أيام قرطاج المسرحية على إيقاعات الثورات العربية

تحت شعار "المسرح يحتفي بالثورة" ووسط استياء كثير من المسرحيين تختتم فعاليات الدورة الجديدة لأيام قرطاج المسرحية يوم 13 يناير/كانون الثاني الجاري والتي كانت يوم 6 من نفس الشهر، بمشاركة عدد هام من العروض المسرحية من تونس وخارجها. حيث بلغ عدد العروض التونسية المنتقاة 37 عرضا. ويعود استياء البعض لما اعتبروه إقصاء متعمدا لأعمالهم من ذلك الممثل جمال ساسي الذي لم يخف غضبه من عدم إدراج مسرحيته ضمن أول دورة للمهرجان تحتفي بالثورة متسائلا إن كانت الأعمال المختارة أفضل، كما عبر الممثل محمد العوني أيضا عن استيائه ودعا لمقاطعة العروض…

العروض تتجول داخل البلاد
ولعلّ ما يحسب لهذه الدورة التي يديرها وحيد السعفي أنّها أشعّت على جهات البلاد حيث تمّ توزيع عديد العروض التونسية والأجنبية على عدد من المدن داخل البلاد، ما سمح لجمهور المسرح خارج العاصمة ولأول مرة أن يتابع أعمالا  تونسية وعربية وأجنبية قد لا تتوفر الفرصة لمتابعته في ظروف أخرى، كما يمكن الوقوف عند البرنامج الموازي للتظاهرة والذي عني بالتلاميذ والمسرح التلمذي. هذا إلى جانب أمسية شعرية عربية وندوة حول مستقبل المسرح العربي بعد الثورات.
وشملت العروض المسرحية المحترفة التي تمت برمجتها عددا هاما من الأعمال الجديدة والتي توزع عروضها بين المسرح البلدي وقاعة الفن الرابع والمركز الثقافي الجامعي الحسين بوزيان ودار الثقافة ابن رشيق وقاعة الحمراء والتياترو وغيرها من الفضاءات. والمسرحيات هي  "رجاء"  لنسرين للإنتاج و"رسالة إلى أمي" لبيفالو ارت للانتاج الفني و"زنقة عنقني" لشركة الركح الصغير  و"شعبي جدا" لمسرح البديل و"ضمير حي" لفاصل للإنتاج و"طواسين " لفن الضفتين و"عودة نهائية" لآرتيستو و"فايسبوك" لفنون شاملة و"قانون الجاذبية" للرؤية الجديدة للانتاج و" قصر الشوك" لشركة فنون وثقافة و"الكراسي" لشركة مسرح عين  و" لهنا "لشركة ادونيس و"مائة نجمة ونجمة " لشركة انس لفنون الركح و"المجيرة" لمجموعة فسيفساء و"مرض الزهايمر" للمسرح الوطني و"موزاييك" لفرقة مدينة تونس و"نهار راح "لعماد جمعة و"هلال ونجمة "لمركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف و "ورقة بيضاء" لشمس للانتاج و"يبقى الحديث" لشركة السور و "يحي يعيش" لفاميليا للانتاج و"يمنع هنا" لفينوس للانتاج وآخيرا مسرحية "يوفى الحديث "لشركة نجمة الشمال.

ولأول مرة يتمّ إدارج أعمال مسرحية  للهواة  في البرمجة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية، وتمّ بالتنسيق مع الجامعة التونسية للمسرح اختيار عشر مسرحيات وهي "بريستيج للا" لجمعية النهر المسرحي و"بيان ارلوكان وجماعته" لجمعية رذاذ المتوسط و"التقارير" للإبداع المسرحي و"جوانح المحبة" لجمعية الشباب المسرحي بحمام سوسة و"حاول مرة أخرى" لجمعية الفن المسرحي لتحدي الإعاقة و"غزيل البنات" لجمعية النجم التمثيلي بقفصة . فيما شملت قائمة عروض مسرح الطفل وهو ما يحدث أيضا لأول مرة مسرحية "أحلام بنوكيو" لجمعية حلم ومسرحية" أحلام فتاة صغيرة" لشركة كارمن و"حكايات العرائس" للدمية للإنتاج و"الكسوة "لمسرح فن العرائس و"المارد والمدخنة" لشركة تياتر و"مجتمع سليم" لجمعية القاصرين عن الحركة العضوية و"المزمار السحري" لمركز الفنون الدرامية بالكاف.
وبالمقابل سجلت العروض العربية والأجنبية حضورها بامتياز من خلال الأعمال المسرحية القادمة من فلسطين ومصر والمغرب واليمن والأردن والسودان والجزائر وليبيا والإمارات والعراق ولبنان وقطر والكويت فضلا عن مشاركات من الكوت دي فوار فرنسا وايطاليا الوبنين وألمانيا واسبانيا وهولندا وبلجيكا وإيران.

إعلان

احتفالية في الشارع ومفاجأة في قبة المنزه
وكانت الفعاليات الدورة الجديدة لأيام قرطاج المسرحية والتي تتزامن مع مرور عام على ثورة 14 يناير، قد انطلقت في الشارع الرئيسي للعاصمة باحتفالية ضخمة أمنها فنّيا الممثلين فتحي الهداوي وفاطمة بن سعيدان من خلال عروض للخيالة والجيش الوطني والحرس وعروض فرجوية  أمتها فرق موسيقية شعبية ومسرحية تونسية وأجنبية، إلى جانب عرض لثلاثي الأكرديون من إطاليا وعرض لطلبة مدرسة السيرك ساهمت في تحريك سواكن شارع بوقيبة الذي لم يشهد غير المظاهرات والاعتصامات على امتداد شهور طويلة، ليشارك المارة في الاحتفالية ويتمّ الإعلان رسميا عن أول دروة للتظاهرة بعد ثورة 14 يناير. أمّا داخل المسرح الببلدي فقد اعتلت الركح عديد الفرق الشعبية من تونس وليبيا كما شاركت فرقة موسيقية شعبية من صعيد مصر. إثر ذلك كان الجمهور وأهل المسرح على موعد مع عرض الافتتاح في قبة الرياضة بالمنزه، وهو العرض الذي انتظره الجميع بعد أن قيل عنه الكثير سيّما وأنّ مهندس العرض هو الفنان الفاضل الجزيري.
ولطالما مثّلت أعمال الفاضل الجزيري مصدر جدل، ولطالما خلفت نقاشات طويلة وردود فعل متباينة حولها. وليس غريبا أن يخرج أغلب من تابع عرض الافتتاح للدورة الأخيرة لأيام قرطاج المسرحية في شبه اتفاق على بساطة العرض وعدم توفره على عناصر الفرجة التي وعد بها الجزيري على الأقل. وهو الذي سبق أن قدم أعمالا ضخمة تعتمد على كمّ هائل من الممثلين والموسيقيين مثل "النوبة" و"الحضرة".
اشتغل الجزيري على عمل سبق أن قدمه الراحل علي بن عياد على خشبة المسرح سنة 1969 عن نص لعز الدين المدني كتبه بين سنتي 1967 و1968 وهو مسرحية "ثورة صاحب الحمار"، وسعى الجزيري لتقديم رؤيته الخاصة وقراءة رأى أنها تتماشى مع النزعة الثورية التي طبعة الربيع العربي انطلاقا من تونس. وهو عمل إبداعي تناول سيرة مخلد بن كداد اليفزني الملقب بصاحب الحمار والذي شنّ ثورة على الدولة الفاطمية بالمهدية في القرن الرابع هجري.

ولكنّ الأصوات التي رافقت العرض منذ انطلاقته في قبة قصر الرياضة بالمنزه وهو الفضاء الذي تخيّره الجزيري لعرض الافتتاح، تلك الأصوات المنادية بتحسين نوعية الصوت أو إرجاع "مال الشعب" في إشارة إلى تكلفة العرض والتي يرى البعض أنها باهضة نوعا ما، وقفت دون التعامل معه كعمل فنّي، فالإحساس السائد أنّ ثمة رفضا للعرض حتى قبل ظهوره، ليتعمق هذا الإحساس مع الوقت ويأخذ أبعادا أخرى في رفض العمل جملة وتفصيلا ولو أنّ البعض من عشاق الفن الرابع والذين حضروا بكثافة رأوا أن الوزر يحمله الجزيري وحده أما فريق العمل فقد اجتهد وإن لم يصب.
عمل ضخم وفرت له وزارة الثقافة التونسية 150 ألف دينار (110 ألف دولار) وأكثر من 150 عنصرا منهم ثلاثون ممثلا بين محترفين ومبتدئين ومغنين والبقية مثلوا الشعب، لم يرقَ حسب أغلب المتابعين ليكون عملا فرجويا في مستوى الانتظارات، وربما كان اختيار الفضاء أحد أسباب هذا "الفشل". ومع ذلك يرى آخرون أنّ العمل لم يأخذ حظه وعلى الوزارة الثقافة أن تبرمجه في فضاءات أخرى يمكن فيها التعامل معه بشكل مغايرا سواء من النقاد أو الإعلاميين أو الجمهور. ذلك أن أعمال الجزيري كانت دائما محلّ جدل بين قبول ورفض. وفي انتظار ذلك إن تمّ أجمع أغلب المتابعين أنّ على وزارة الثقافة أن تكفّ عن طرقها في توزيع خيراتها على أصدقائها والالتفات إلى شباب البلاد من المبدعين الذين تتوفر فيهم رغبة التجديد وثورة التغيير ومحبة الفنّ دون رمي الملايين في البحر كما حدث مع عروض أخرى صرفت عليها الوزارة مئات الآلاف وعرضت لمرة واحدة يتيمة.
ومع ذلك ثمّ من يجد للجزيري مبررات، حيث يرى أنّ الجمهور الحاضر لم يجتهد لفهم ما يحدث أمامه في "ركح" قبة المنزه، وتعامل معه على ضبابيته دون التفكير في محاولة الفهم وربما عاد ذلك لنوعية الصوت التي كانت حاجزا هاما بين الطرفين.
إذن على وقع الاستياء والرضا تواصل هذه الدورة الخامسة عشرة فعالياتها احتفاء بالثورات العربية في انتظار مستقبل أكثر إشراقا للمسرح العربي بعد نسائم التغيير التي هبّت على الوطن العربي وجرعة الحرية التي عمّت عددا من بلدانه.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان