"غازلاند" يفضح شركات قتلت الضرع والزرع

 الرسالة القصيرة والمغرية التي وجهتها إليه "شركة الغاز الطبيعي" الأمريكية، هي التي أَوحَت إليه بفكرة فيلم "غازلاند"، لأنه، كما يُخبرنا جوش فوكس في مُفتتح وثائقيه، لم يكن يتصور أن أرضه الصغيرة  في ولاية بنسلفينيا سيصل سعرها الى ذاك المستوى الذي تعرضه عليه  اليوم الشركة مقابل بيعها لهم. لقد أعادت له الرسالة ذكريات البيت الذي ولد وعاش فيه وسط طبيعة آخاذة الجمال مسترجعا عبرها إحساسه القديم بمُتعة السباحة في أنهارها الفائضة بمياة عذبة متدقفة بصخب على الدوام، أما اليوم فإنها لم تعد كما كانت. ربما بتأثير عوامل الزمن أو بأخرى غيرها؟ الحقيقة أن الرسالة خفزت عنده حماسة البحث عن مضمونها أكثر من الإنجرار الى إغوائها المادي لشعوره إن في الأمر ما يريب.

 ما توصل اليه المخرج جوش فوكس في بحثه قدمه لنا على شكل "فيلم طريق"، وثائقي جمع فيه الصورة والتعليق وكشف من خلاله الجرائم التي ارتكبتها كبريات شركات التنقيب عن الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة بحق البيئة والبشر وكيف سهّل لها رجال السياسة أعمالها بغطاء قانوني ضَمنَ لها استمرار عملها واستمرار تدفق أرباحها التي تعود أجزاء كبيرة منها الى حساباتهم البنكية الخاصة، والقصة كما يقول جوش فوكس بدأت عام 1972 حين إقرار الرئيس نيكسون "مشروع المياه النظيفة" وسمح بموجبه استخدام أساليب تقنية حديثة في التنقيب عن الغاز، وقد ظل مضمونه قائما حتى اللحظة التي وصل فيها أوباما الى البيت الأبيض، مع أن حجم استخدامه قد ترسخ واتسع في عهد جورج بوش ونائبه ديك تشيني الذي نجح في تمرير قوانين جديدة لها صلة بالسياسة البيئية وفي جوهرها استكمال للمشروع القديم، لكنه سمح بموجب بعضها لشركات التنقيب عن الغاز والنفط العملاقة مثل: إتكانا، ويليامز، كابوت وغيرها بإستخدام تقنية ما يسمى ب"التكسير الهيدروليكي" الذي يعتمد على إستخدام الماء ومواد كيمياوية أخرى في عمليات تفجير هائلة تجري في أعماق الأرض، يشبهها العلماء بالهزات الأرضية، تسبب تصدعات كبيرة في قشرتها الداخلية مما يسمح  بتدفق الغاز الطبيعي الى الخارج.
 طيلة سنوات نجح السياسيون وأصحاب الشركات في التغطية على الآثار التدميرية لهذا النوع من التقنية المستخدمة على نطاق واسع، باللجوء الى الكذب والتمويه على الحقائق العلمية والطبية وطغت شعاراتهم ذات النبرة العالية على ما سواها وتلخصت بالقول: نريد استغلال ثروات بلادنا الطبيعية لأنها أرخص ولأنها في النهاية مُلكنا!. ولم يشر أحدهم يوما الى ما تسببه هذه العمليات من كوارث، لهذا أخذ على عاتقه المخرج جوش فوكس مهمة الكشف عنها الى درجة تَحوَّل  فيها وهو في خضم عمله السينمائي، الى "شرطي تحري للبيئة" كما وصف نفسه. في اختلاط الشخصي بالمادة الوثائقية يَكمن تَمَيّز فيلم "جازلاند" ولدرجة تداخلهما يبدو الفيلم "شخصيا" في ظاهره فيما تُرسِّخ سعة الموضوع وتشعباته من وحدة وعمومية مضمونه، سيما وأن الأمر يتعلق بملايين الأشخاص ومئات المدن وأكبرها مساحة وعددا.
قادهُ السؤال عن حقيقة العرض المقدم له الى زيارة مناطق مجاورة جرت فيها عمليات تنقيب في وقت مبكر واكتشف من خلالها دمارا حقيقيا لم يفهم كيف سكت الناس عليه طويلا، فالمياه التي اعتادوا استخدامها للشرب والسقي ما عادت صالحة، بل إنها مثلت خطورة على صحتهم لما يخالطها من مواد كيمياوية خطرة تسربت مع التفجيرات الداخلية الى آبارهم ومسالك مياه منازلهم، وأن التغيير في مستوى نوعيتها واضح فبعضها تنبعث منها روائح كريهة ولونها صار غامقا وعكرا وكثير منها إحتوى غازا ساما قابل للإشتعال! لم يصدق فوكس كل هذا الى أن جرب بنفسه وقرب نار قداحة سكائر من حنفية مياه منزلية فاشتعلت كرة من اللهب قرب وجهه فما كان منه إلا أن طلب مقابلة مسؤولي بعض شركات التنقيب وإجراء لقاءات معهم حول الموضوع، لكنه لم يوفق، فقد رفض أغلبيتهم لقاءه وبعضهم اشترط إغلاق كاميرته لقبوله محاورته، ومع هذا حصل على تسجيلات قصيرة فضحتهم وكشفت السرية التامة التي أحيطت بعملياتهم والكيفية التي اشتروا بها صمت الناس بالمال أولا وبشروط قانونية صارمة تمنعهم من التوجه الى العلن ثانياً.

لقد كسر بعضهم حاجز الصمت وهذا ما سهل على "جازلاند" ليكون بهذا القدر الكبير من الإقناع كما أن المعطيات المقدمة من بعض العلماء قَوّت إحساس المُشاهد بهول الكارثة التي يتعرض لها الناس في أكثر أماكن الولايات المتحدة، إذا ما عرفنا حقيقة إنها تعوم فوق بحر من الغاز، والأرقام والحقائق مخيفة: فما يستخدم من مياه للتفجير يزيد حجمه على مليارات االليترات كل يوم، وما يتسرب عبرها من مواد كيمياوية تكفي  لقتل الزرع والضرع فيما يسبب شرب المياه المخلوطة بها أمراضا سرطانية. والبيئة، جراء نقل المياه بواسطة القطارات والشاحانات الى مواقع الحفر، تتدمر بقوة هائلة، ويكفي ما قاله أحد علماء  الفيزياء من أن تسريبات الغاز وعوادم وسائط نقل المياه فاق لوحده كل ما تسرب من عوادم السيارات طيلة عام كامل في االولايات المتحدة الأمريكية كلها! ولأن التسريبات السامة في باطن الأرض قد انتقلت إلى البشر اضطروا بسببها الى شراء مياه نظيفة من مناطق أخرى لم تصلها حتى اليوم عمليات التنقيب. والمفارقة هنا أن الشركات نفسها عرضت تعويضا على المتضررين منهم بتوفير المياه لهم مجانا مع كل تأكيداتها المستمرة على سلامة الوسائل المتبعة في عملها وعدم خطورتها على الصحة والبيئة وهذا ما قاله ممثليها حين نجح فوكس في نقل القضية الى الكونغرس.
 لقد أخذ التحقيق هناك طابعا شكلانيا فالمصالح في القمة متشابكة والخاسر الكبير في النهاية هم الناس البسطاء لكن ما حققه "جازلاند" تجاوز العمل السينمائي التسجيلي "المحايد" ووصل حد الفعل الإحتجاجي، السياسي والإنساني. ربما يثير هذا جدلا حول مهمة صانع الوثائقي  وحياديته وأي الحدود عليه التوقف عندها؟ كل هذة الأسئلة لابأس من طرحها لمشروعيتها ولكونها تنطلق من صلب العمل السينمائي، وفيلم "جازلاند" نفسه وبقوته قد يجيب على بعضها!

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان