي مثل "الأيدي فوق المدينة" و"قضية ماتيه"، وكيف امتزج الواقع بالخيال، وتأثرت السينما بفكرة اعادة توثيق الحقيقة.. الحدث. وهنا يقول عدنان ان الفيلم السياسي نوع مستقل له ملامحه وليس مجرد فيلم يتضمن مضمونا أو حكاية سياسية أو لها علاقة بأحداث سياسية كما كان يعتقد الكثيرون، وهو يحدد الأسلوب- المنهج- الطريقة ويلخصها في "استخدام الوثائق او اعادة تركيب الواقع كوثائق وبناء الفيلم
دراميا وفق منطق تحليل الوقائع وعلاقاتها المتبادلة".
ان قراءة كتاب "السينما التسجيلية: الدراما والشعر" رحلة فكرية ممتعة، تكشف لنا الكثير، ليس فقط عن الفيلم التسجيلي وعوالمه، بل عن السينما في علاقتها بالحياة.. بحياتنا ووجودنا نفسه. ومن هنا تأتي أهميته بل وضرورته كأحد المصادر الأساسية التي تثري معرفنتنا بالسينما.