مايكل مور: صانع أفلام وصانع أخبار ورمز ثقافي

جون فيدلر
ترجمة: أمير العمري

يخرج مايكل مور، صاحب النظارات العجيبة والكرش المنتفخ المستدير، الأفلام التسجيلية منذ عشرين عاما أو يزيد. في سياق نقده لفيلم "فهرنهايت: 11/ 9" (2004) في مجلة "نيويورك فيلم ريفيو أوف بوكس" يحدد لنا جيوفري أوبريان الناقد ورئيس تحرير مجلة "مكتبة أمريكا" Library of America  ما يمكننا اعتباره أكثر الأوصاف دقة لطريقة وأسلوب مايكل مور في العمل.
حسب ما يقوله أوبريان فإن  مايكل مور في فيلمه الأول "روجر وأنا"، ابتكر لنفسه هذا النوع السينمائي الذي استمر في صنعه: وهو ما يمكن ان نطلق عليه "نشرة أخبار تعبيرية أو لوحة مسرحية أو قطعة إفتتاحية".
أما الراحل  بول آرثر، فقد كتب في مقال له منشور ضمن كتاب "مايكل مور: صانع أفلام وصانع أخبار ورمز ثقافي"، وهو كتاب يضم ثلاث عشرة مقالة، من اعداد ماثيو برنشتاين أستاذ الدراسات السينمائية في جامعة ايموري، يقول ان افلام مور الانتقائية جزء من هذا "النوع من الأعمال الجليلة والحيوية على نحو متزايد ونوع من المقالات الوثائقية".
آرثر، الذي توفي في عام 2008، وكان استاذا لدراسات اللغة الإنجليزية والسينما في جامعة ولاية مونتكلير، يحدد قائلا: "إن ظهور المخرج كبطل لفيلمه، وميله الى الاستطراد البنيوي، وتجزئة الموضوع وتشابك النغمات الخطابية" هي ميزات أبرز أفلامه.
أما  دوجلاس كيلنر فيصيغ ذلك في صيغة أخرى في مقاله المنشور في كتاب برنشتاين فهو يقول: "في فيلم "روجر وأنا" بدأ مور بناء من نوع فريد. وأيا كان الوصف الذي ينال رضاك لأسلوب ومنهج عمل مايكل مور، فلاشك أن أفلامه جريئة وشجاعة. ومن الناحية التقنية تبدو أفلام مور منفصلة تماما عن الأفلام التي يخرجها فريدريك وايزمان. إن وايزمان لا يظهر أبدا في أفلامه، في حين أن مور موجود في قلب أفلامه. ماذا يفعل مور اذن في افلامه وكيف يفعل ما يفعله؟

مايكل مور:صانع أفلام وصانع أخبار ورمز ثقافي"

يكتب برنشتاين أن مور "ساهم في تحويل الفيلم الوثائقي الى منتج تجاري يمكن أن يدر أرباحا أكثر مما كانت هذه الافلام تفعل في اي وقت في الماضي. (يقول برنشتاين إن افلام مور حصدت اكثر من 330 مليون دولار على مستوى العالم). ويرى برنشتاين أن مور، في هذا السياق، رائد للفيلم التسجيلي التجاري.
إن مجموعة كتابات برنشتاين تقدم لنا فحصا أوليا ومهما لأين يقف مور، وهو في منتصف مسيرته المهنية، وتقييما لأفلامه، وله هو نفسه وموقعه على الخريطة السياسية في امريكا.
يقسم برنشتاين كتابه الى أربعة اقسام هي: " نظرة عامة، مور وتقاليد التسجيلي، الأفلام الرئيسية، وخارج نطاق دور العرض المتعددة الشاشات في أمريكا: مور في سوق وسائل الاعلام".
يحتل كل من كيلنر وآرثر القسم الثاني من الكتاب، أما في القسم الأول فيكتب سيرجيو ريزو Sergio Rizzo الذي يقوم بتدريس اللغة الانجليزية في كلية مورهاوس قائلا: "بينما يصور مايكل مور كشخص من الخارج أي من خارج النظام (نظام الاستديو في هوليوود) يرى ان افلامه نجحت في التعامل مع النظام مثلما يستطيع أن يتعامل معه أي شخص في الداخل".
وتتعارض رؤية ريزو مع ما تراه جايلان ستدللر استاذة العلوم الانسانية في جامعة واشنطن التي تختتم دراستها بعنوان "الطبقة والجنس والعنصر في افلام مور" القسم الأول من الكتاب.
إنها ترى بوضوح ان مور هو شخص من خارج المؤسسة، شخص مثل أي شخص عادي يرغب في معرفة الحقيقة. وفيما بعد، عندما تقوم بتحليل فيلم "لعب كرة البولنج قبل كولمباين" (2002) Bowling for Columbine  أن "ظهور مور بمنظره البدين في افلامه يتيح لشخصيته على الشاشة اكتساب صفات تفتقد الى الذكورية، وتميل الى النعومة بل وحتى التعاطف الأنثوي في تناقض مع شخصيات ذكورية فظة مثل شخصية تشارلتون هيستون" (الذي يظهر في الفيلم نفسه).
أما القسم الذي يحمل عنوان "الأفلام الرئيسية" فيبدو أكثر كمقدمة أكثر منه مصدر للكشف عن افلام مور لمن لا يعرفها جيدا. غير أنني وجدت أن مقالة تشارلز موسر من جامعة يال عن الحقيقة والبلاغة اللفظية في فيلم "فهرنهايت 11/9" مصدرا ثريا وجديدا حول الفيلم.
إنه يحدد أربعة أشكال يستخدمها مايكل مور للوصول الى الحقيقة غير انه يبين للقاريء ما الذي ينساه أو يتركه خلال بحثه عن تلك الحقيقة في افلامه.
إن "التعمق داخل سطح المظهر المخادع يرينا أن الحقائق السابقة المقبولة كحقائق ليست حقيقية بل مزيفة (أو أكاذيب) " بل انها تقدم حقائق جديدة بديلة" و"التأكيد البسيط على "الحقائق" أو الأحداث التي تم تقديمها بالفعل من "الجانب الآخر".. وهو يحلل تفصيليا مشهدا في الفيلم السابق الاشارة اليه، يظهر فيه جورج بوش الابن في فصل دراسي داخل مدرسة ساراسوتا في فلوريدا صباح الحادي عشر من سبتمبر 2001 حيث يجلس هناك لعدة دقائق (هناك جدل حول ما اذا كانت خمس أو سبع دقائق) وهي الفترة التي يصفها مور بأنها "الفترة التي لم يكن أحد يفعل أي شيء خلالها".
لقد بذل البعض جهودا لدحض افكار مور كما فعل ألان بيترسون في فيلم "فهرنهايب 11/9"   Fahrenhype 9/11  (2004) الذي يقدم فيه رؤية مناقضة عن طريق مناقشة اسلوب مور في الوصول للحقيقة.
على هذا النهج يأتي مقال ريتشارد بورتون من مجلة "سينياست"  Cineast لكي يلقي الضوء على فيلم "سيكو" Sicko (2007) لمايكل مور، الذي يشير الى أن مور "يتقاعس عن رصد جوانب القوة والضعف في النظم الصحية الأوروبية والكوبية". ويرى أن الحقيقة (أيا كان ما تعنيه هذه الكلمة) قد تكون مضللة كحل لأزمة الرعاية الصحية في الولايات المتحدة.

إعلان

وجاء القسم الأخير من الكتاب هو القسم الأكثر أهمية بالنسبة لي لأنه أجبرني على الخروج من منطقة الراحة. إن مور أكثر بكثير من مجرد مخرج أفلام. لقد أنتج وألّف الكتب مثل كتاب "الرجال البيض الاغبياء" 2002  و"أيها المتأنق، أين بلدي؟  2003″، كما أنتج وأخرج العديد من البرامج التلفزيونية الناجحة التي حصلت على جوائز عالمية أو التي رشحت لنيل الجوائز مثل "أمة التلفزيون"، 1994-1996، و"الحقيقة المفزعة"، 1999 -2000، وهو يدير موقعا على شبكة الانترنت نابضا بالحياة هو موقع، MichaelMoore.com. وموقعه الآخر moveon.org.
في المقال الأكثر تألقا في الكتاب، تستكشف كاري إلزا، حاملة درجة الدكتوراه من قسم الإذاعة والتلفزيون والسينما في جامعة نورث وسترن، موضوع ترويج النشاط السياسي عبر الإنترنت.
تقول إلزا ان المؤسسين الأوائل (لشبكة الانترنت) كانوا سيسعدون كثيرا بأن يروا "ان الناس يمكنهم التفاعل عبر هذه الشبكة، مع الشخصيات المعروفة والهيئات العامة". هذا التفاعل، على موقع مور MoveOn.org، يؤدي إلى الحوار بين الناشطين و"الناس". وتشير إلزا، على سبيل المثال، إلى أن نجاح هؤلاء الناشطين في حمل الناس على التسجيل للتصويت في انتخابات عام 2004 انعكس فيما قاله هؤلاء الناشطون للذين سجلوا انفسهم فيما بعد، فقد اخبروهم أنهم يجب أن يشعروا "بأنهم أناس أفضل.. وبأنهم أصبحوا ينتمون للمجتمع المحيط بهم" وتذكرنا بأن المسألة أصبحت مسلية وممتعة، وتؤكد على أن الموقعين يولدان منتجا قويا وفعالا: نشاطا اجتماعيا.
لقد قدم برنشتاين مجموعة قيمة من المقالات. وقد أصبح لدينا الآن لمحة من مساهمات مايكل مور (حتى الآن) في مجلد واحد.
من المؤكد أن رجلا بطاقة مور الكبيرة يجب أن يتم تقديم أعماله حسب تعاقبها الزمني. كنت فقط أرجو أن يبذل القائمون على التحرير في مطبوعات جامعة متشيجان جهدا أكبر في تدقيق نص برنشتاين، فبينما يبدو وجود اخطاء في الكتب التي تصدر حاليا امرا مألوفا إلا أنها تبعث على الضيق. هناك مثلا خطأ في اسم فيلم "لعب البولنج قبيل كولمباين". وهناك بعض  الأخطاء الأخرى في مقال ستادللر تتعلق بالاشارة الى أعمال مور التي تصفها بالسابقة بدلا من الأخيرة، وعير ذلك من الأخطاء.

كتاب مور : الرجال البيض الأغبياء

يلتقط جيفري اوبراين حب مور للجمال وكمأنة المشاهدين عندما يكتب "إن تصوير مايكل مور لما حدث ويحدث في الآونة الأخيرة يعد أحد أشكال السرد الممكنة، ولكن من خلال وجود هذا الشكل ذاته، فإنه يشجع نهجا اكثر فعالية وتشددا في التعامل مع الصور التي تحيط بنا، على أي شيء يكسر تأثير الذهول من التدفق الذي لا نهاية له، من نشرات الأخبار التلفزيونية والنشرات الرسمية التي أصبحت شيئا أقرب إلى واقع مشوه من الصور التي نعلقها في الخلفية، دفق من الصور التي تتحرك إلى الأمام دون النظر الى التطلع أبدا الى الخلف".
وهو يتعمق اكثر عندما يكتب "ان فيلم "فهرنهايت 11/9 " يتعامل مع رغبة الفضول البدائية التي تغري الناس بمعرفة ما سيأتي بعد ذلك في سلسلة من عوامل الجذب، وهو تلاعب يجيد مور استخدامه". 
لهذا فنحن نواصل التطلع للوراء. لقد نجح مور في الايقاع بنا. إننا نريد أن نعرف ماذا سيقدم لنا اليوم، ومن الذي سيتعقبه بعد ذلك، وما هو الكمين الذي أعده لهذا الشخص أو ذاك.
ان الرجل الواقف على باب السيرك لدعوة الجمهور للدخول، يلوح لهم بعصاه، يغويهم  يصوب السهام صوب اللوحة الصغيرة أمامه، يشير الى الستار الموجود خلفه، وحتى لو كان الرجل بدينا ولا يتمتع بوسامة كبيرة، ويرتدي قبعة البيسبول، فإننا نحدق اليه لأننا لا يمكن ان ننتظر لكي نرى ماذا يجري في الداخل.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان